منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئـُٔونَ (1) تأملات إيمانية فى آيات القرآن الكريم

ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئـُٔونَ (1) تأملات إيمانية فى آيات القرآن الكريم/ د.محمد عطا مدنى

0

“ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئـُٔونَ” (1) تأملات إيمانية فى آيات القرآن الكريم
بقلم: د.محمد عطا مدنى

جاء لفظ (الشجر) بمشتقات مختلفة فى القرآن الكريم منها (الشجر، شجرتها، كشجرة، شجرها، الشجرالأخضر، شجرة الزقوم) ، وقد ورد اللفظ فى بعض الآيات الكريمات فى قوله جل وعلا:

(1) (الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) (يس 80).

(2) وقال: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (النحل 68)

وقد فسر (القرطبى) الآية الكريمة الأولى بقوله: (الشجر من الماء، والماء بارد رطب ضد النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فهو القادر على إخراج الضد من الضد، وهو على كل شيء قدير(ص 445). وذكر (ابن كثير) فى تفسير الآية الكريمة الثانية: (أن المراد بالوحي هنا الإلهام والهداية وإرشاد النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الأشجار، ومما يعرشون)(ص 274).

ويتضح من سياق الآيتين الكريمتين السابقتين، أن (الشجر) المذكور بهما هو شجر الآرض، ولكن هل (الشجر) المذكور فى الآيتين التاليتين هو شجر الأرض أيضا ؟ وهو ماجاء فى قوله تعالى:

(3) (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ  أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ((الواقعة 71-73)

(4) (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). (النور35)

ويقول (التفسيرالوسيط للطنطاوى) فى معنى الآية الثالثة: (لكل شجر نار، وشجر المرخ والعفار أكثر الشجر نصيبا في استخراج النار. فهو مثل يضرب في تفضيل الشيء على غيره. وهما شجرتان ، يقدح غصن إحداهما بغصن الأخرى فتتولد النار منهما بقدرة الله تعالى. والمعنى أخبرونى عن النارالتي تقدحونها وتستخرجونها من الشجرالرطب الأخضر، أأنتم خلقتم شجرتها، واخترعتم أصلها، أم نحن الخالقون لها وحدنا؟ (أى الله سبحانه وتعالى) وهوالجواب الذي لا جواب غيره (ج14، ص180). أما الآية الكريمة الرابعة والتى مطلعها قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فقد أعجزت قول المفسرين واختلفوا فى تفسيرمعنى شجرتها فقد ذكر(المختصرفى التفسيرللشنقيطى) (أن الشجرة هي شجرة الزيتون، التى لا يسترها عن الشمس شيء، لا في الصباح ولا في المساء، ويكاد زيتها لصفائه يضيء ولو لم تمسسه نار، ونور المصباح على نورالزجاجة يمثل قلب المؤمن إذا أشرق فيه نور الهداية، والله يوفق من يشاء من عباده، ويبين الله الأشياء للناس بضربه الأمثال، والله بكل شيء عليم أى لا يخفى عليه شيء) (ص354). وجاء فى تفسير (القرطبى): (أن الشجرة المقصودة شجرة الزيتون،وهى من أعظم الثمار نماء. وهى لا شرقية ولا غربية، أى تصيبها الشمس إذا شرقت، وتصيبها إذاغربت، وهى في صحراء مكشوفة، أو على قمة جبل عال، تفيد من أشعة الشمس طوال النهار، ولهذا يكاد زيتها يضئ لشدة صفائه ولو لم تمسسه نار المصباح ولهذا لا يواريها عن الشمس شيء وهذا أجود لزيتها ، وأن هذه العوامل كلها تزيد المصباح إضاءة فوق إضاءة، ونورعلى نور) (ص354).

