منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحكام زكاة الفطر وفدية الصيام.

أحكام زكاة الفطر وفدية الصيام/ الدكتور أحمد الإدريسي

0

أحكام زكاة الفطر وفدية الصيام

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

أولا: زكاة الفطر وأحكامهـا.

       زكاة الفطر صدقة تجب بالفطر في رمضان، وأضيفت إلى الفطر لأنها سبب وجوبها، فهي واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، بالسنة والإجماع؛ عـن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)[1]. (والمراد هنا صلاة العيد). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من أَقِطٍ أو صاعا من زبيب)[2].

ولها أسماء أخرى وردت في نصوص شرعية، منها: صدقة الفطر، وزكاة الصوم، وصدقة رمضان. من أحكام زكاة الفطر، نذكر ما يلي:

1- مقدارها: صدقة الفطر صاع عن كل شخص، والصاع أربعة أمداد، والمد حفنة ملء اليدين المتوسطتين. فالمد يساوي: 544 جراما حسب الوزن بالقمح.

والصاع يساوي بالوزن الحالي: كيلوين و176 جراما حسب الوزن بالقمح.

2- إذا لم يستطع المسلم إخراج زكاة الفطر كامل:

     وإذا وجبت صدقة الفطر على المكلف ولم يكن مستطيعاً إخراج كامل الصدقة بل بعضها أخرج ذلك البعض وجوباً، لحديث أبي بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فمثلاً إذا وجب عليه إخراج صدقة الفطر عن عدة أشخاص، وكان غير قادر على إخراجها عنهم جميعاً، ولكن يستطيع إخراجها عن بعضهم، فإنه يبدأ بإخراجها عن نفسه أولاً، ثم عن زوجته، ثم عن والديه الفقيرين، ثم عن ولده.

3- وقت إخراجها:

الأصل أنه؛ يندب إخراجها بعد فجر يوم العيد، ويجوز إخراج صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، كما كان يفعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ولا يجوز أكثر من ذلك على المعتمد. وقيل يحرم تأخيرها عن يوم العيد، ولكن لا تسقط بمضي ذلك اليوم، بل تبقى في ذمته أبداً حتى يخرجها، طالما كان غنياً وقت وجوبها.

4- الأصناف التي تخرج منها:

       يخرج المكلف صدقة الفطر من غالب قوت أهل البلد، الذي هو أحد الأصناف التسعة   التالية: القمح، الشعير، السلت، الذرة، الدخن، الأرز، التمر، الزبيب، الأقط (لبن يابس أخرج زبده)، وجمع بعضهم الثمانية الأولى في بيت فقال:

قمح شعير وزبيب سلت… تمر مع الأرز دخن ذرة

    ولا يجزئ إخراجها من غير غالب هذه الأصناف التسعة، إلا إذا كانت إحداها أفضل فيندب الإخراج منها كما لو غلب اقتيات الشعير فأخرج قمحاً.

      كما لا يجوز إخراجها من غير هذه الأصناف التسعة كالفول والعدس مثلا، إلا إذا فُقدت الأصناف التسعة المذكورة، واقتيت غيرها فيخرج من الغالب في الاقتيات. وإذا أراد المكلف أن يخرج صدقته من اللحم اعتبر الشبع في الإخراج، فمثلاً إذا كان الصاع من القمح يشبع اثنين لو خُبِزَ، فيجب أن يخرج من اللحم ما يشبع اثنين.

      قال الحطاب: (… فإن كان أهل بلد ليس عندهم شيء من الأصناف التسعة، وإنما يقتاتون غيرها فيجوز أن تؤدى حينئذ من عيشهم، ولو كان من غير الأصناف التسعة، قال في المدونة: قال مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والأقط صاع من كل صنف منها ويخرج ذلك أهل كل بلد من جل عيشهم من ذلك، والتمر عيش أهل المدينة ولا يخرج أهل مصر إلا القمح لأنه جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزئهم، قال مالك: ولا يجزئ في زكاة الفطر شيء من القطنية، وإن أعطى في ذلك قيمة صاع من حنطة أو شعير أو تمر مالك ولا يجزئه أن يخرج فيها دقيقا ولا سويقا وكره مالك أن يخرج فيها تينا، وأنا أرى أنه لا يجزئه، وكل شيء من القطنية، مثل اللوبيا أو شيء من هذه الأشياء التي ذكرنا أنها لا تجزئ إذا كان ذلك عيش قوم فلا بأس به أن يؤدوا من ذلك ويجزئهم)[3].

