المقدمة :
الحمد لله رب العالمین ، والصلاة والسلام على خیر خلقه محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى یوم الدین .
الشریعة الإسلامیة من عند الله تعالى ، والله هو الذي أنزل أحكامها ، وفصل كل ما فیها في القرآن الكریم والسنة النبویة كأصلین متفق علیهما ، فالحاكم هو الله تعالى وحده ، ولیس لبشر مهما كان أن یضع من عنده حكما،
وإنما دور البشر محصور في فهم الأحكام وحسن تطبیقها ، والاجتهاد فیما لا نص فیه ، فلا مساغ للاجتهاد في مورد النص ، فإذا ورد نص شرعي في قضیة وجب العمل به ، ولا یقبل أي حكم آخر سواه من المجتهد ، أو بالأخذ بالرأ ي المبني على أصول التشریع ، وفهم مبادئ الشریعة وأهدافها وروحها العامة ، وفهم مناط الدلیل ، ووضع الدلیل على الواقع ، وهذا للمجتهد الذي توافرت لدیه ملكة استنباط الأحكام التفصیلیة من الأدلة التشريعية ، وهذه الأدلة منها ما هو متفق علیه ، ومنها ما هو مختلف فیه في الظاهر ، معمول به لدى الجمیع في الحقیقة والواقع .
وهذا كله نجده في علم أصول الفقه ، فهو من أجل العلوم وأفضلها على الإطلاق ؛ لأنه علم یجمع بین النقل والعقل ، إذ أنه آلة استنباط الأحكام واستثمارها من النصوص الشرعیة ، وهو الذي یعتمد علیه في حل القضایا المعاصرة وتنزیلها على مناطاتها وأصولها .
فنحن نوقن أن شریعتنا الإسلامیة الغراء تتسم بطابع العموم ، وجاء تعریفها للأحكام في الغالب في قواعد كلیة عامة ، فاتسعت لكل أحوال العباد وأحداثهم ، وجاء معظم نصوص أحكام الشریعة من الكتاب والسنة ، وهما الرافدان الأساسیان لهذه الشریعة الغراء ، جاء عاًما یفید الشمول ویستغرق أفرادا غیر محصورة .
فإذا أضیف إلى ذلك أن معظم تلك النصوص العامة قد خصت ، وطرأ علیها ما أخرج بعض أفرا دها التي یتناولها في أصل الوضع ، مما جعلنا نؤمن بالقول: ” أنه ما من عام إلا وقد خُص منه البعض ، من هنا برزت أهمیة دراسة التخصیص ، كمسلك من مسالك درء التعارض بين النصوص الشرعية ،
المبحث الأول : تعريف التخصيص وحكمه وأنواع المخصصات
المطلب الأول : تعريف التخصيص
أوّلاً : تعريف التخصيص لغةً :
التخصيص في اللغة : مَصْدَر ” خصَّص ” .. يقال ” خصَّص ” : خصَّه بالشيء يَخُصّه خصّاً وخصوصاً وخصوصيّةً والفتح أَفْصَح .وخصَّص وخصَّصه واخْتَصّه به : أَفْرَده به دون غيْره , يقال ” اختصّ فلان بالأمر وتخصّص له ” : إذا انفرَد وخصّص غيْره واخْتَصّه ببِرّه . والخاصّ والخاصّة : ضدّ العامّة , والتخصيص : ضدّ التعميم , واخْتَصّه بالشيء : خصّه به . فـ” اختصّ ” و” تخصَّص ” لازم ومُتَعَدّ [1] .
ثانياً : تعريف التخصيص عند الأصوليّين .
لقد وقفتُ على تعريفات عدّة لِلتخصيص عند الأصوليّين ، أكتفي في هذا بإيراد بعض منها فيما يلي:
التعريف الأول : لأبي الحسين البصري [2] رحمه الله تعالى وهو :( إخراج بعض ما تَناوَله الخطاب مع كوْنه مقارِناً له ) [3] ، وتَبِع البصريَّ رحمه الله تعالى بعض الأصوليّين في تعريفه ، مع تعديل فيه ، منهم الفخر الرازي رحمه الله تعالى ، الذي عَرَّفه بأنّه : ( إخراج بعض ما تَناوَله الخطاب عنه ) [4] . ونحْوه تعريف البيضاوي رحمه الله تعالى , وهو : ( إخراج بعض ما تَناوَله اللفظ ).
التعريف الثاني : لِلشيرازي رحمه الله تعالى في ” شَرْح اللُّمَع ” وهو : ( إخراج بعض ما دخل في اللَّفْظ العامّ بدليل ) [5] ، ونحْوه تعريف السالمي رحمه الله تعالى ، وهو : ( إخراج بعض ما تَناوَله لفْظ العموم بدليل مُخْرِج له عن دخوله تحْت تَناوُله ) [6].
التعريف الثالث : لِلشيرازي رحمه الله في ” التبصرة ” و” اللُّمَع ” [7] وهو : ( تمييز بعض الجملة مِن الجملة بحُكْم أو معنى ) .
ونحْوه تعريف إمام الحرميْن رحمه الله تعالى في” الورقات ” وهو : ( تمييز بعض الجملة ) [8],وكذا تعريف ابن السمعاني رحمه الله تعالى ، وهو : ( تمييز بعض الجملة بالحُكْم ) [9].
ونحْوه تعريف القاضي أبي يعلى رحمه الله تعالى ، وهو :( تمييز بعض الجملة بحُكْم )[10].
التعريف الرابع : لابن الحاجب رحمه الله تعالى .. وهو : ( قَصْر العامّ على بعض مسمّياته )[11] ، ونحْوه تعريف ابن السبكي رحمهما الله تعالى ، وهو : (قَصْر العامّ على بعض أفراده) [12].
وزاد الحنفيّة قيداً على هذا التعريف حتى يَكون مقبولاً ، وهو : ( قَصْر العامّ على بعض أفراده بدليل مستقِلّ ) [13] .
المطلب الثاني : الفَرْق بَيْن التخصيص والخاصّ والخصوص والمُخَصّص
بَعْد الوقوف على تعريف التخصيص وجب علينا أنْ نحدِّد العلاقة بَيْنه وبَيْن بعض المصطلحات المُتَّفِقة معه في الأصل اللّغويّ ، والتي استخدمها بعض الأصوليّين في هذا المقام ؛ لأنّ منهم مَن عَبَّر بـ” الخاصّ ” [14] ، ومنهم مَن عَبَّر بـ” الخصوص” [15] ومنهم مَن عَبَّر بـ” التخصيص ” [16] ، إضافةً إلى ” المُخَصّص ” بالفتح وبالكسر , وأبدأ مستعيناً بالله تعالى في بيان ذلك .
أوّلاً : الخاصّ : إنّ الناظر في كُتُب الأصول يرى أنّ الحنفيّة الأكثر استعمالاً لِهذا المصطلَح ” الخاصّ ” إضافةً إلى بعض الأصوليّين مِن غيْرهم . وأَستعرِض فيما يلي بعض هذه التعريفات :
التعريف الأول : لِلشاشي رحمه الله تعالى ..وهو :( لفْظ وُضِع لِمعنى معلوم أو لِمُسَمَّى معلوم على الانفراد )[17].
ونحْوه تعريف السرخسي رحمه الله تعالى ، وهو : ( كُلّ لفْظ موضوع لِمعنى معلوم على الانفراد ، وكل اسم لِمسمَّى معلوم على الانفراد ) [18] ونحْوه تعريف البزدوي رحمه الله تعالى ، وهو : ( كُلّ لفْظ وُضِع لِمعنى واحد على الانفراد وانقطاع المشارَكة ) [19].
وقريب منه تعريف النسفي رحمه الله تعالى ، وهو: ( كُلّ لفْظ وُضِع لِمعنى معلوم على الانفراد )[20] .
التعريف الثاني : لِلتفتازاني رحمه الله تعالى وهو : ( لفْظ وُضِع لِواحد أو لِكثير محصور وضعاً واحدا ) [21].
التعريف الثالث : لِلزركشي رحمه الله تعالى .. وهو:(اللَّفظ الدّالّ على مُسَمّى واحد،أو ما دلّ على كثرة مخصوصه ) [22].
