منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سيرة عمر بن عبد العزيز: عبرة وأسوة

اشترك في النشرة البريدية

قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ (الأحزاب:23)

يقول الطبري في الآية: “﴿من المؤمنين﴾ بالله ورسوله ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ يقول: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضراء وحين البأس ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ فمنهم من فرغ من العمل الذي كان نذره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أحد، وبعض في غير ذلك من المواطن ﴿ومنهم من ينتظر﴾ قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده، والنصر من الله، والظفر على عدوه.”

وقال تعالى:﴿ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور:37)

لقد قيض الله تعالى لهذه الأمة رجالا بالمواصفات التي ارتضاها لهم في كتابه العزيز، فأعلوا رايته، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل نصرته، رجالا صدعوا بالحق وثبتوا عليه، فجمعوا بين الخشية من الله عز وجل وحمل مسؤولية الذب عن التوحيد والدفاع عن الاسلام.

فكان من رجالات الأمة الربانيين المجاهدين الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ÷ الذي يعد قائد وقدوة بورعه وعلمه وقوته وجهاده.

المزيد من المشاركات
1 من 17

غير أنه في خضم الأحداث الأخيرة في سوريا تم انتهاك حرمة ضريحه بنبشه وسرقة محتوياته. فيأتي موضوع المقال كرد على هذا الاعتداء المشين وذلك بتسليط بؤرة الضوء على سيرة الخليفة العادل، رمز الإسلام المجسد لأحق معاني الصلاح والعدل.

  • فمن هو هذا الخليفة المجاهد؟
  • وأين تتجلى صفات الرجولة القرآنية فيه؟
  • وما قول العلماء فيه؟
  • وماذا يستفاد من سيرة سيدنا عمر بن عبد العزيز؟

مولده ونسبه:

فحري بنا قبل الخوض في نسب الخليفة عمر بن عبد العزيز ÷ أن نعرج على قصة سيدنا عمر بن الخطاب مع الهلالية.

فمما ذكر أن سيدنا عمر بن الخطاب ÷ نهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء، فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لابنة لها ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت، فقالت الجارية كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق، فقالت قد مذق الناس فامذقي فما يدري أمير المؤمنين، فقالت إن كان عمر لا يعلم فإله عمر يعلم، ما كنت لأفعله وقد نهى عنه. فوقعت مقالتها من عمر، فلما أصبح دعا عاصما ابنه فقال يا بني اذهب إلى موضع كذا وكذا فاسأل عن الجارية، ووصفها له، فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال فقال له عمر اذهب يا بني فتزوجها فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب فتزوجها عاصم بن عمر فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم فأتت بعمر بن عبد العزيز.

فهو عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموي بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام، الحافظ، العلامة، المجتهد، الزاهد، العابد، السيد، أمير المؤمنين حقا، أبو حفص القرشي، الأموي، المدني، ثم المصري، الخليفة، الراشد، أشج بني أمية.

قال ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة، أمه: هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وقالوا: ولد سنة ثلاث وستين.

ولد عمر بحلوان، قرية بمصر، وأبوه أمير عليها سنة إحدى، وقيل: ثلاث وستين، وكان بوجه عمر شجة، ضربته دابة في جبهته، وهو غلام، فجعل أبوه يمسح الدم عنه، ويقول: إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد. أخرجه ابن عساكر.

وكان عمر بن الخطاب يقول: “من ولدي رجل بوجهه شجة يملأ الأرض عدلًا” أخرجه الترمذي في تاريخه. فصدق ظن أبيه فيه.

وأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال: ليت شعري! من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا.

شهرته بالعلم والورع والعدل

جمع القرآن وهو صغير، وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها فقعد إلى فقهاء أهلها، وتأدب بآدابهم. حتى اشتهر بها بالعلم والعقل مع حداثة سنه. يقول فيه ابن سعد في الطبقات: “كان له فقه وعلم وورع، وروى حديثا كثيرا، وكان إمام عدل -رحمه الله، ورضي عنه-“.

ولي عمر المدينة في إمرة الوليد من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين. يقول ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: “لما قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليا، فصلى الظهر، دعا بعشرة: عروة، وعبيد الله، وسليمان بن يسار، والقاسم، وسالما، وخارجة، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون فيه، ونكون فيه أعوانا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى، أو بلغكم عن عامل ظلامة، فأحرج بالله على من بلغه ذلك إلا أبلغني”.

ثم قدم الشام وقد عزم الوليد على أن يخلع أخاه سليمان من العهد، وأن يعهد إلى ولده، فأطاعه كثير من الأشراف طوعًا وكرهًا، فامتنع عمر بن عبد العزيز، وقال لسليمان، في أعناقنا بيعة، وصمم، فطين عليه الوليد، ثم شفع فيه بعد ثلاث، فأدركوه وقد مالت عنقه، فعرفها له سليمان، فعهد إليه بالخلافة.