5- إخراج زكاة الفطر نقدا:

      المشهور في المذهب المالكي عدم إخراج القيمة، قال الإمام مالك رحمه الله: (ولا يُجْزِئُهُ أَنْ يدفع في الفطرةِ ثمنا)[4]. وسئل عن الرجل لا يكون عنده قمح يوم الفطر، فيريد أن يدفع ثمنه إلى المساكين يشترونه لأنفسهم، ويرى أن ذلك أعجل؛ قال: لا يفعل ذلك، وليس كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن رواية عيسى قال ابن القاسم: ولو فعل لم أر به بأسا.

     قال ابن رشد: رواية عيسى هذه عن ابن القاسم خلاف رواية أبي زيد عنه بعد هذا، وقد قيل: إنها ليس بمخالفة لها، وإنما خفف ذلك[5].

     لكن الجمهور على جواز إخراجها نقدا لما فيه مصلحة المزكي والمستفيد. وعملا بروح النصوص الواردة في زكاة الفطر، ومنها حديث: “أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم”.

وقد ذهب ابن تيمية إلى جواز إخراج زكاة الفطر نقداً إذا كان ذلك يعود بالنفع على الفقير.

والنقد أكثر فائدة لهم في شراء الضروريات، وأسهل لمن يؤدي الزكاة بدلا من شراء الطعام وتوزيعه. وكذلك لتؤدي المقاصد المرجوة منها، وخاصة في زماننا هذا.

ثانيا: مقاصدها زكاة الفطر.

شرعت زكاة الفطر لتحقيق مقاصد تربوية واجتماعية، منها:

* تجبر نقصان الصوم، فعَنْ وَكِيعٍ بْنِ الْجَرَّاحِ رحمه الله قَالَ: (زَكَاةُ الْفِطْرِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ كَسَجْدَتِي السَّهْوِ لِلصَّلاةِ، تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ كَمَا يَجْبُرُ السُّجُودُ نُقْصَانَ الصَّلاة)[6].

* سبـبُ الفـوز عند الله تعالى: فقد قيل هي المقصودة بقوله تعالى في سورة الأعْلَى: “قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى”( الأعلى، الآيتان: 14-15). رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ قَالا: أي؛ “أَدَّى زَكَاةَ الْفِطْرِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ” (يقصد صلاة العيد).

* تزكيةٌ للنفس وتطهيرُ لـها من داء الشح والبخل. فهي زكاةٌ للنفوس والأبدان، حيث تُـعد صدقة الفطر زكاة عن الأبدان والنفوس وقربة لله عز وجل عن نفس المسلم، أو زكاة لبدنه، وبعبارة أخرى تعبر عن شكر العبد لله عز وجل على نعمة الحياة والصحة التي أنعم الله عز وجل بها على عبده المسلم.

* تطهير الصائم من اللمم؛ قد يقع الصائم في شهر رمضان ببعض المخالفات التي تخدش كمال الصوم من لغو ورفث وصخب وسباب ونظر محرم، فشرع الله عز وجل هذه الصدقة لكي تصلح له ذلك الخلل الذي حصل فيه، “عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَات)[7].

* إطعام للمساكين والمحتاجين أيـام العيد، وبذلك تعُـم الفرحة في يوم العيد لكل الناس حتى لا يبقى أحد في هذا اليوم محتاجا إلى القوت والطعام ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم”، وفي رواية: “أغنوهم عن طواف هذا اليوم)[8].

* مواساةٌ للفقراء والمساكين، وإغناء لهم من ذل الحاجة والسؤال يوم العيد.

* إشاعةٌ روح التكافل والمحبة والمودة بين أفراد المجتمع المسلم، وذلك بالإحسان إلى الفقراء، وَكَفُهـم عن السُؤال في أيــام العيد ليشارِكوا الأغنياء فِي فرحـهم يوم عيد.

ثالثا: من أحكام فدية الصيام.

       الفِدية هي: عِوضٌ يقدّمه العبد المكلّف؛ للتخلّص من مكروهٍ وُجّه إليه[9].

وفدية الصيام؛ عِوض يقدّمه مَن عجز عن الصيام؛ كفّارة لما أفطره. وهي عبادة تعوض عن عبادة الصيام، وقد أمر الله عز وجل كل من لم يستطع الصيام في رمضان أو لم يستطع تعويض الأيام التي لم يصمها بعد هذا الشهر الكريم بسبب المرض المزمن، أو عدم القدرة على الصيام أن يطعم مسكيناً.