ثانياً : الخصوص : عَرَّف الأصوليّون الخصوص بتعريفات عدة ، أَذكر منها ما يلي:
التعريف الأول : لِلسرخسي رحمه الله تعالى .. وهو : ( الانفراد وقَطْع الاشتراك ) ولِذا قال :” فإذا أريدَ به خصوص الجنس قيل ” إنسان ” ، وإذا أريدَ به خصوص النوع قيل ” رَجُل ” ، وإذا أريد به خصوص العيْن قيل ” زيْد ” [23] .
التعريف الثاني : لِلزركشي رحمه الله تعالى وهو : ( كوْن اللفظ متناولاً لِبعض ما يَصْلُح لا لِجميعه ) [24].
ثالثاً : المُخَصّص : المخصص ( بفتح الصّاد ) : اسم مفعول ، وهو العامّ الذي أُخْرِج عنه البعض المخصص ( بكسرها ) : اسم فاعِل ، وهو المُخْرِج ، والمُخْرِج ، حقيقةً هو إرادة المُتَكَلِّم ، ويقال لِللّفظ الدّالّ عليها مَجازاً ؛ إطلاقاً لاسم المتعلق على المتعلق ، فيقال : السُّنَّة تُخَصِّص الكتاب [25] .
وذكَر الفخر الرازي أنّ المُخَصِّص يقال بالمَجاز على شيْئيْن : أحدهما : مَن أقام الدلالة على كوْن العامّ مخصوصاً في ذاته ، الثاني : مَن اعتقَد ذلك أو وصَفه به ، كان ذلك الاعتقاد حقّاً أو باطلا [26] .
وقال الآمدي رحمه الله تعالى :” والمُعَرِّف لِذلك ( التخصيص ) بأيّ طريق كان يُسَمَّى ” مُخَصِّصاً “، واللفظ المصروف عن جهة العموم إلى الخصوص ” مُخَصَّصا ” ـ[27].
مثال ذلك : قوله تعالى { وَالْمُطَلَّقَـتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء } [28] فإنّه عامّ في كُلّ مُطَلَّقة،وقدْ وَرَد تخصيص هذا العموم في قوله تعالى{وَأُولَـتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ}[29]،ولِذا يَكون النـّصّ الأول مُخَصَّصاً والثاني مُخَصِّصا.
المطلب الثالث : الفَرْق بَيْن التخصيص والنسخ والاستثناء
أوّلاً :الفرق بين التخصيص والنسخ .
تعريف النسخ لغة واصطلاحا :
النسخ في اللغة : يُطْلَق على مَعانٍ .. منها : النقل والتحويل ، ومنه ” نسَخَت النحلُ العسلَ ” أيْ حَوَّلَتْه ونَقَلَتْه مِن خليّة إلى خليّة أخرى , ومنها : الإزالة ، ومنه ” نَسَخَت الشمسُ الظِّلَّ وانتسخَتْه ” أزالته ، أيْ أَذهبَت ظِلّه وحَلَّت محلّه , ومنها : الرفع ، ومنه ” نَسَخَت الظِّلّ ” إذا ذهبَت به [30] .
والنسخ اصطلاحاً : عَرَّفه ابن الحاجب رحمه الله تعالى بأنّه : ( رفْع الحُكْم الشّرعيّ بدليل شرعيّ متأخِّر ) [31]. وتَبِعه في ذلك كثير مِن الأصوليّين [32] .
الفَرْق بَيْن التخصيص والنسخ : بَعْد الوقوف على تعريفَي التخصيص والنسخ يتضح أنّ كُلّ واحد منهما فيه رفْع أو قَصْر لِلحُكْم أو بعضه وهو الجامع بَيْنهما ، غيْرَ أنّهما يَفترقان في وجوه ، أَذكر منها ما يلي :
الأول : أنّ التخصيص قدْ يَكون بأدلة العقل ، ويقع بالإجماع ، أمّا النسخ فإنّه لا يَكون إلا بدليل نقْليّ ، ولا يقع بالإجماع .
الثاني : أنّ التخصيص لا يجوز تأخيره عن وقْت العمل بالمخصوص اتِّفَاقاً ،أمّا النسخ فيجوز تأخيره عن وقْت العمل بالمنسوخ .
الثالث : أنّه لا يجوز تخصيص شريعة بأخرى ،أمّا النسخ فإنّه يجوز بَيْن شريعة وشريعة .
الرابع : أنّ التخصيص لا يَكون إلا لِبعض الأفراد ، أمّا النسخ فإنّه يَكون لِكُلّ الأفراد .
الخامس :أنّ التخصيص يجوز أنْ يَكون مقترِناً بالعامّ ومُقَدَّماً عليه ، أمّا النسخ فيُشترَط تأخير الناسخ عن المنسوخ .
السادس : أنّ التخصيص يَتناول الأزمان والأعيان والأحوال ،أمّا النسخ فإنّه لا يتناول الأزمان .
السابع : أنّ التخصيص لا يَكون إلا قَبْل العمل ؛ لأنّه بيان ، وتأخيره عن وقْت العمل لا يجوز ،أمّا النسخ فإنّه يجوز قَبْل العمل وبَعْده .
الثامن : أنّ التخصيص لا يَرِد على الأمر بمأمور واحد ، نحْو : أَكْرِمْ زيداً ،أمّا النسخ فإنّه يَرِد عليه .
التاسع : أنّ التخصيص لا بُدّ وأنْ يُبْقِي واحداً أو جَمْعاً مِن العامّ المُخَصَّص ،أمّا النسخ فإنّه يجوز أنْ يَرفع جميع مدلول النّصّ .
العاشر : أنّ التخصيص لا يدخل في غيْر العامّ أمّا النسخ فإنّه يَرفَع حُكْم العامّ والخاصّ .
الحادي عشر : أنّ التخصيص يجوز في الأحكام والأخبار أمّا النسخ فإنّه يختصّ بأحكام الشرع [33] .
ثانيا : الفَرْق بَيْن التخصيص والاستثناء
تعريف الاستثناء لغة واصطلاحا :
الاستثناء لغةً : استفعال مِن ” الثَّنْي ” ، وهو ردّ الشيء بعض على بعض ، مِن قوله ” ثنيتُ الخيل أثنيه ” إذا عطفْت بعضه على بعض ” و” ثَنَيْتُه ” ـ أيضاً ـ صَرَفْتُه عن حاجته[34].
والاستثناء اصطلاحاً : عَرَّفه الفخر الرازي رحمه الله بأنّه : ( إخراج بعض الجملة مِن الجملة بلفظ ” إلا ” أو ما أقيمَ مقامه )[35]. ولَمّا كان التخصيص إخراج بعض الجملة مِن الجملة ـ وهو مُتَحَقِّق في الاستثناء المتصل بقيْده المذكور ـ فالتخصيص أَعَمّ ، ولِذا وجب بيان الفَرْق بَيْنهما ، وهو ما سنوضِّحه فيما يلي .
الفَرْق بَيْن التخصيص والاستثناء ، ذَكَر الأصوليّون فروقاً بَيْن التخصيص والاستثناء ، أَذْكُر منها ما يلي :
الأول : لِلغزالي رحمه الله تعالى في قوله :” ويفارِق الاستثناءُ التخصيصَ في أنّه يُشترَط اتصاله وأنّه يَتطرق إلى الظاهر والنّصّ جميعاً ؛ إذ يجوز أنْ يقول ” عشرة إلا ثلاثةً ” كما يقول ” اقتلوا المشرِكين إلا زيداً ” ، والتخصيص لا يتطرق إلى النّصّ أصْلا ” [36] .
الثاني : لابن قدامة رحمه الله تعالى في قوله :” ويفارِق الاستثناءُ التخصيصَ بشيْئيْن :
أحدهما : في اتصاله والثاني : أنّه يتطرق إلى النّصّ : كقوله ” عشرة إلا ثلاثةً “والتخصيص بخلافه “[37].
الثالث : لابن العربي رحمه الله تعالى في قوله :” أنْ يَكون ( الاستثناء ) متصلاً بالكلام ، بخلاف التخصيص فإنّه يجوز أنْ يَرِد بَعْد سَنَة , وعُزِي إلى حَبْر الأُمَّة ابن عباس رضي الله عنهما أنّ الاستثناء كالتخصيص , واحتجّوا له : بقوله تعالى { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَـهًا ءَاخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَـعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَـمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا }[38] ؛ نزلَت هذه الآية فلَمّا كان بَعْد سَنَة نـزل قولـه تعالى{ إِلا مَن تَاب }[39] وذلك بعيد والرواية غيْر صحيحة ” [40] .
