منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ” (3) تأملات إيمانية فى آيات القرآن الكريم

د.محمد عطا مدنى

0

“وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)” (3) تأملات إيمانية فى آيات القرآن الكريم
د.محمد عطا مدنى

قال سبحانه وتعالى فى محكم تنزيله: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ)، وعندما نتأمل هذه الآية العظيمة، نجد أن دقة التعبير في القرآن الكريم تضع لفظ (المتاع) في المكان المناسب لتعبر عن الفائدة الحقيقية للجبال. لأن لفظ (متاع) أعم وأشمل من لفظ (منافع) لأن لفظ (متاع) يشمل الجانبين المادي والمعنوي للإنسان والأنعام على السواء. والحقيقة أن كلام الله سبحانه وتعالى يأتي بقدر المعنى تماماً، وفي غاية الدقة ليعبر عن الشئ تعبيراً كاملاً، فقد تم وصف فائدة الجبال فى القرآن الكريم بأنها تحقق المتاع لكل من الإنسان والأنعام على السواء، ‏و(الجبل‏)‏ في اللغة هو المرتفع من الأرض ارتفاعاً ملحوظاً يجعله يعظم ويطول على ما حوله من الأرض، والجمع أجبال وجبال.

وقد عرف الإنسان منذ القدم وحتى يومنا هذا أن الجبال الراسيات تحقق له الآمن والآمان فالتف حولها يسكن على سفوحها، ويزرع مدرجاتها ليقتات من خيرها. ومازالت الجبال وإلى قيام الساعة هي المصدر الرئيسي للصخور والأحجار والأسمنت وجميع لوازم مواد البناء، حتى يستطيع الإنسان أن يبني المساكن والقصور والطرق والجسور والأنفاق والسدود. قال تعالى (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا)النحل81.

وتعتبر الجبال موطنا لحوالي 15% من سكان العالم، وتغطي الجبال حوالي 27% من سطح الأرض، كما تحوى ربع الحيوانات والنباتات البرية ومعظم الزهور والأعشاب العطرية في العالم، كما أنها توفر المياه العذبة للحياة اليومية لنصف البشرية. وتلعب دورا مهما في دفع العالم نحو النمو الاقتصادي المستدام. ويعتبر الحفاظ عليها من العوامل الرئيسة لتنمية الدول. كما تلعب الجبال دورا رئيسيا في توفير الطاقة المتجددة من خلال الطاقة المائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهنالك منتجات مهمة نستهلكها اليوم بكثرة مثل البطاطس والذرة والطماطم والذرة الرفيعة والتفاح والشعير وجدت أصولها الأولى فى الجبال.

كما تحتوي السلاسل الجبلية المتنوعة على ثروات معدنية نفيسة تزيد عن مائتى معدن تقريباً. وتوجد معادن كثيرة منها في صور عنصرية نقية مثل الذهب أوالكبريت أوالجرافيت، أو قد يتكون نتيجة حدوث اتحاد كيميائى بين عنصرين أو أكثر لتكوين مركبات كيميائية ثابتة.

إن من تمام نعم الله على الإنسان أنه خلق الجبال على ظهر الأرض ليحقق المتاع العظيم للإنسان حتى يستفيد منها منقبا عن الثروات المعدنية النفيسة التي تخرج من باطن الأرض، والتي تشكل قاعدة التطور الصناعي والاقتصادي للأوطان، وتشكل أهمية استراتيجية لكل بلدان العالم.

وقد أثبت العلم الحديث أيضا أن للجبال جذوراً مغروسة في الأعماق، تساوى حوالى ستة أضعاف الجزء الظاهر فوق سطح الأرض، ولقد وصف القرآن الجبال بكونها أوتادا للأرض، فقال عز من قائل (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (النبأ 7). مما يتفق تمامًا مع دور الجبال على حواف القارات في تثبيت قشرة الأرض ومنعها من أن تضطرب أويختل توازنها، مع الإشارة إلى نعم الأنهار والطرق الجبلية، فقد وجه القرآن الكريم نظرنا إلى ذلك فى قوله تعالى: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (النحل15)

ومن المتع التى تمنحها لنا الجبال الثمرات بألوانها المختلفة وألوان الصخور، وما لها من تأثيربالغ على صحة الإنسان النفسية، وهي تعدّل الطبع والمزاج، وتسمو بالروح وتغذي الأعصاب، وتسبب الإحساس بالراحة والطمأنية، وبعث الهدوء في النفس الإنسانية، وقد ذكرها القرآن الكريم فى محكم آياته (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ)(فاطر27)

وللجبال دور مهم فى سقوط الأمطار، حيث تصطدم السحب بقمم الجبال الشوامخ فتسقط ماءا نقيا فراتاً كما وضح ذلك المولى عز وجل بقوله: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً) (المرسلات: 27)

ومن الأدوار المهمة للجبال الإستشفاء الطبيعي في الأماكن الجبلية، فالعيون والينابيع المنبثقة من أماكن عديدة في العالم مثل الينابيع الكبريتية والعيون الساخنة وغيرها، تستخدم في علاج المصابين بالأمراض الجلدية، وأمراض الدورة الدموية، وآلام العظام والمفاصل والظهر والعضلات والصدفية، مما يحقق متاعا للإنسان من جهة، وتمتعه بتحسن صحته من جهة أخرى.

كما أن من فوائد الجبال انتاج عسل النحل، فأطايب العسل وأعظمها شهرة هو ما ينتج من الجبال،

قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ، ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (سورة النحل 68).

وقد أصبح مؤخراً حليب الإبل الجبلية التي ترعى على المراعي الطبيعية في الجبال محط أنظار العالم، بعد أن أقرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أهميته كغذاء وعلاج لكل البشر. وهذا إعجاز علمي وضحته سنة المصطفي صلى الله عليه وسلم: فعَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا اجْتَوَوْا فِي الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ، يَعْنِي الابِلَ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ (رواه البخاري).

ولقد أشارت بعض الدراسات العلمية بأن تربة الجبال تحتوي على كمية كبيرة من المضادات الحيوية، وتستخدم لعلاج بعض الأمراض الجلدية وشد البشرة وتنعيمها وعلاج ألام المفاصل والروماتيزم. وهذا إعجاز علمي في السنة النبوية الشريفة: فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض: (باسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا، بإذن ربنا) (رواه البخاري).

وللجبال وضع مهم فى ديننا الإسلامى الحنيف، ولهذا قال المولى جل وعلا: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ) (الحج 18). فبالرغم من ضخامة الجبال وعظمتها إلا أن هناك لغة مشتركة بين الجبال والإنسان، وهي لغة تسبيح الله عز وجل بلغة لا نعلمها ولا نعرفها، إنما يعرفها خالقها جل شأنه.

وقد اتجهت أنظار العالم في عام 2002 إلى حماية الجبال، وقد أعلنت الأمم المتحدة ذلك العام عاماً دولياً للجبال، كما حددت يوما دوليا تحتفل فيه بالجبال فى الحادى عشر من ديسمبر من كل عام. وقد ركز موضوع عام 2019 على أهمية الجبال في تشكيل مستقبل الشباب الريفي.

هذه واحدة من نعم الله على الإنسان(وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗإِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ((النحل14).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.