فبويع في صفر سنة تسع وتسعين، فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر، نحو خلافة الصديق ÷ ملأ الأرض عدلًا، وردّ المظالم، وسن السنن الحسنة، ولما قرئ كتاب العهد باسمه عقر وقال: والله إن هذا الأمر ما سألته الله قط.

وعن عمرو بن مهاجر وغيره: أن عمر لما استخلف قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد × ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ، ولست بمبتدع، ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم، ولكني أثقلكم حملًا، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وعن الليث قال: ولما ولي عمر بدأ بلُحمته وأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم، وسَمّى أموالهم مظالم.

ومن ذلك موقف جلل بلغنا عن فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك -وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله-: “اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد، قالت: لا بل أختارك عليه وعلى أضعافه، فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين-فلما مات عمر واستخلف يزيد قال لفاطمة: إن شئت رددته إليك، قالت: لا والله، ما أطيب به نفسًا في حياته وأرجع فيه بعد موته”.

وكان مما رواه مالك بن دينار: “لما ولي عمر بن عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة؟ عدله كفّ الذئاب عن شائنا.

فمن عدله أيضا أنه كان إذا أراد أن يعاقب رجلًا حبسه ثلاثة أيام، ثم عاقبه، كراهة أن يجعل في أول غضبه. كما نقل الأوزاعي.

وقيل أنه كان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضًا.

وفي ورعه وخشيته يروى: عن عطاء بن أبي رباح قال: حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاه تسيل دموعه على لحيته، فقالت: يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة إني تقلدت من أمر أمة محمد × أسودها وأحمرها؛ فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد؛ فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة؛ فخشيت ألا تثبت لي حجة؛ فبكيت.

كما قال عطاء أيضا: “كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة، ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة”.

قال مكحول: لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف من عمر بن عبد العزيز.

وقال سعيد بن أبي عروبة: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.

شهادات العلماء فيه:

عن أبي جعفر الباقر – هو محمد بن علي بن الحسين بن علي أمير المؤمنين ثقة فاضل- قال: “لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، إنه يبعث أمة وحده”.

وروى الثوري عن عمرو بن ميمون، قال: “كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة”.

وقال زيد بن أسلم عن أنس ÷: “ما صليت وراء إمام بعد رسول الله × أشبه صلاة برسول الله × من هذا الفتى -يعني: عمر بن عبد العزيز- وهو أمير على المدينة، قال زيد بن أسلم: فكان يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود”. له طرق عن أنس، أخرجه البيهقي في سننه وغيره.

ويقول الذهبي في السير: “قد كان هذا الرجل حسن الخلق والخلق، كامل العقل، حسن السمت، جيد السياسة، حريصا على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أواها، منيبا، قانتا لله، حنيفا، زاهدا مع الخلافة، ناطقا بالحق مع قلة المعين، وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملوه وكرهوا محاققته لهم، ونقصه أعطياتهم، وأخذه كثيرا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق، فما زالوا به حتى سقوه السم، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعد عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين”.

وفاته:

توفي عمر بن عبد العزيز ÷ بدير سمعان من أعمال حمص لعشر بقين -وقيل: لخمس بقين- من رجب سنة إحدى ومائة، وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر، وكانت وفاته بالسم، كانت بنو أمية قد تبرموا به؛ لكونه شدد عليهم وانتزع من أيديهم كثيرًا مما غصبوه.

رحم الله رجلا صدقت فيه آيات الله عن الرجولة الحقة، فكان خير قدوة للقائد الرباني في خلافته على هدي النبوة ومنهج الخلفاء الراشدين. إذ لا يستقيم لمن يسوس هذه الأمة العظيمة بشريعتها وتاريخها إلا أن يجمع بين الصلاح والعلم والخشية من الله تعالى حتى يتحقق فيه العدل ويسعى به في الأرض. كما أعطى القدوة للعالم المتفقه الذي لا يمنعه علمه ومنزلته من قول كلمة الحق والثبات عليها، للعابد الزاهد الذي لا يمنعه إيمانه من اقتحام عقبة التهمم بشؤون الأمة.

 

المصادر والمراجع:

  • سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه لعبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع أبو محمد المصري، تحقيق: أحمد عبيد، نشر: عالم الكتب بيروت لبنان، الطبعة السادسة 1404ه-1984م.
  • سير أعلام النبلاء لشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة 1405ه-1985م.
  • تاريخ الخلفاء لجلال الدين السيوطي، تحقيق: حمدي الدمرداش، نشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الأولى 1425ه-2004م.
  • الطبقات الكبرى، القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم لأبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع الهاشمي بالولاء البصري البغدادي، المعروف بابن سعد، تحقيق: زياد محمد منصور، نشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة الطبعة الثانية 1408ه.
  • جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، نشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420ه-2000م.

https://www.aljazeera.net/blogs/2020/1/26/

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.