المطلب الرابع : حُكْم التخصيص والقابل له :
أولا : حُكْم التخصيص : مذاهب الأصوليّين في حُكْم التخصيص ، اختلَف الأصوليّون في حُكْم التخصيص على ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : جواز التخصيص ووقوعه في الخبر والأمر والنهي.[41] وهو ما عليه الجمهور ، وهم الكثرة هُنَا إلا مَن شذّ وخالَف .
المذهب الثاني : عدم جواز تخصيص الخبر . وهذا المذهب نسبه الشيرازي رحمه الله تعالى إلى بعض الشّافعـيّة في قوله :” ومِن أصحابنا مَن قال : تخصيص الخبر لا يجوز ” [42]
المذهب الثالث : عدم جواز التخصيص مُطْلَقاً ، أمراً كان أم خبرا . ونَسَبه الفخر الرازي لِقوْم فقال :” يجوز إطلاق اللفظ العامّ لإرادة الخاصّ ، أمراً كان أو خبراً ، خلافاً لِقوْم ” [43] . ونَسَبه ابن السبكي رحمه الله تعالى إلى شرذمة قليلة فقال :” ذهبَت شرذمة قليلون إلى امتناع التخصيص ” [44] .
أدلّة المذاهب مع المناقَشة والترجيح :
أدلّة المذهب الأول : استدَلّ الجمهور أصحاب المذهب الأول على جواز التخصيص ووقوعه في الخبر وغيْره مِن الأمر والنهي بأدلة،أَذكر منها ما يلي :
الدليل الأول ( لِلجواز ) : أنّ العقل لا يمنع وقوع تخصيص العموم بمخصِّصات مِن الكلام وغيْره ، ولا يترتب على فَرْض وقوعه مُحال ، وإذا كان كذلك فالتخصيص جائز عَقْلا [45].
الدليل الثاني : ( لِلجواز ) : أنّه لا معنى لِتخصيص العموم سِوَى صَرْف اللفظ العامّ عن عمومه الذي هو حقيقة فيه إلى جهة الخصوص بطريق المَجاز ، والمَجاز غيْر ممتنِع لِذاته ولا لِغيْره ، فدَلّ ذلك على أنّ تخصيص العموم جائز [46] .
الدليل الثالث : ( لِلوقوع في الخبر ) : قوله تَبارَك وتعالى { اللَّهُ خَـلِقُ كُلّ شَىْء } [47]وقوله تعالى { وَهُوَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِير }[48] وجْه الدلالة : أنّ الله جلّ وعلا ذَكَر في هاتيْن الآيتيْن أنّه سبحانه خالِق كُلّ شيء وأنّه عَزّ وجَلّ على كُلّ شيء قدير،وكِلاهما وَرَد بلفْظ{ كُلّ } لِيؤكِّد عموم الحُكْم فيهما ، إلا أنّ هذا العموم دخله التخصيص ؛ لأنّ الله عَزّ وجَلّ ليس خالقاً لِذاته ولا قادراً عليها ، فدَلّ ذلك على أنّ التخصيص واقِع في الخبر .
الدليل الرابع : (لِلوقوع في الخبر) : قوله تعالى{ تُدَمِـّرُ كُلَّ شَىْءِ بِأَمْرِ رَبِـّهَا } [49] وقوله تعالى{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيم} [50] وجْه الدلالة : أنّ لفْظ العموم الوارد في الآيتيْن { كُلّ } أفاد العموم فيهما ففي الأولى أنّ الرياح تُدَمِّر كُلّ شيء أتت عليه ، وفي الثانية أنّ بلقيس الملِكة أُوتِيَت في مُلْكها كُلّ شيء ، ولكنّ هذا العموم دخله التخصيص ؛ فقدْ أتت الرياح على الأرض والجبال ولم تَجعلها رميماً ، وكذلك هناك أشياء لم تدخل ما أُوتِيَته الملِكة في مُلْكها : كالنجوم والجبال وغيْرها ، فدَلّ ذلك على أنّ تخصيص العموم واقِع في الخبر .
أدلّة المذهب الثاني : استدَلّ أصحاب المذهب الثاني المانع لِتخصيص الخبر بأدلّة ، أَذكر منها ما يلي :
الدليل الأول : أنّ القول بجواز تخصيص الخبر يوهِم الكذب في خبر الله تعالى ؛ لِمَا فيه مِن مخالَفة المُخْبِر لِلخبر ، وإيهام الكذب مُحال على الله تعالى ، فما أَدَّى إليه ـ وهو تخصيص الخبر ـ يَكون مُحالا .
مناقَشة هذا الدليل : وقدْ نُوقِش هذا الدَّليل : بأنّا لا نُسَلِّم لكم تَوَهُّم الكذب في تخصيص الخبر لأنّه ما مِن عامّ إلا وخُصِّص ، فكل عام إلا وخصص فكل عام – خبرا كان أو غيره – مُحْتَمِل لِلتخصيص ، وهذا الاحتمال يَجعل السامع لِلخبر مُجَوِّزاً إرادة بعض العامّ مِن العامّ ، فإذا وَرَد ما يُثْبِت إرادة البعض ، وهو المُخَصِّص ، تَيَقَّنّا أنْ المُخْرَج لم يَكُنْ مراداً مِن العامّ ، وحيث لم يَكُنْ مراداً فلا كَذِب ولا إيهام لِلكذب [51] .
الدليل الثاني : أنّ النسخ غيْر جائز ؛ لأنّ الخبر يصير به كذباً ، وحيث إنّ التخصيص إخراج لِبعض اللفظ العامّ فهو رفْع لِبعض الحُكْم ، فيُشْبِه النسخ في ذلك ، وإذا لم يَجُزْ نسْخ الخبر فكذلك التخصيص لا يجوز في الخبر ؛ لأنّه يصير به كذبا .
مناقَشة هذا الدليل : وقدْ نُوقِش هذا الدَّليل : بأنّ قياس التخصيص على النسخ قياس مع الفارق ؛ لأنّ النسخ يَرفع جميع الحُكْم ويزيله ، فيؤدي إلى الكذب فيما أخبر به ، والتخصيص لا يَرفع جميع الحُكْم ؛ بلْ يبقى بعضه ؛ لأنّه بيان لِمَا لم يَرِد باللفظ ، ولِذا كان تخصيص الخبر جائزاً ولا يصير به كذبا [52].
أدلّة المذهب الثالث : استدَلّ أصحاب المذهب الثالث القائلون بامتناع التخصيص مُطْلَقاً ـ أمراً كان أم خبراً ـ بدليل واحد ، مفاده : أنّ القول بجواز تخصيص الأمر يوهِم البداء ( أيْ ظهور المصلحة بَعْد خفائها ) ، وأنّ القول بجواز تخصيص الخبر يوهِم الكذب ، وكلاهما ممتنِع في حقّ الله ـ جَلّ وعَلاَ ـ ومُحَال ، فما أدَّى إليه كان مُحالاً كذلك ، وهو القول بتخصيص الأمر والخبر ، فدَلّ ذلك على امتناع التخصيص ، خبراً كان أم أمْرا .
مناقَشة هذا الدليل : وقدْ نوقش هذا الدليل بما نوقش به الدليل الأول لِلمذهب الثاني ، والذي يَدُلّ على أنّ اللفظ في الأصل محتمِل لِلتخصيص ، فقيام الدلالة على وقوعه لا يوجِب الكذب ولا البداء ، وإنّما يَلْزَم البداء أو الكذب أنْ لو كان المُخْرَج مرادا [53] .
وبَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليّين وأدلّتهم في حُكْم التخصيص يتضح لنا : أنّ كفة النزاع وصورته غيْر متكافئة .
فالأَوْلى ما عليه الكثرة أصحاب المذهب الأول ، وهم الجمهور الذين قالوا بجواز التخصيص مُطْلَقاً في الخبر والأمر والنهي ، وما أَكثَر حُجَجهم على ذلك وما أَقْوَاها .
