منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إما يبلغن عندك الكبر…

اشترك في النشرة البريدية

أنعم الله على الإنسان فأوجده من عدم عن طريق الوالدين، وأمده بكل ما يحتاجه، فجعل له السمع والأبصار والأفئدة، وجبل الوالدين على محبة أبنائهم والعناية بهم، وهداه سبيل الرشاد ووكل مهمة التربية والتوجيه للوالدين. وليس أعظم إحسانا ولا أكثر فضلا بعد الله سبحانه وتعالى من الوالدين؛ فللَه سبحانه نعمة الإيجاد والإمداد والهداية، وللوالدين بإذنه نعمة الولادة والتربية.

فلهذه الحالة التي خصهما الله بها وأعانهما بالفطرة عليها، أمر بالإحسان إليهما في جميع الأحوال، وخصهما حالة بلوغ أحدهما أو كليهما الكبر بالذكر، لأنها حالة الضعف والوهن، ومظنة الملل والضجر منهما، والتبرم من تصرفاتهما؛ فهما في هذه الحالة قد صارا إلى ما كان عليه ولدهما في أول العمر، إلا أنه ليس عنده من فطرة المحبة مثل ما عندهما، فلزم التذكير بما عليه من واجب العناية والرعاية لهما، والاحتراز من كل ما يسوؤهما في هاته الحال على الخصوص.

يقول الله عز وجل:﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾(الأسراء:24)

افتتحت هذه الأحكام والوصايا بفعل القضاء اهتماما به وأنه مما أمر الله به أمرا جازما وحكما لازما،[1] وقد وردت هذه الوصية في القرآن في سبعة مواضع، فيها أمر بعبادته أولا، ثم ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين ثانيا[2]، وقد تأتي الوصية من الله مباشرة بالوالدين[3]، ومن المعروف أن عِظم الوصية تكون من عظمة الموصي.

يقول الفخر الرازي: “إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه. أحدها: أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود، بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى. وثانيها: أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر”[4].

المزيد من المشاركات
1 من 22

وأعلت السنة الشريفة من شأن البر بالوالدين فجعلته سابقا على الجهاد، فقد “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد”[5]

وفي راواية: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ، قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟» قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: «فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا»[6].

وقال النووي رحمه الله في شرحه للحديث: ” هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما، وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما، فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه، وشرطه الثوري. هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، وإلا فحينئذ يجوز بغير إذن. وأجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين، وأن عقوقهما حرام من الكبائر “[7].

وابتدئ التشريع بالنهي عن عبادة غير الله لأن ذلك هو أصل الإصلاح، لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذا كان صالحا[8]. كما أن تقديم الأمر بعبادة الله وحده تقيد ما بعدها وتجعله تابعا لها، إذ الطاعة والبر والإحسان إنما يكون في طاعة الله، وأعظم المعاصي وأشدها الكفر بالله والإشراك به، فهذا لا طاعة فيه لأحد.

وحديث سعد بن أبي وقاص الذي نزلت فيه آيات من القرآن تؤكد هذا حيث قال: “حلفت أم سعدا أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد أي من المشقة والتعب، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾[لقمان: 15][9]

إضافة إلى ما في اقتران أمره عز وجل بالإحسان إليهما بعبادته وحده وتنزيهه عن الشريك، من اهتمام بهما وتعظيم لحقهما واحتفاء بقدرهما، فالآية تشمل نكثات بلاغية يُستنبط منها مزيد عناية بأمر الإحسان إلى الوالدين، يقول الرازي:” وأقول لفظ الآية مشتمل على قيود كثيرة كل واحد منها يوجب المبالغة في الإحسان إلى الوالدين:… وثالثها: أنه تعالى لم يقل: وإحسانا بالوالدين، بل قال: وبالوالدين إحسانا فتقديم ذكرهما يدل على شدة الاهتمام. ورابعها: أنه قال: إحسانا بلفظ التنكير والتنكير يدل على التعظيم، والمعنى: وقضى ربك أن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا عظيما كاملا، وذلك لأنه لما كان إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة وجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات فلا تحصل المكافأة، لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء، وفي الأمثال المشهورة أن البادي بالبر لا يكافأ”[10].

في ستة مواضع ذكر الأمر بالإحسان مطلقا، أي أنه يشمل كل خير، فعلا أو قولا مما يدل على الرعاية والعناية؛ وهو “فعل الأحسن في مصطلح الشرع، مع الإخلاص لله فيه، في حالة شعورية عليا يراقب فيها الإنسان الله عز وجل. قال عليه الصلاة والسلام لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان: ” أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”.[11]

وفي هذه الآيات من سورة الإسراء، أضيف إلى الأمر بالإحسان وصايا تناسب الوالدين في هذه المرحلة العمرية. فالأبوين في حال الكبر لا يحتاجان إلى كثير من متع الحياة، وإنما يحتاجان الكلمة الطيبة، والنظرة الحانية؛ فكما كانا يكفلانه ويحيطانه بالرعاية وهو صغير،

لزمه أن يغدق عليهما من ماله، وقبل ذلك وبعده، من حبه وعطفه بعد أن بلغا حالة من الضعف والعجز فصارا عنده في آخر العمر كما كان عندهما في أول العمر.

