جاءهم نصرنا
بقلم: الدكتورة نبيلة الوزاني
في هذا الوقت العصيب، حيث العدوان و القهر المسلط على إخواننا الفلسطينيين بغزة، و إخواننا المجاهدين بحماس، تفتح قنوات الإعلام، فلا ترى إلا الدمار، نسف للبيوت، قصف للأبرياء، جري بالجرحى والأشلاء نحو المستشفيات، أعداد كبيرة من الشهداء، شهداء و مشاريع شهداء، بكاء يعلوه صمود و ثبات على الحق، و ثبات في طلب الحق في العيش بكرامة، والحق في الحياة، آهات متكررة، وصدى كلمات الصمود، واليقين بموعود النصر و من الجهة الأخرى ترى تكالب القوى الظالمة وتخاذل الأنظمة العربية وترجع إلى كتاب الله تستمد الأجوبة عن النصر، وموعود النصر، وأوانه وأسبابه وعدته فتجد أن الآيات في موعود نصر المؤمنين وهزيمة الظالمين عديدة …
يقول جل جلاله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) _ 1
(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) _2
( كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ) _3
( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ )_4
هذا كله فضل من الله تعالى وبشارة منه جل و علا و طمأنة لقلوب المؤمنين …
آيات هي عناوين ونتائج لمسار طويل من الصبر والمصابرة والثقة بموعود الله ….
فالله تعالى الذي فرض الجهاد فرضه لغايات ومقاصد اقتضتها حكمة الله تعالى، فيها من التمحيص للمؤمنين، وتمييز الصادقين الثابتين على الحق عن غيرهم، و اتخاذ الشهداء:
( أم حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ )_5
( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ) _ 6
و من حكمته تعالى ليبلو الطائفتين بعضهم ببعض:
( وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ) _7
ثم إن من سنن الله الكونية أن جعل للنصر شروطا يتعين علينا التمسك بها و العمل على تنزيلها في مشروعنا الجهادي:
و هي شروط قبلية ومزامنة ثم بعدية يقول عز وجل:( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ)_8
هذا استعداد و إعداد المادي لإرهاب العدو و من يواليهم ….
ثم الأمر بالتوحد و الاعتصام بحبل الله لأن الفرقة و التنازع كفيلة بإلحاق الهزيمة و لو للجهة المحقة ( وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ) _9
ثم إن الأمر لتعلقه بالنفس و المهج يحتاج إلى صبر النفس و المصابرة و التضرع إلى الله لاستمداد القوة و الثبات …
و قد ضرب الله تعالى الأمثال على صبر الرسل و أتباعهم في الطريق الشاق حتى أتاهم نصر الله
( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) _10
اقتضت حكمة الله تعالى أن يتأخر النصر ولو تحققت شروط التقوى واليقين في الله تعالى، لكونه طريق لإعطاء الحجة الفعلية للصادقين، و إقامة الحجة على المعتدين:
( و زلزلوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) _ 11
و يصور القرآن الكريم مشاهد للثبات و أخرى للتخاذل و التولي في الصف، و تميز مواقف الصادقين عن غيرهم _ و ما أشبه اليوم بالبارحة _:
( إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا )_ 12
( لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ )_13
و قد عانى الرسل مع أقوامهم لاستبطائهم النصر:
( حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ) _14
ذكرت عاشة أم المؤمنين رضي الله عنها في تفسير الآية: قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، ( حتى إذا استيئس الرسل ) ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك .” _ 15
ثم يقول عز و جل، في شروط النصر البعدية:
( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) _ 16
فهؤلاء هم حزب الله، الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله والتمكين لدين الله في الأرض، وهم الموعودون بالنصر وبالخلافة ….
المصادر المراجع:
1 _ سورة محمد ؛ الآية 7
2 _ سورة الروم ؛ 47
3 _ سورة المجادلة ؛ 21
4 _ الصافات ؛ الآيات 171 _ 173
5_ آل عمران ؛ 142
6_ آل عمران ؛ 140
7_ سورة محمد ؛ 4
8 _ الأنفال؛ 60
9_ الأنفال ؛ 46
10_ آل عمران ؛ الآيات 146 – 148
11_ البقرة ؛ 214
12 _ الأحزاب ؛ 10
13_ التوبة؛ 88
14 _ يوسف ؛ 110
15 _ التفسير الكبير ، ابن كثير: ج 4 ; ص 363
16 _ الحج ؛ الآيتان: 40 _ 41