والثانية وهي ما عليه أصحاب المذهب الثاني القائل بعدم جواز تخصيص الخبر والمذهب الثالث القائل بعدم تخصيص الأمر والخبر تَحدوهما أمَارات الضَّعْف والإبعاد ؛ لأنّهما :
أوّلاً : لا يُعْرَف لهما صاحِب أو قائل .
ثانياً : أنّهما نُسِبَا عند الكثرة إلى شذوذ .
ثالثاً : ضَعْف أدلّتهما وعدم سلامتهما مِن المناقَشة .
لِكُلّ ما تَقَدَّم كان المذهب الأول القائل بجواز التخصيص في الخبر والأمر والنهي هو الأَوْلى بالقبول والترجيح .[54]
ثانيا :القابل لِلتخصيص : المراد بالقابل لِلتخصيص هو : ما يجوز تخصيصه ،ونستطيع أنْ نحدِّد الحالات التي تَقْبَل التخصيص مِن خلال أقوال الأصوليّين ، والتي نَستعرض بعضاً منها فيما يلي :
الأول : لِلشيرازي رحمه الله تعالى : وفي ذلك يقول : ” وجمْلته : أنّه يجوز تخصيص ألفاظ العموم ، وأمّا تخصيص ما عُرِف مِن فَحْوَى الخطاب ـ كتخصيص ما عُرِف مِن قوله عَزّ وجَلّ { فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفّ } [55] فلا يجوز ، وأمّا تخصيص دليل الخطاب فيجوز [56].
الثاني : لأبي الحسين البصري رحمه الله تعالى : وفي ذلك يقول :” ثانيهما : ما فيه معنى الشمول فضربان : لفْظ عموم وليس بلفْظ عموم .. نحْو : قضية في عيْن دَلّ الدليل على أنّها لا تَتعدى عنها ، أو فَحْوَى القول أو دليل الخطاب ، أو عِلّة شاملة ” ـ[57] .
الثالث : لِلفخر الرازي رحمه الله تعالى : وفي ذلك يقول :” الذي يَتناول الواحد لا يجوز تخصيصه ، وأمّا الذي تناول أَكثَر مِن واحد ، فعمومه إما مِن جهة اللفظ ، ويصحّ تَطَرُّق التخصيص إليه ، وإما مِن جهة المعنى ، وهو أمور ثلاثة : العِلّة ، ومفهوم الموافَقة ، ومفهوم المخالَفة ” [58] .
الرابع : لِسراج الدين الأرموي رحمه الله تعالى : وفي ذلك يقول :” وعموم الخطاب إنْ كان مِن حيث اللفظ جاز تخصيصه ، وإنْ كان مِن حيث المعنى كعمومه لِعموم علّتـه وكمفهوم المخالَفة والموافَقة ” ا.هـ [59]
الخامس : لِلزركشي رحمه الله تعالى : وفي ذلك يقول :” مِن حقّ التخصيص أنْ لا يَكون إلا فيما يتناوله اللفظ فاللفظ الذي لا يتناول إلا الواحد لا يجوز تخصيصه بمعنى إخراج بعض الجزئيّات منه ، وأمّا الذي يتناول أَكثَر مِن واحد فإمّا أنْ يَكون عمومه مِن جهة اللفظ أو المعنى أيْ الاستنباط ، والثاني على ثلاثة أقسام : أحدها العِلّة الثاني مفهوم الموافَقة ، والثالث مفهوم المخالَفة ” [60] .
المطلب الخامس : أنواع المُخَصّصات
إن الباحث عن أنواع المخصّصات عند الأصوليّين يمكن أن يتوصل إلى ما يلي :
1- أنّ الكثرة مِن الأصوليّين قسموا المخصّصات إلى قِسْميْن :
الأول : مُخَصِّص مُتَّصِل : وهو الذي لا يَسْتَقِلّ عن الكلام السابق ، وإنّما يَتَوَقَّف على الكلام الذي اشْتَمَل على المُخَصِّص ، وحصروه في أربعة : الاستثناء ، والشرط ، والصفة ، والغاية [61] .
الثاني : مُخَصِّص مُنْفَصِل : وهو الذي لا يجتمع مع العام في نفس الكلام .
2- أنّ الكثرة قسموا المُخَصِّص المُنْفَصِل قِسْميْن :
الأول : عقْليّ و الثاني : سَمْعيّ أو شرْعيّ ، كالشيرازي والبصري وابن السمعاني رحمهم الله تعالى .
ومنهم مَن قسمها ثلاثة أقسام :
الأول : العقل . الثاني : الحسّ . الثالث : السَّمْع ، كالفخر الرازي ـ رحمه الله تعالى ـ ومَن تَبِعه.
وقد قسم الإسنوي رحمه الله المخصص غير اللفظ إلى ثلاثة أقسام :
الأول : النية الثاني: العرف الشرعي الثالث : العرف الاستعمالي ويعبر عنه بالقـرينة [62].
3- أنّ القائلين بالتقسيم السابق تَفاوَتوا في حَصْر المُخَصِّصات السَّمْعِيّة فمنهم مَن حصَرها في أربعة : كابن السمعاني رحمه الله تعالى ، ومنهم مَن حصَرها في خمسة : كالبصري رحمه الله تعالى . ومنهم مَن حصَرها في ستة : كالشيرازي والفخر الرازي رحمهما الله تعالى ، ومنهم مَن حصَرها في ثمانية : كالسالمي رحمه الله تعالى ، ومنهم مَن زاد فوْق العشر : كالآمدي وابن الحاجب [63] رحمهما الله تعالى .
- – أنّه يمكِن حصْر المُخَصِّصات المُنْفَصِلَة السَّمْعِيَّة ( الشَّرْعِيَّة والعقليّة ) في خمسة عَشَر مُخَصِّصاً :
- الكتاب . 2 السُّنَّة . 3 الإجماع 4 القياس . 5 المفهوم . 6 فِعْل الرسول r 7 تقريره r .
8 مذهب الرّاوي . 9 العادة والعرف 10 خصوصية السبب 11 العقل . 12 – النية 13- عَوْد الضمير إلى بعض أفراد العامّ 14 – ذِكْر بعض أفراد العامّ 15 – عَطْف العامّ على الخاصّ .
المبحث الثاني : تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسُّنَّة المتواترة والآحاد :
المطلب الأول : تخصيص الكتاب بالكتاب :
اخْتَلَف الأصوليّون في جواز تخصيص الكتاب بالكتاب على مَذَاهب ، حَصَرها البعض في ثلاثة مذاهب :
المذهب الأول : جواز التخصيص مُطْلَقاً . وهو ما عليه الجمهور .
المذهب الثاني : عدم جوازه مُطْلَقاً نَسَبه الأنصاري إلى البعض .
المذهب الثالث : جواز التخصيص إنْ كان الخاصّ متأخِّراً وموصولاً بالعامّ وإنْ كان مُتَرَاخِياً يَنْسَخه .
وهو ما عليه الحنفيّة وبعض الأصوليّين ،[64] والكثرة مِن الأصوليّين حَصَرَتْها في مذْهبيْن :
المذهب الأول : جواز التخصيص مُطْلَقاً . وهو ما عليه الجمهور .
المذهب الثاني : عدم جواز تخصيص الكتاب بالكتاب ، ونَسَب الآمدي هذا المذهب لِبعض الطوائف[65]
ونَسَبه الفخر الرازي لِبعض أهْل الظاهر ، والبعض أَوْرَده بصيغة التضعيف [66]”
وفيما يلي أَسْتَعْرِض كُلّ واحد منها مع أدلّته ومناقَشة ما يحتاج إلى ذلك مع الترجيح .