لقد أمر الله تعالى الإنسان في هذه الآيات، بخمسة أمور في حق الوالدين:

  1. »فلا تقل لهما أف»: ” أي: فلا تضجر فيما يستقذر منهما ويستثقل من مؤنتهما، ولا تنطق بأدنى كلمة توجعهما، فأحرى ألا يقول لهما ما فوق ذلك. فالنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء قياسا بطريق الأحرى. وقال في الإحياء: الأف: وسخ الظفر، والتف: وسخ الأذن، أي: لا تصفهما بما تحت الظفر من الوسخ، فأحرى غيره، وقيل: لا تتأذ بهما كما يتأذى بما تحت الظفر”.[12]
  2. »ولا تنهرهما» أي “لا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ، فإن كان لإرشاد ديني فبرفق ولين[13].
  3. »وقل لهما قولا كريما «: “واعلم أنه تعالى لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمرا بالقول الطيب، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال: وقل لهما قولا كريما والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام…وعن عطاء أن يقال: هو أن تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم”[14].

وبهذا، فالله قد ضيق في برهما وبالغ في الوصية حتى لم يرخص في أدنى كلمة تتفلت من الأبناء تشعر بالتبرم والتضجر، كذلك من أراد النصح لوالديه وتحذيرهما مما قد يضر بهما أداه بقول لين لا غلظة فيه ولا فضاضة.

  1. « واخفض لهما جناح الذل من الرحمة»: “ثم ارتقى في الوصاية بالوالدين إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعا يبلغ حد الذل لهما لإزالة وحشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد، لأن الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما. والقصد من ذلك التخلق بشكره على إنعامهما السابقة عليه”[15].

وصور التواضع في هيئة تذلل الطائر عند ما يعتريه خوف من طائر أشد منه، أو عندما يريد ضم فرخه. وتذلل الولد لوالديه من فرط الرحمة، وشدة العطف وليس تذلل خوف أو مداهنة، ولكنه تخوف من الإساءة إليها وحرص على أن لا يصيبهما سوء.

  1. « وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا»: “أي ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. قال النسفي: والمراد بالخطاب غيره عليه السلام، والدعاء مختص بالأبوين المسلمين (أي بعد الوفاة) أقول: يدعو للأبوين الكافرين وهما حيان بالهداية. أما بعد الوفاة فلا يجوز الاستغفار لهما إلا بشرط الإيمان”[16].

الله يعلَم عباده دعاء جامعا لكل الخيرات في الدنيا والآخرة، وهو الدعاء برحمة الله إياهما. فمهما كان الولد رحيما بوالديه فيبق قاصرا عن مكافأة صنيع والديه، كما أنه هناك رحمة “لا يستطيع الولد إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى الله تعالى”[17].

ولا يخفى على ذي لب ما لبر الوالدين خصوصا، والإحسان لذي القربى عموما من آثار إيجابية على الأفراد وعلى الأمة، وقد اختصرها الطاهر بن عاشور بقوله:

“ومقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين:

أحدهما: نفساني وهو تربية نفوس الأمة على الاعتراف بالجميل لصانعه، وهو الشكر، تخلقا بأخلاق الباري تعالى في اسمه الشكور، فكما أمر بشكر الله على نعمة الخلق والرزق أمر بشكر الوالدين على نعمة الإيجاد الصوري ونعمة التربية والرحمة. وفي الأمر بشكر الفضائل تنويه بها وتنبيه على المنافسة في إسدائها.

والمقصد الثاني عمراني، وهو أن تكون أواصر العائلة قوية العرى مشدودة الوثوق فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة، وهو حسن المعاشرة ليربي في نفوسهم من التحاب والتواد ما يقوم مقام عاطفة الأمومة الغريزية في الأم، ثم عاطفة الأبوة المنبعثة عن إحساس بعضه غريزي ضعيف وبعضه عقلي قوي..[18]


[1]– تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، محمد الطاهر بن عاشور التونسي (ات: 1393هـ)، 15/66.

[2]– البقرة: 83، النساء: 36، الأنعام: 151، الإسراء: 24

[3]– العنكبوت: 8، الأحقاف: 16، لقمان: 15.

[4]– مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، فخر الدين الرازي(ت: 606هـ)، 20/323.

[5]– أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد بإذن الأبوين، برقم: (3004)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أح به، برقم: (2549).

[6] أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، رقم: 6.

[7] شرح النووي على مسلم، 16/104

[8] تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، محمد الطاهر عاشور التونسي (ت 1393هـ)،15/67

[9]– رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، رقم1748.

[10]– مفاتيح الغيب، 20/ 323.

[11] – الأساس في التفسير، [سعيد حوَّى، 6/932.

[12] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، أبو العباس أحمد عجيبة (ت: 1224ه)، 3/ 192

[13]– نفسه، 3/ 192

[14] التفسير الكبير، 20/ 326

[15]-التحرير والتنوير، 15/70

[16] سعيد، 6/60

[17] التحرير والتنوير، 15/ 72

[18]– التحرير والتنوير، 15/73-74.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.