ولقد احترت كثيرا وأنا اقرأ هاتين الآيتين الكريمتين مرات ومرات، وأشعر بأن التفاسير الواردة لم تستنطق المعنى المقصود فيهما، وأعتقد أن الشجرة فى الآية الثالثة تشير إلى الشمس، أصل الطاقة وشجرتها، لأن النار يمكن توليدها من مصادر مختلفة على الأرض، ومن شجرغير المرخ والعفار، وهذه المصادرالنباتية رغم تعددها، يرجع تكوين بنيتها جميعها إلى الشمس، التى تخزن الحرارة والضوء فى النباتات عن طريق التمثيل الكلوروفيلى، وكان يمكن للآية الكريمة أن تستخدم لفظ (أنبتّم) للشجرة، إذا كان المقصود شجر الأرض الأخضر. لأن لفظ (أنشأتم) لا يأتى لشجرة، وإنما لشئ أعظم شأنأ، وأكبر بنيانا، وأسمى خلقا، وأرقى إبداعا يتعلق بمصدر الطاقة الرئيس وهو الشمس، ذلك النجم الذى وضعه الله سبحانه وتعالى فى هذا المكان من الكون ليبعث الحياة على الأرض بإذنه وتقديره..! وقد قادنى إلى هذا الرأى تفكيرى فى معانى آية النور، والتى مطلعها قوله تعالى : (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وبالذات عبارة (يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ)، وتساءلت: هل يمكن أن تكون هى نفس الشجرة فى الآية السابقة ؟ لقد شعرت بجلال النورالإلهى ينبثق متفجرا من خلال جمل وكلمات وحروف، هذه الآية الكريمة، وكنت أتساءل بينى وبين نفسى- مع احترامى لجهود المفسرين القدامى جميعهم- الذين بذلوا جهودا مضنية فى تفسير آيات الله الكونية، مستخدمين ما وصلوا إليه من علوم ومعارف فى ذلك الوقت المبكر من التاريخ الإسلامى. وقد كان تساؤلى حول طبيعة النورالإلهى، والمثل الذى ضربه الله سبحانه وتعالى لطبيعة هذا النور. وقد تركز السؤال فى الآتى: هل يمكن أن يضرب الله سبحانه وتعالى مثلا بنوره وتردده فى الأكوان، بمصباح بشرى مهما كان حجم وطبيعة هذا المصباح، ودرجة صفاء زيته وعظم ضياء نوره؟ وقد خلق سبحانه وتعالى بلايين البلايين من المصابيح فى الفضاء مختلفة الأشكال والأحجام، وحدد بدقة نظم سيرها وطبيعة حركتها؟

وفى أثناء بحثى لمعرفة حقيقة تلك الشجرة العجيبة، أثارانتباهى عبارة جاءت فى أحد التفسيرات القديمة، وهى ما جاء فى تفسير(البغوى) أن الشجرة المذكورة فى الآية الكريمة ليست من أشجار الأرض، ولو كانت كذلك لكانت شرقية أوغربية..!

وفى لحظة ما، قفز إلى ذهنى ذلك التعبيرالجازم والقوى والاستنكارى، الذى ورد فى الآية السابقة فى قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ)؟ ولماذا لا تكون هذه الشجرة هى نفسها التى وردت فى آية النور؟ أى شمسنا ذلك النجم العجيب أصل كل طاقة على الأرض، والذى وضعه المولى جل وعلا فى ذلك المكان المناسب من الأرض ليساعد على نشر الحياة فى ربوعها؟ ولم تكتمل الصورة العجيبة لهذه الآية الكريمة فى ذهنى والتى توضح تردد النور الإلهى فى الأكوان، حتى وقع فى يدى بحث للدكتور منصور حسب النبى أستاذ الفيزياء والفلك بجامعة عين شمس، وعنوانه (الكون والإعجاز العلمى للقرآن الكريم)، وقد ذكر فيه أن المصباح المذكور فى الآية الكريمة هو القمر، وأن المشكاة المظلمة هى السماء، وقد أثبتت أبحاث الصخور الواردة من القمرارتفاع نسبة الزجاج (السيليكا) على سطحه (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ)، وهذا ما يجعله مضيئا (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ)، فهو يعكس إلينا ضوء الشمس (الشجرة المباركة) أصل كل طاقة على الأرض، والتى تقع خارج الكرة الأرضية. والتى تبدوالمعجزة فى طريقة إضاءتها (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ)، حيث ثبت علميا أن الشمس لا تُصدر حرارتها وأشعتها بالتهاب كتلتها مثل الفحم أو الخشب. وإنما تُصدر حرارتها عن طريق الإندماج النووى فى قلبها، عندما يتحول الهيدروجين إلى هليوم، وفارق الطاقة يخرج من قلبها على هيئة أشعة تأخذ مسارها من قلب الشمس إلى سطحها، مستغرقة زمنا يقدر بحوالى مليونى عام..! ثم تصل حرارتها إلى الأرض فى ثمان دقائق فقط..! فتنشر فى مناحيها الحياة والنماء والضوء..! سبحانه وتعالى ربنا خالق هذه (الشجرة المباركة)، التى يتردد النور بينها وبين الكوكب الدرى (القمر)، فى ظاهرة يشاهدها الإنسان يوميا، وذلك هو المثل الذى يضربه المولى جل وعلا للإنسان، الذى لا يستطيع بعقله المحدود، ورؤيته القاصرة، أن يدرك طبيعة وجلال وروعة تردد النور الإلهى فى الأكوان..!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.