المذهب الأول : جواز تخصيص الكتاب بالكتاب مُطْلَقاً ، سواء تَقَدَّم العامّ أو تَقَدَّم الخاصّ أو جُهِل تاريخاهما . [67] وهو ما عليه الكثرة مِن الأصوليّين ، واختاره الشيرازي والغزالي والكلوذاني والقاضي أبو يعلى وابن الحاجب رحمهم الله تعالى ، واحْتَجّوا لِذلك بأدلّة مِن المنقول والمعقول ، نَذْكُر منها ما يلي :
- الدليل الأول ( دليل الوقوع ) : قوله تعالى { وَالْمُطَلَّقَـتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـثَةَ قُرُوء } [68]مع قوله تعالى { وَأُولَـتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ } [69]وقوله تعالى { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا )[70] وجْه الدلالة : أنّ الآية الكريمة الأُولى حَدَّدَتْ عِدّة المُطَلَّقَة مُطْلَقاً ـ حاملاً أو حائلاً ، قَبْل الدخول أو بَعْده ـ بثلاثة قروء ، وأنّ الآية الكريمة الثانية عارَض لَفْظها هذا الحُكْم حينما جعلَت عِدّة الحامل وَضْع حَمْلها ، ولِذا لا يُمْكِن الجَمْع بَيْنهما إلا بجعل حُكْم الأُولى عامّاً في كُلّ مُطَلَّقَة إلا ذوات الحَمْل ، وهذا هو التخصيص بعَيْنه ، وأنّ الآية الكريمة الثالثة عارَض لَفْظها عموم الآية الكريمة الأُولى حينما لم تُوجِبْ عِدّةً لِلْمُطَلَّقَة قَبْل الدخول ، ولِذا لا يُمْكِن الجَمْع بَيْنهما إلا بجعل حُكْم الأولى عامّاً في كُلّ مَطَلَّقة إلا المُطَلَّقة قَبْل الدخول ؛ فلا عِدّة لها . ومِمَّا تَقَدَّم كان عموم آية { وَالْمُطَلَّقَـتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـثَةَ قُرُوء } مُخَصَّص بآية { وَأُولَـتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ } وكذا بآية { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } ، فدَلّ ذلك على وقوع تخصيص الكتاب بالكتاب ، والوقوع دليل الجواز ، وإلا لَمَا وَقَع .[71]
- الدليل الثاني ( دليل الوقوع أيضاً ) : قوله تعالى { وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَـتِ حَتَّى يُؤْمِنّ } [72] مع قوله تعالى { وَالْمُحْصَنَـتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـبَ مِن قَبْلِكُم } .[73]
وجْه الدلالة : أنّ الآية الكريمة الأولى حَرَّمَت على المُسْلِم نكاح المشرِكات ، وهي عامّة في كُلّ مشرِكة ، كتابيّةً كانت أم غيْر كتابيّة ، لكنّ الآية الكريمة الثانية أباحت لِلمُسْلِمِ الزواجَ مِن الكتابيّات ، وهذا تَعارُض ظاهريّ بَيْن الآيتيْن ، أعني الحُكْمَيْن ، ولا يُرْفَع هذا التعارض إلا بالقول ببقاء عموم الأُولى في التحريم إلا الكتابيّات ، وهذا هو التخصيص بعَيْنه ، فدَلّ ذلك على وقوع التخصيص في الكتاب العزيز ، والوقوع دليل الجواز وإلا لما وقع [74]
- الدليل الثالث ( دليل الجواز ) : أنّه إذا اجْتَمَع نَصّان مِن الكتاب أحدهما عامّ والآخَر خاصّ وتَعَذَّر الجَمْع بَيْنهما : فإمّا أنْ يُعْمَل بالعامّ أو الخاصّ : فإنْ عُمِل بالعامّ لزم منه إبطال الدليل الخاصّ مُطْلَقاً ، وإنْ عُمِل بالخاصّ لا يَلْزَم منه إبطال العامّ مُطْلَقاً ؛ لإمكان العمل به فيما خرج عنه ، فكان العمل بالخاصّ أَوْلَى ، ولأنّه أَقْوَى في دلالته ، ولِذا كان القول بتخصيص الكتاب بالكتاب أَوْلى مِن العمل بالعامّ وتَرْك الخاصّ ، ولأنّ فيه إعمالاً لِلنَّصَّيْن دون تَرْك أحدهما .[75]
- الدليل الرابع ( دليل الجواز أيضاً ) لِلباحث : أنّ تخصيص الكتاب بالكتاب لا يَتَرَتَّب على فَرْض وقوعه مُحال عقلاً ، وكُلّ ما لا يَتَرَتَّب على فَرْض وقوعه مُحَال كان جائزاً ، ولِذا كان تخصيص الكتاب بالكتاب جائزاً ، وهو المُدَّعَى .
المذهب الثاني : جواز التخصيص إنْ كان الخاصّ متأخِّراً وموصولاً بالعامّ وإنْ كان متراخياً نَسَخه ، وإنْ جُهِل التاريخ تَسَاقَطَا ونَتَوقَّف ، وهو ما عليه الحنفيّة العراقيّة ، واختاره القاضي أبو بَكْر رحمه الله تعالى ،واحْتَجّوا لِذلك بأدلّة ، أَذْكُر منها ما يلي :
- الدليل الأول : أنّه إذا قيل ” اقتل زيداً المُشْرِك ” ثُمّ قال ” لا تَقْتُل المُشْرِكين ” فكأنّه قال ” لا تَقْتُلْ زيداً إلى آخِر الأفراد المُشْرِكين ” ، وهُنَا تَقَدَّم الخاصّ وتأخَّر العامّ الذي نَسَخ حُكْم الخاصّ المُتَقَدِّم والمُعارِض له ..
وإذا كان العامّ المُتَأَخِّر ناسخاً لِلخاصّ المُتَقَدِّم غيْر الموصول بالعامّ فهو كذلك في الخاصّ المُتَأَخِّر ، فيَنْسَخه ولا يُخَصِّصه .[76]
- الدليل الثاني : ما رُوِي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال :” كُنَّا نَأْخُذُ بِالأَحْدَثِ فَالأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “.[77]
وجْه الدلالة : أنّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا مع سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ورودها على فِعْل واحد أَكْثَر مِن مَرّة يَتَمَسَّكون بآخِرها وروداً ويَتركون الأقدم ، وهذا يُعَدّ رفعاً لِلحُكْم المُتَقَدِّم ، وهذا هو عَيْن النسخ ، فدَلّ ذلك على أنّ المُتَقَدِّم يُنْسَخ بالمُتَأَخِّر .
المذهب الثالث : عدم جواز تخصيص الكتاب بالكتاب مُطْلَقاً ،وهو منسوب لِبعض الطوائف كما ذَكَر الآمدي رحمه الله تعالى[78] ، أو لِبعض الظّاهريّة كما ذَكَر الزركشي رحمه الله تعالى ، والبعض أَوْرَده بصيغة التضعيف ” وقيل[79] “واحْتَجّوا لِذلك بدليل واحد ، وهو : قوله تعالى { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيِـّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِم } .[80]
وجْه الدلالة : أنّ الله تعالى وَضَّح لنا رسالة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم نَحْو القرآن الكريم ، وهي تبيينه لِلناس ، ولِذا تَكون السُّنَّة هي المُبَيِّنة لِلقرآن ، وليس القرآن هو المُبَيِّن لِنَفْسه ، والتخصيص بيان ، والقول بتخصيص الكتاب بالكتاب يَجْعَل المُبَيِّن لِلكتاب هو الكتاب ، وهو خلاف منطوق الآية ، ومخالَفة النّصّ القرآنيّ مُمْتَنِع وحرام ، ولِذا لا يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب ، وإنّما بالسُّنَّة .
المطلب الثاني : تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة :
بَعْد الوقوف على هذه المسألة عند الأصوليّين والبحث عن حُكْمها في مَراجعهم اتَّضَح أنّ بعضاً منهم إنْ لم تَكُن الكثرة ، لم يَتَعَرَّضوا لِبَحْثها وإنّما تَعَرَّضوا لِتخصيص الكتاب بخبر الآحاد ، وفي ذلك يقول ابن الحاجب رحمه الله تعالى :” يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، وقال به الأئمّة الأربعة ، وبالمتواتر اتِّفاقاً ” [81]
ويقول الآمدي رحمه الله تعالى :” أمّا إذا كانت السُّنَّة المتواترة : فلم أَعْرِف فيه خلافاً “، [82]وحَكَى الزركشي رحمه الله تعالى عن بعضهم :” يجوز تخصيص القرآن بالسُّنَّة المتواترة قولاً واحداً بالإجماع ” [83]
أوّلاً – الخلاف في تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة :
الكثرة مِن الأصوليّين لم يَرَوْا لنا خلافاً بَيْن الأصوليّين في هذه المسألة وواضِح ذلك مِن عبارات بعضهم المُتَقَدِّم إيرادها والتي جَعَلَتْ تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة في حُكْم المُتَّفَق عليه .
