منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بشائر النصر.. وعوامل التمكين

بشائر النصر.. وعوامل التمكين / ياسين طاطا

0

بشائر النصر.. وعوامل التمكين

بقلم: ياسين طاطا

البشارة

يعتبر الجانب النفسي عاملا مهما في المعارك وقد يكون حاسما في بعض الأحيان، وهذا ما يفسر الاهتمام البالغ الذي يحظى به في خضم أي صراع كيف ما كانت طبيعته وأسبابه ومهما اختلفت وتنوعت خلفية أطرافه، فكان على سبيل المثال، استعمال الأبواق وقرع الطبول في الحروب منذ القديم وسيلة مهمة لاستنفار عزيمة الجيش و بث الرعب في نفس العدو، ثم تطورت الأمور بعد ذلك لتصبح الآلة الإعلامية وسيلة فعالة فتاكة مؤثرة في الواقع عبر المواقع، وانطلاقا من الأقمار الصناعية نحو الأرض، فغالبا ما تسبق الهزيمة العسكرية هزيمة واحباط معنويين، ويمهد للانتصار الميداني بالتجييش والتعبئة الاعلاميين، ولقد كانت الحرب العالمية الثانية خير شاهد على ذلك، حيث آمن الألمان بأن الدعاية هي الحاسمة في الحرب الاعلامية التي يمكن استخدامها لتحقيق الانتصار مع إراقة أقل قدر من الدماء، فعلى المستوى الداخلي تمكنت الدعاية الألمانية من إقناع الشعب بسمو العرق النازي وتميزه، وبأن اليهود هم سبب الازمة الاقتصادية الالمانية وبالتالي لفظ الشعب الالماني اليهود وتقوت وحدته وزاد التفافه حول القائد الذي صورته الدعاية على أنه الأب الحنون والقائد الخبير الذي لا خلاص للأمة إلا على يديه، وعلى المستوى الخارجي، تم استغلال نقطة الضعف النفسية عند الأعداء وهي الخوف من الحرب، فبالإضافة إلى تضخيم صورة القوة الألمانية وقدراتها الحربية، ساهمت الحملات الدعائية في الضغط على العدو وتقديم بدائل لتجنب الحرب، وقد مكن هذا الاسلوب ألمانيا من ضم تشيكوسلوفاكيا والنمسا وإعادة احتلال أرض الراين.

ولنا أيضا أمثلة في الموضوع في ثقافتنا وتاريخنا الاسلامي، فقد عقدت الألوية في الغزوات على عهد رسول الله بما لها من دلالة معنوية قوية في الحرب، حيث كان يحمى في النفوس الاندفاع نحو القتال وترتفع الرؤوس بارتفاعها، كما أنشد النشيد ونظمت القصائد في مواجهة الأعداء، ومن ذلك إنشاد النبي صلى الله عليه وسلم أبياتا من شعر أبي رواحة أثناء حفر الخندق في غزوة الأحزاب رفعا للمعنويات وطمأنة للنفوس، وأمره عليه الصلاة والسلام سيدنا حسان بن ثابت بهجاء المشركين : {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك}(1)، وكما جاء في قصة سيدنا عبد الله بن رواحة عندما كان يلقي شعرا في هجاء الأعداء في المسجد واستنكر ذلك منه عمر بن الخطاب، فقال النبي خل عنه يا عمر فوالدي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل(2). هكذا يعلمنا الصادق المصدوق أن جهاد الكلمة لا يقل أهمية من جهاد السيف، و ان العمليات النفسية قد تكون أشد وأسرع فتكا من العمليات الميدانية، ومما نذكر أيضا، وصية أبي بكر لعكرمة حينما أرسله إلى عمان فقال،{ومهما قلت أني فاعله فافعله ولا تجعل قولك لغوا، وانظر ما تقول ومتى تقول}، فكان صدق القادة المسلمين سلاحا نافذا في قلوب الاعداء حيث كانت أفعالهم عند أقوالهم وينفذون وعودهم بدقة مما كان يحبط إرادة القتال عند العدو.

هذه كلها وسائل بشرية تترجم أهمية العامل النفسي في إدارة المعارك، أما الوسائل الربانية التي خص الله بها عباده المؤمنين كما وردت في القرآن الكريم في قوله عز وجل {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الأنفال – الآية 12، هذه شحنة معنوية/إيمانية مباشرة من رب السماوات والأرض إلى قلوب عباده عبر مخلوقاته النورانية، وفي قوله جل وعلا {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الاقدام} الأنفال – الآية 11، وهذا أمان وسكينة واطمئنان، جاد به الله جل وعلا على المؤمنين المجاهدين في غزوة بدر، وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة لم يحسبوا حسابها ولا أعدوا عدتها بعد أن تمكن الضعف منهم ودبت وساوس الشيطان بينهم، وأنزل الماء طهرا ودحضا لوساوس الشيطان وثباتا للرمال حتى تثبت الخطى ويستقيم السير ويبلغ القصد، ذلك لأن النصر يتطلب قوة أيمان وصدق يقين وصلابة عزيمة، فما كان لجيش مهتز مشتت محبط أن يتلقى النصر من عند الله، فما كان منه سبحانه وتعالى إلا أن هيأ للمؤمنين وسائل الدعم النفسي والتثبيت الإيماني استعدادا للنصر، يقول الحق سبحانه{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال – الآية 9/10، بشرى من الحق سبحانه أني معكم وإنكم على الحق فأبشروا واطمئنوا، لا تغرنكم كثرة الاعداء وتكالبهم، ولا تحبطنكم قلة عددكم وضعف عدتكم، وما هذه وتلك، بما فيها البشريات إلا أسباب، بالغم من أهميتها وضرورتها إلا أنها لا تحقق نصرا ولا تجلب هزيمة، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