1- مقدار فدية الصيام.

      تعدّدت آراء الفقهاء في مقدار فدية الصيام، وذهبوا في ذلك إلى ثلاثة أقوالٍ، وهي[10]:

القول الأوّل: قال الحنفيّة بأنّ الفدية تُقدَّر بصاع من التمر، أو الشعير، أو بنصف صاعٍ من القمح، عن كلّ يومٍ.

القول الثاني: قال كلٌّ من الشافعيّة، والمالكيّة بأنّ الفدية تُقدَّر بمُدٍّ من الطعام عن كلّ يومٍ.

القول الثالث: قدّر الحنابلة الفِدية بمُدٍّ من القمح، أو نصف صاعٍ من التمر، أو الشعير.

2- تكرار الفِدية:

تعدّدت آراء فقهاء المالكيّة والحنابلة والشافعيّة، القائلين بترتُّب الفِدية على الإفطار في رمضان في حكم تكرار الفدية بتكرار الأعوام، وذهبوا في ذلك إلى قولَين[11]:

الأول: قال الشافعيّة تتكرر الفِدية بتكرّر الأعوام؛ لأنّ الحقوق الماليّة لا تتداخل. سقوط الفِدية بالعجز تسقط الفِدية حال العجز عن أدائها، كالعجز؛ بسبب الفقر، ولا يترتّب أيّ إثمٍ على ذلك، قال تعالى: “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا” (البقرة:285) لأن العجز خارجٌ عن إرادة الإنسان، ولا علاقة لـه به.

الثاني: قال المالكيّة، والحنابلة بأنّ الفِدية لا تتكرّر بتكرار الأعوام، بل تتداخل قياساً على الحدود.

3- وقت دفع الفِدية:

      تُخرَج الفِدية عن كلّ يومٍ بعد استباحة إفطاره؛ أي حين تحقّق طلوع فجره، وبذلك تثبت بالذّمة، أمّا قبل ذلك فلا تثبت؛ إذ لا تكليف بالصيام إلّا بتحقّق طلوع الفجر، ويصحّ أداء الفِدية عن كلّ يومٍ، أو أداؤها مرّةً واحدةً عن كامل ما تمّ إفطاره في شهر رمضان بعد انقضائه[12].

خاتمة:

      من أهم مقاصد زكاة الفطر؛ “إغنـاء الفقير يوم العيد عن المسألة”، لذلك أجاز العلماء إخراجها قبل يوم العيد بيومين أو ثلاثة.

قال الإمام البغوي: (والسُّـنة أن تخرج صدقة الفطر يوم العيد قبل الخروج إلى المصلى، ولو عجَّـلها بعد دخول شهر رمضان قبل يوم الفطر يجوز، و”كان ابن عمر يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة”)[13].  والحمد لله رب العالمين.


[1] – الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الزكاة، باب: صدقة الفطر، حديث رقم: 1503.

[2] – رواه الإمام البخاري، كتاب: الزكاة، باب: صدقة الفطر صاع من طعام، حديث رقم: 1506.

ورواه الإمام مالك في الموطأ، كتاب: الزكاة، باب: مكيلة زكاة الفطر، حديث رقم: 628/55.

[3] – الحطاب، مواهب الجليل، 2 / 368.

[4] – ابن رشد، النوادر والزيادات، 2 / 303.

[5] – ابن رشد، البيان والتحصيل، 2 / 486.

[6] – رواه الإمام النووي في مجموع الزوائد.

[7] – رواه أبو داود، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الفطر، حديث رقم: 1609.

[8] – رواه الدارقطني في سننه، كتاب: “زكاة الفطر”، حديث رقم:67.

[9] – لمزيد تفصيل يٌنظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، (دار الصفوة، مصر، الطبعة الأولى)، ج: 32 / ص: 65.

[10] – يٌنظر أيضا: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، (مرجع سابق)، ج: 32 / ص: 67.

[11] – أنظر: عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة. (دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 2003). ج: 1 / ص: 521 وما بعدها.

وفتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج:3 / ص:367.

[12] – وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته. (مرجع سابق)، ج:3 / ص: 1747.

[13] – شرح السنة للإمام البغوي، ج: 4 / ص: 44.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.