ولكنْ بَعْد البحث والتدقيق اتَّضَح أنّ هناك مَن حَكَى خلافاً في السُّنَّة المتواترة الفِعْلِيّة ومِن ذلك : ما أَوْرَده الزركشي ـ رحمه الله في قوله :” وقال الشيخ أبو حامد الاسفراييني : لا خلاف في ذلك ، إلا ما يُحْكَى عن داود في إحدى الرّوايتيْن “[84]ولِذا يُمْكِن حَصْر مذاهب الأصوليّين في تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة في مذْهبيْن ، وإنْ كانت كفّتهما غيْر متكافئة بالمَرّة :
المذهب الأول : جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة مُطْلَقاً ( قوليّةً كانت أم فِعْلِيّة ).
المذهب الثاني : عدم جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة الفِعْلِيّة .
ونُفَصِّل وجهة كُلّ مذهب وحُجّته فيما يلي .
المذهب الأول : جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة مُطْلَقاً ( قوليّةً كانت أم فِعْلِيّة ).
وهو ما عليه الجمهور ، وصَرَّح الصفي الهندي رحمه الله تعالى بقيام الإجماع عليه ،[85] واحْتَجّوا لِذلك بأدلّة ، أَذْكُر منها ما يلي :
- الدليل الأول ( دليل الوقوع في السُّنَّة القوليّة ) : قوله تعالى { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَـدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأُنثَيَيْن } [86]مع قوله صلى الله عليه وسلم { الْقَاتِلُ لاَ يَرِث } [87] وجْه الدلالة : أنّ الآية الكريمة أَوْجَبَتْ لِكُلّ وارث ذَكَر مِثْل حظّ الأنثييْن ، وهو حُكْم عامّ في كُلّ وارث ، وأنّ الحديث الشريف مَنَع القاتل مِن الميراث ، مع تَحَقُّق شرْطه وهو أنّه وارِث ، لكنْ مَنَعه القتل لِمُوَرِّثه مِن ذلك ، وهُنَا عارَض خصوص الحديث الشريف عموم الآية الكريمة ، فقَصَرْنَا عمومها على غيْر القاتل ، وإذا كان كذلك كان تخصيص السُّنَّة المتواترة لِلكتاب واقعاً ، والوقوع دليل الجواز ، فدَلّ ذلك على جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة القوليّة .
- الدليل الثاني ( دليل الوقوع بالسُّنَّة الفِعْلِيّة ) : قوله تعالى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَحِدٍ مِـّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة } [88] مع ما ثبت في السُّنَّة الصحيحة أنّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رَجَم المُحصَن .[89]
وجْه الدلالة : أنّ الآية الكريمة أَوْجَبَتْ جَلْد الزانية والزّاني مُطْلَقاً مائة جَلْدة ولم تُفَرِّقْ بَيْن مُحْصَن وغيْر مُحْصَن ، فلِذا كان الحُكْم فيها عامّاً ، وأنّ الثابت في السُّنَّة الصحيحة مِن رَجْم لِلزّاني المُحْصَن فيه مُعارَضة لِعموم الآية الكريمة ، ولِذا قَصَرْنَا عموم الآية الكريمة على غيْر المُحْصَن ، وهذا هو التخصيص ، فدَلّ ذلك على وقوع تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة ( الفِعْلِيّة ) ، والوقوع دليل الجواز .
- الدليل الثالث : قوله تعالى { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيِـّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِم } [90]
وجْه الدلالة : أنّ الله تعالى أَنْزَل القرآن الكريم إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وكَلَّفه ببيانه لِلناس ، وهذا البيان لا يَتَحَقَّق إلا بتفصيل مُجْمَله وتخصيص عمومه وإذا كان تخصيص السُّنَّة لِلقرآن بياناً له دَلّ ذلك على جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة .
- الدليل الرابع : قوله تعالى { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْىٌ يُوحَى } .[91]
وجْه الدلالة : أنّ الله عَزّ وجَلّ بَيَّن لنا أنّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لا يَتَكَلَّم إلا الحقّ وبالحقّ ، ولا يَنْطِق عن هوىً نَفْسيّ أو بشريّ ، وإنّما هو وحْي مِن الله تعالى ، فدَلّ ذلك على أنّ السُّنَّة وحْي مِن الله تعالى ، وإذا كان القرآن الكريم وحياً مِن الله تعالى والسُّنَّة المطهّرة كذلك جاز تخصيص أحدهما بالآخَر ؛ لاتحاد مَصْدَرهما ، فدَلّ ذلك على جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة بقِسْمَيْها : المتواترة والآحاد .
المذهب الثاني : عدم جواز تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة الفِعْلِيّة : وهو مَحْكِيّ في إحدى الروايتيْن عن داود الظّاهريّ رحمه الله تعالى .
المطلب الثالث : تخصيص الكتاب بخبر الآحاد ،
مذاهب الأصوليّين في تخصيص الكتاب بخبر الواحد : اخْتَلَف الأصوليّون في ذلك على مذاهب كثيرة :
المذهب الأول : جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد مُطْلَقاً ( سواء خُصّ بدليل مقطوع به أم لا )
وهو مذهب الجمهور ، والمنقول عن الأئمّة الأربعة ، واختاره الشيرازي والغزالي والكلوذاني والباجي والبيضاوي رحمهم الله تعالى .[92]
المذهب الثاني : عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد مُطْلَقاً ، وهو لِبعض المُتَكَلِّمين [93]، وقَيَّدهم ابن السمعاني رحمه الله تعالى بأنّهم مِن المعتزلة ، وقال : أيضاً وهو قول شرذمة مِن الفقهاء “ونَسَبه الفخر الرازي إلى قوْم ، ولم يَنْسِبْه الآمدي إلى أحد ، واختاره السمرقندي مِن الحنفيّة .[94]
ونَسَبه الزركشي وتَبِعه الشوكاني رحمهما الله تعالى إلى بعض الحنابلة ، وكذلك قال أبو الخطّاب في مسألة الدِّبَاغ : لا يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد على وجْه لنا .[95]
وبالرجوع إلى ” التمهيد ” اتَّضَح لنا أنّ الكلوذاني رحمه الله تعالى صَدَّر هذه المسألة بالجواز ـ وهو رأْي الجمهور ـ فقال :” مسألة : يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ” ثُمّ قال :” وقال بعض المُتَكَلِّمين : لا يجوز تخصيص العموم بخبر الواحد .[96]
المذهب الثالث : جواز تخصيص عموم الكتاب الذي خُصّ بدليل مقطوع به بخبر الواحد ،وهو مذهب الحنفيّة، ونَسَب كثير مِن الأصوليّين هذا المذهب لِعيسى بن أبّان رحمه الله تعالى ، وقليل منهم نَسَبه إلى الحنفيّة ، وهو المذهب المختار عندهم في كتبهم .[97]
المذهب الرابع : جواز تخصيص عموم الكتاب الذي خُصّ بدليل مُنْفَصِل بخبر الآحاد ، وهو قول الكرخي رحمه الله تعالى .
المذهب الخامس : التَّوَقُّف ،وهو اختيار القاضي أبي بَكْر الباقلاّني رحمه الله تعالى .
أدلّة المذهب الأول : اسْتَدَلّ أصحاب المذهب الأول القائلون بجواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد مُطْلَقاً ـ بأدلّة ، أَذْكُر منها ما يلي :
الدليل الأول : أنّ الصحابة رضوان عليهم خَصّوا عموم القرآن بخبر الواحد مِن غيْر نكير على ذلك مِن واحد منهم ، فكان إجماعاً على جواز ذلك ، وإلا لأَنْكَروا على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد .
أمّا صُوَر تخصيصهم عموم القرآن الكريم بخبر الواحد : فهي كثيرة ، أَذْكُر منها ما يلي :
- الأولى : قوله تعالى { وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم }[98] والذي أفاد إباحة نكاح غيْر المُحَرَّمات المذكورات في آية التحريم { حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـتُكُم … }[99] الآية ، وحيث إنّ عَمّة المرأة وخالتها ليستا مِن المذكورات فيباح الزواج بهنّ وجَمْعهنّ مع بنت أخيها أو أختها ، ولكنّ السُّنَّة حَرَّمَتْ ذلك في حديث { لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا } ،[100] وهو خبر آحاد خَصَّص عموم الحُكْم القرآنيّ المُتَقَدِّم .