النصر و التمكين

يشكل الانتصار العسكري الميداني الشق الاكبر من النصر وليس كل النصر، إذ يتخذ النصر في المعارك أبعادا متعددة تطبعها عادة أسباب وسياقات نشوب المعركة، ففي الحروب التوسعية/الاستعمارية مثلا، يتجلى الانتصار في أن تضم القوة المستعمرة أراض جديدة وترسي مصالح اقتصادية وأمنية على المستعمرات وتستغل ثرواتها ومقدراتها، وذلك بالتوازي مع الحفاض على المكتسبات وحمايتها، ولا يكتمل النصر إلا بكسب الدعم والتوافق الدولي وموافقة الحلفاء، وإلا فستكون العملية وبالا عليها إن تألبت عليها القوى وخسرت الحلفاء. وقد تتحقق أوجه الانتصار هذه مجتمعة فيكون النصر شاملا والحسم قاطعا في الحرب، وإما يتحقق بعضها حسب الظروف والامكانات والسياق فيتم تقييم النصر حسب ميزان الربح والخسارة. وفي مقابل الحروب التوسعية، هناك الحروب الدفاعية، ويصطلح على هذين المفهومين عند الفقهاء المسلمين -جهاد الطلب وجهاد الدفع- وإن كان الأول عند المسلمين ليس القصد منه هو الاستحواذ على أراضي الغير، وإنما تبليغ رسالة الاسلام وإعلاء كلمة الله. وبما أن المناسبة شرط، وانسجاما مع ما يجري من أحداث في أرض المسلمبن أرض المسجد الأقصى حيث معركة طوفان الأقصى لا تزال محتدمة إلى حدود كتابة هذه الأسطر، سنحاول تسليط الضوء على النوع الثاني الذي قال فيه شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله – فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين، كما قال تعالى {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر}،كما أمر النبي بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب، كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد-(3). إن الدفاع عن أرض المسلمين ومالهم وعرضهم ضد الغزاة لمن أوجب الواجبات، حتى أنه لا يشترط فيه زاد ولا راحلة كما يقول الفقهاء، فلا يجوز لأحد القعود عنه بحجة قلة عدد أو نذرة عتاد، مصداقا لقول الله عز وجل {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل}الأنفال – الآية 60. وإن تحدثنا عن النصر في حالة رد العدوان، فإن الوقوف في وجه المعتدي في حد ذاته انتصار وأي انتصار، وكيف لا يكون انتصارا وهو عمل بأمر الله جل وعلا إذ أمرنا فقال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}البقرة – الآية 190، فطوبى لمن لبى نداء الحق واقفا في وجه الطغيان، هكذا عقيدة المسلم وهذا ما يميزنا عن غيرنا. إن ميزان الربح والخسارة هنا لا تحكمه المادة ولا تحده دنيا فانية، إنما يكرس المسلم حياته وموته لله {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}الأنعام – الآية 162،ويسعى عمره كله لنيل رضى الله عز وجل، فالاستجابة لأمر الله بالقتال طلبا لمرضاة الله في حد ذاته فوز، والاصطفاء لنيل وسام الشهادة فوز وأي فوز.

وهذه خطوة فارقة حاسمة في الحرب الدفاعية، فهي انتصار مسبق في العملية النفسية وفشل للعدو فيها، وهو ما يكسب القوة ورباطة الجأش في الميدان، ويرعب العدو ويحبط عزيمته في القتال، أما في ميدان الحرب الاعلامية فغالبا ما يكسب الطرف المعتدى عليه سباق الاكتساح الاعلامي في التعريف بقضيته وكسب التعاطف وإضعاف موقف العدو عندما يقوم في وجهه يصد عدوانه وينافح عن أرضه وعرضه، وهي عوامل حاسمة كما أشرنا سابقا في سير المعركة.

إن القيام في وجه القوى المعتدية امتثالا لأمر الله عز وجل، باعتباره الشرط الوحيد إلى جانب شرط الإيمان، لموجب للنصر وعدا منه حقا لا يخلف الله الميعاد، مصداقا لقوله جل وعلا: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير}الحج – الآية 39.


  • صحيح البخاري 4123 – باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب
  • عبد الله بن رواحة – 36/37
  • مجموع الفتاوى – 82/358

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.