- الثانية : قوله تعالى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرّبَوا } [101] والذي أفاد حِلّ جميع أنواع البيوع ، لكنّ السُّنَّة المطهّرة وَرَدَتْ بتحريم بعض هذه البيوع, منْها : ” نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْن “، [102]وهو خبر آحاد خَصَّص عموم الحُكْم القرآنيّ .
- الثالثة : قوله تعالى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } [103]والذي أفاد قَطْع يد السارق في أيّ سرقة قَلَّتْ قيمتها أو كَثُرَتْ ، لكنّ السُّنَّة المطهّرة حَدَّدَت الحدّ الذي به يقام الحدّ في قوله صلى الله عليه وسلم { لاَ قَطْعَ إِلاَّ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدا }[104] ، وهو خبر آحاد خَصَّص عموم الحُكْم القرآنيّ .
- الرابعة : قوله تعالى { فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَه } [105] والذي أفاد عدم حِلّ الزوجة المُطَلَّقة طلاقاً بائناً حتى تَنْكِح زوجاً غيْر زوْجها الذي طَلَّقها ، ولكنّ السُّنَّة المطهّرة بَيَّنَتْ أنّ النكاح على عمومه لا يكفي في قوله صلى الله عليه وسلم { حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك } ،[106] وهو خبر آحاد خَصَّص عموم الحُكْم القرآنيّ.[107]
الدليل الثاني : أنّ العامّ المقطوع به وخبر الواحد دليلان متعارضان ؛ لِتَعَذُّر الجَمْع بَيْن حُكْمَيْهما ، وحينئذٍ إمّا أنْ يَعْمَل بواحد منهما أو بهما معاً أو لا يَعْمَل بهما ،فإنْ عَمِل بواحد منهما دون الآخَر لزم عليه إهمال الثاني وتَرْك العمل به ، وإذا لم يَعْمَلْ بهما جميعاً لزم عليه إهمالهما معاً وتَرْك العمل بهما .
وإنْ عَمِل بهما معاً لزم عليه عدم إهمال أحدهما ، وإعمال الدليليْن ولو مِن وجْه أَوْلى مِن إهمالهما أو إهمال أحدهما ، ولِذا تَعَيَّن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد .[108]
أدلّة المذهب الثاني : اسْتَدَلّ أصحاب المذهب الثاني ـ القائلون بعدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد مُطْلَقاً ـ بأدلّة ، أَذْكُر منها ما يلي :
- الدليل الأول : أنّ عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه رَدّ خبر فاطمة بنت قيس رضي الله عنها ” أنّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَمّا طُلِّقَت البتّة لم يَجْعَلْ لها سُكْنَى ولا نفقةً وأَمَرها أنْ تَعْتَدّ في بيْت ابن أُمّ مكتوم ” ؛ لِتَعارُضه مع قوله تعالى { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِـّن وُجْدِكُم } ،[109] ولم يَقُلْ بتخصيصه لِعموم الآية ، وإنّما قال صلى الله عليه وسلم :” كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَت ))[110]، ولو جاز تخصيص خبر الآحاد لِعموم الكتاب لَمَا رَدّه عمر رضي الله عنه .
- الدليل الثاني : قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا رُوِي عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله : فإنْ وافَقه فاقبلوه ، وإنْ خالَفه فرُدّوه ) [111]
وجْه الدلالة : أنّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنا بعَرْض أيّ حديث يُرْوَى عنه صلى الله عليه وسلم على كتاب الله عَزّ وجَلّ : فإنْ كان مُوافِقاً لِمَا في الكتاب وَجَب قبوله والعمل به ، وإنْ كان مُخالِفاً وَجَب رَدّه وحيث إنّ خبر الواحد الذي يُخَصِّص عموم الكتاب مُخالِف له ـ ولِذا وَجَب رَدّه فتخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد لا يجوز .[112]
- الدليل الثالث : أنّه لو قُلْنَا بجواز تخصيص خبر الواحد لِعموم الكتاب لَنَسَخه ، واللازم باطِل ؛ فإنّه يَمْتَنِع نسْخ الكتاب والسُّنَّة المتواترة بخبر الواحد ، فالملزوم مِثْله .
بيان المُلازَمة : أنّ التخصيص تخصيص في الأعيان ، والنسخ تخصيص في الأزمان ، فلو جاز التخصيص في الأعيان بخبر الواحد لَكان ذلك لأجْل أنّ تخصيص العامّ أَوْلى مِن إلغاء الخاصّ ، وهذا المعنى قائم في النسخ ، فيَلْزَم جواز النسخ بخبر الواحد .[113]
أدلّة المذهب الثالث : اسْتَدَلّ أصحاب المذهب الثالث ـ القائلون بجواز تخصيص عموم الكتاب الذي خُصّ بدليل مقطوع به بخبر الواحد ـ بدليل ، مفاده : أنّ الكتاب قَطْعِيّ مِن كُلّ وجْه ؛ لأنّ المتن متواتر ، وعمومه قَطْعِيّ الدلالة كذلك ، والخبر ظَنِّيّ متناً ؛ لأنّه خبر الواحد ، فلا يُخَصِّصه ؛ لأنّه أَضْعَف منه، أمّا إذا خُصّ هذا العموم بقَطْعِيّ فإنّه بَعْد التخصيص يَتَسَاوَى مع خبر الواحد في الظَّنِّيَّة ، فالعامّ المخصوص ظَنِّيّ ، بل الخبر أَقْوَى منه ؛ لأنّ الظَّنّ فيه في الثبوت فقط دون الدلالة ، بخلاف عامّ الكتاب ؛ فإنّه صار ضعيفاً لأجْل مُعارَضة القياس على المخصّص الذي هو أَضْعَف مِن الخبر .[114]
ومِمَّا تَقَدَّم كان تخصيص خبر الواحد لِعموم القرآن مُطْلَقاً جائزاً بِلا تفرقة بَيْن عامّ خُصّ بدليل مقطوع به أو عامّ لم يُخَصّ ، بلْ هو أَوْلى في الذي لم يُخَصّ ؛ لأنّ خبر الواحد غيْر مُحْتَمِل ، والعامّ الذي لم يُخَصّ مُحْتَمِل ، وتقديم ما لا يَحْتَمِل أَوْلى [115]
أدلّة المذهب الرابع :اسْتَدَلّ الكرخي رحمه الله تعالى القائل بجواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد إنْ خُصّ بدليل مُنْفَصِل : بأنّ العامّ الذي خُصِّص بمُنْفَصِل مَجاز (عنده) ، فتُصْبِح دلالته مظنونةً ، ومَتْنه قَطْعِيّ ، وخبر الواحد مَتْنه مظنون ودلالته قَطْعِيّة ، فيَتَسَاويَان ، فيَقْوَى الخبر على تخصيصه حينئذٍ .
وأمّا إذا لم يُخَصَّص بمُنْفَصِل فهو حقيقة ، فيَكون مقطوع المتن والدلالة ، فلا يعارِضه خبر الواحد الذي هو مظنون المتن ، وحينئذٍ لا يَكون مُساوِياً له ، فلا يجوز أنْ يُخَصِّصه .[116] والإمام الكرخي رحمه الله تعالى بَنَى دليله على أنّ العامّ بَعْد تخصيصه يَكون مَجازاً ، وحينئذٍ تَكون دلالته ظَنِّيّةً ، ومَتْنه قَطْعيّ ، فيَتَساوى مع خبر الآحاد الظَّنِّيّ المتن القَطْعِيّ الدلالة فيُخَصِّصه ،
أدلّة المذهب الخامس : اسْتَدَلّ القاضي أبو بَكْر الباقلاّني رحمه الله تعالى على التَّوَقُّف في تخصيص عموم الكتاب بخبر الآحاد بدليل ، مفاده : أنّ عموم الكتاب ظَنِّيّ الدلالة قَطْعِيّ المتن ، وخبر الآحاد قَطْعِيّ الدلالة ظَنِّيّ المتن ، وإذا كان كلاهما قَطْعِيّاً مِن وجْه ظَنِّيّاً مِن وجْه فقدْ تَسَاوَيَا وتَقَابَلاَ ووَقَع التعارض ، ولِذا وَجَب التَّوَقُّف ، لِعدم وجود دليل على الترجيح والرجوع إلى دليل آخَر .
خاتمة :
ان المشتغل بأصول الشريعة تعترضه مجموعة من التعارضات ، التي تؤدي في الاحيان الى عدم التوفيق بين النصوص ، مما يجعله حائرا ،ويدخله في متاهة الشك في الشريعة الى التناقض والاعتراض على نصوص الوحي .
فالمشتغل اذا لم يكن على علم وفهم بالخلاف الفقهي والعام والخاص والخصوص والتخصيص لا يستطيع أن يميز بين النصوص القطعية والظنية ، وهذا العرض جاء محاولة مني أن أبين مفهوم الخصوص والتخصيص في الشريعة الاسلامية ، وأنه سبب من أسباب دفع التعارض الواقع بين آيتين او آية وحديث .
[1]– لسـان العرب 4/109 ومختـار الصحاح /115
[2]– أبو الحسين البصري : هو محمد بن عَلِيّ بن الطَّيِّب البصري رحمه الله تعالى ، أحد أئمة المعتزلة ، وُلِد بالبصرة ورَحَل لِبغداد .. مِن تصانيفه : المعتمد ، تَصَفُّح الأدلّة ، غرر الأدلّة .تُوُفِّي رحمه الله تعالى سَنَة 436 هـ .يراجع شذرات الذهب 3/259 .
[3]– المعتمد 1/234
[5]– شَرْح اللُّمَع 2/5 .
[6]– شَرْح طلعة الشَّمْس 1/144.
[7]– التبصرة /105 واللُّمَع /17.
[8]– الورقات مع حاشية النفحات /80 .
[9]– قواطع الأدلّة 1/174.
[10]– العدّة لأبي يعلى 1/93 .
[11]– مختصر المنتهى 2/129.
[12]– جَمْع الجوامع مع حاشية البناني 2/2.
[13]– كشْف الأسرار مع أصول البزدوي 1/301 وفواتح الرحموت مع مُسَلَّم الثبوت 1/300 .
[14]– الورقات /73 ، 80 والمستصفى /224 .
[15]– البرهان 1/220 وقواطع الأدلّة 1/282 .
[16]– مختصر المنتهى 2/129 .
[17]– أصول الشاشي /13
[18]– أصول السرخسي 1/124.
[19]– أصول البزدوي مع كشْف الأسرار 1/30 .
[20]– المنار مع حاشية الأسحار /16 ، 17.
[21]– التلويح 1/59 .
[22]– البحر المحيط 3/240 .
[23]– أصول السرخسي 1/125 .
[24]– البحر المحيط 3/240.
[25]– منهاج الوصول 2/76 – 79 .
-[28] سورة البقرة مِن الآية 228 .
[29] سورة الطلاق مِن الآية 4 .
[30]– لسان العرب 3/61 ومختار الصحاح /681 .
[31]– مختصر المنتهى 2/185 .
[32]– التمهيد لِلكلوذاني 2/336 وجَمْع الجوامع مع حاشية البناني 2/74 ، 75
[33]– المعتمد 1/234 والتلخيص 2/465 ، 466 والنسخ وأثره في الفقه الإسلامي /28 ،
[34]– لسان العرب 2/135 ، 136 ومختار الصحاح /102 .
[35]– المحصول 1/406 .
[36]– المستصفى /257
[37]– روضة الناظر 2/744 .
[38]– سورة الفرقان الآيتان 68 ، 69 .
[39]– سورة الفرقان مِن الآية 70 .
[40]– المحصول لابن العربيّ 1/82 ، 83
[41]-المستصفى /245 والإحكام لِلآمدي 2/282 .
[42]– التبصرة /143 .
[43]– المحصول 1/399 .
[44]– الإبهاج 2/123 .
[45]– فواتح الرحموت مع مُسَلَّم الثبوت 1/301 .
[46]– الإحكام لِلآمدي 2/283
[47]– سورة الرعد مِن الآية 16 ، سورة الزمر مِن الآية 62 .
[48]– سورة المائدة مِن الآية 120 ، سورة الحديد مِن الآية 2 ، سورة التغابن مِن الآية 1 .
[49]– سورة الأحقاف مِن الآية 25 .
[50]– سورة النمل مِن الآية 23 .
[51]– المحصول 1/399 .
[52]– التبصرة /143 .
[53]– المحصول 1/399 .
[54] اثر التخصيص في الفقه الاسلامي ص 24 د اسماعيل محمد عبد الرحمن
[55]– سورة الإسراء مِن الآية 23.
[56]– اللُّمَع /17 .
[57]– المعتمد 1/235 .
[58]– المحصول 1/98 .
[59]– التحصيل 2/ 367 .
[60]– البحر المحيط 3/252 ، 253 بتصرف .
[61]– الإحكام لِلآمدي 2/286 والتمهيد لِلكلوذانيّ 2/71
[62]– التمهيد للإسنوي /380
[63]– الإحكام لِلآمدي 2/286 ومختصر المنتهى 2/131 .
[64] فواتح الرحموت مع مُسَلَّم الثبوت 1/245
[65] الإحكام لِلآمدي 2/318
[66] المحصول 1/428
[67] شَرْح العضد 2/147
[68] سورة البقرة مِن الآية 228
[69] سورة الطلاق مِن الآية 4
[70] سورة الأحزاب مِن الآية 49
[71] البحر المحيط 3/361
[72] سورة البقرة مِن الآية 221
[73] سورة المائدة مِن الآية 5
[74] ومختصر المنتهى مع شَرْح العضد 2/147
[75] الإحكام لِلآمدي 2/318
[76] ميزان الأصول /324
[77] موطأ مالك /294
[78] الإحكام الآمدي 2/318
[79] مختصر المنتهى مع شَرْح العضد /147 ، 148
[80] سورة النحل مِن الآية 44
[81] مختصر المنتهى مع شَرْح العضد 2/149
[82] ) الإحكام لِلآمدي 2/322
[83] البحر المحيط 3/362
[84] البحر المحيط 3/362
[85] نهاية الوصول 4/1617
[86] سورة النساء مِن الآية 11
[87] أَخْرَجه الترمذي في كتاب الفرائض باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل برقم ( 2035 )
[88] سورة النور مِن الآية 2
[89] أَخْرَجه البخاري في كتاب الحدود : باب رَجْم المُحْصَن رقم ( 6315 )
[90] سورة النحل مِن الآية 44
[91] سورة النجم الآيتان 3 ، 4
[92] منهاج الوصول مع شرْحه 1/411
[93] إحكام الفصول /261
[94] ميزان الأصول /722 ، 723
[95] المسوّدة /119
[96] التمهيد لِلكلوذاني 2/105 ، 106
[97] والمستصفى /248 وميزان الأصول /322 ، 323
[98] سورة النساء مِن الآية 24
[99] سورة النساء مِن الآية 22
[100] أَخْرَجه مُسْلِم في كتاب النكاح : باب تحريم الجَمْع بَيْن المرأة وعمّتها أو خالتها برقم ( 21518 )
[101] سورة البقرة مِن الآية 275
[102] ) أَخْرَجه مُسْلِم في كتاب المساقاة : باب الربا برقم ( 2967 )
[103] سورة المائدة مِن الآية 38
[104] أَخْرَجه البخاري في كتاب الحدود : باب قول الله تعالى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } برقم ( 6291 )
[105] سورة البقرة مِن الآية 230
[106] أَخْرَجه البخاري في كتاب الشهادات : باب شهادة المختبي برقم ( 2445 )
[107] المحصول 1/433
[108] المحصول 1/435
[109] سورة الطلاق مِن الآية 6
[110] أَخْرَجه مُسْلِم في كتاب الطلاق : باب المُطَلَّقَة ثلاثاً لا نفقة لها برقم ( 2719
[111] قال العجلوني :” لم يَثْبُتْ فيه شيء ، وهذا الحديث مِن أَوْضَع الموضوعات ، بلْ صحّ خلافه ” كَشْف الخفاء 2/569
[112] : شَرْح المنهاج 1/413
[113] شَرْح المنهاج 1/414 بتَصَرُّف
[114] فواتح الرحموت مع مُسَلَّم الثبوت 1/349
[115] التمهيد لِلكلوذاني 2/111
[116] التمهيد لِلكلوذاني 2/111