منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المقاصد قبلة المجتهد

المقاصد قبلة المجتهد/ الأستاذ مولاي مصطفى فقيهي

0

المقاصد قبلة المجتهد

الأستاذ مولاي مصطفى فقيهي

تمهيد:

الحمد لله الذي جعل لخلق الإنسان حكمًا وغايات، فلم يخلقهم عبثًا، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(  [الذاريات: 56]، وشرع لتحقيق هذه الغايات العبادات كلها؛ من صلاة وصوم، وزكاة وحج، وجهاد وذكر…ولم يشرع هذه العبادات عبثًا، بل لحكم وغايات، سواء أدركها العقل أم لم يدركها.

وأوصى الإنسان بالتفكر والتدبر فيما حوله: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [يونس: 101]، ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ [الغاشية: 17]، ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾العنكبوت: 20]. [

أما بعد:

تعد دراسة مقاصد الشريعة الإسلامية من الأمور المهمة، وخاصة للمتخصص بدراسات الشريعة الإسلامية؛ حيث إن علم مقاصد الشريعة الإسلامية لا يقف عند جزيئات الشريعة وظواهرها، بل ينفذ منها إلى كلياتها وأهدافها، في كل جوانب الحياة، فهو يبرز الغايات والمرامي. والغاية التي خلقنا الله من أجلها وتحقيقها هي العبادة والاستخلاف.

إذن فما مفهوم المقاصد ؟ وماهي فوائد معرفتها ؟

تعريف مقاصد الشريعة:

  • أولًا: تعريف المقاصد لغة:

المقاصد جمع مقصد، وهي مشتقة من الفعل قصد، وكلمة المقاصد عند أهل اللغة العربية بمعان عديدة، من هذه المعاني:

– استقامة الطريق: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ [النحل: 9].

– العدل والوسط بين الطرفين: وهو ما بين الإفراط والتفريط، والعدل والجَور، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾ [فاطر: 32].

 – الاعتماد والاعتزام وطلب الشيء وإثباته: تقول: (قصدت الشيء، وله، وإليه قصدًا)[1].

  • ثانيًا: تعريف المقاصد اصطلاحًا:

لم يكن لها تعريف خاص بها عند قدماء الأصوليين، ولكن عبروا عنها بألفاظ مثل: الأمور بمقاصدها، مراد الشارع، أسرار الشريعة، رفع الحرج والضيق، العلل الجزئية للأحكام الفقهية…إلخ، أما تعريفها عند الفقهاء المعاصرين فجاءت بتعريفات متقاربة، بداية من الشاطبي (790 هـ = 1388م)، حتى الآن، ومن أهم هذه التعريفات:

1- ابن عاشور: (1284 هـ = 1868 م): مقاصد التشريع العامة، هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها[2] .

2- علال الفاسي: (1326 – 1394 هـ = 1908 – 1974 م): المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها[3].

 3- أحمد الريسوني: الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد.[4]

4- الخادمي: هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية، والمترتبة عليها، سواء أكانت تلك المعاني حكمًا جزئيًّا أم مصالح كلية، أم سمات جمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد، هو: تقرير عبودية الله، ومصلحة الإنسان في الدارين.[5]

5- وقيل : هي مراد الله من خلقه بشرعه.

وهكذا نرى: أن معنى المقاصد الشرعية عند علماء المقاصد يدور حول الغايات والأهداف والمآلات التي قصدها واضع الشرع الحكيم لتحقيق سعادة الإنسان ومصلحته في الدارين الدنيا والآخرة.

فوائد معرفة مقاصد الشريعة:

و مقاصد الشريعة في الحقيقة مهمة جداً للمجتهد والفقيه؛ لأنها ليست مجرد متعة معرفية، وليست مجرد تعمق في المعاني والمرامي، بل إن لها أثراً عملياً، وفائدة في الواقع.

فيقول ابن القيم رحمه الله: “ولله سبحانه في كل صنع من صنائعه وأمر من شرائعه حكمة باهرة، وآية ظاهرة، تدل على وحدانيته. وحكمته لا تنكرها إلا العقول السخيفة، ولا تنبو عنها إلا الفطر المنكوسة[6].

وقال الشاطبي رحمه الله: “المقاصد أرواح الأعمال”[7].

وأهمية علم المقاصد بالنسبة للمجتهد: أن التفقه في مقاصد الشريعة شرط لبلوغ الاجتهاد، لا يمكن  أن يبلغ واحد رتبة المجتهد أصلاً، إلا إذا عرف من مقاصد الشريعة ما يبلغه هذه الرتبة، بالإضافة إلى بقية العلوم، والإمامة في الدين، لا تنال إلا بمعرفة ماذا أراد الله من وراء هذه الأحكام؟.

فعلم الكتاب والسنة لا ينال على التمام والكمال، إلا بالإلمام بمقاصد الشريعة، وغاياتها ومراميها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والفقيه المجتهد لا يمكن أن يستغني عن هذا العلم إذ أن معرفة المقاصد شرط من شروط تحصيل مرتبة الاجتهاد كما ذكر العلماء, ولذلك يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: ” إنها -يعني عن مرتبة الاجتهاد- لا تنال إلا بشرطين، لا تحصل درجة الاجتهاد إلا لمن اتصف بوصفين:

  • الأول: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
  • والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على هذا الفهم”.[8]

لأنك إذا أدركت وفهمت ماذا أراد الشارع من وراء هذا؟ فإن الاستنباطات ينبغي أن تكون مقيدة بهذا الفهم، وحتى لا تجنح استنباطات المجتهد ولا تنحرف، لا بد أن تتقيد بمقاصد الشارع، ولذلك قال بعض العلماء: “المقاصد قبلة المجتهدين”.

يعني: من أراد الاجتهاد لابد أن يدخل هذا الباب، ولابد أن يدرك ماذا يوجد فيه؟ فإن هذه المقاصد التي هي حكم التشريع، وغاياته هي مرتبة فوق مرتبة مجرد الحفظ، والعِلم بالأدلة التفصيلية وفهمها.

ففي فهم مقاصد التشريع حماية من الانحراف، وهذا سبب من أسباب أهمية علم المقاصد.

وإضافة إلى هذا السبب الرئيس هناك أسباب كثيرة نذكر منها:

* إبراز علل التشريع وحكمه وأغراضه ومراميه الجزئية والكلية، العامة والخاصة، وفي شتى مجالات الحياة، وفي مختلف أبواب الشريعة.

* تمكين الفقيه من الاستنباط في ضوء المقصد الذي سيعينه على فهم الحكم وتحديده وتطبيقه[9].

* إثراء المباحث الأصولية ذات الصلة بالمقاصد، على نحو المصالح والقياس  والقواعد، والذرائع وغيرها.

* التقليل من الاختلاف والنزاع الفقهي، والتعصب المذهبي، وذلك باعتماد علم المقاصد في عملية بناء الحكم، وتنسيق الآراء المختلفة، ودرء التعارض بينها.

* التوفيق بين خاصتي الأخذ بظاهر النص، والالتفات إلى روحه ومدلوله، على وجه لا يخل فيه بمعنى بالنص، ولا بالعكس؛ لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض[10].


[1]  لسان العرب – ابن منظور (3/ 96)، مختار الصحاح – الرازي، (2/ 24)، المصباح المنير – الفيومي (260).

 [2]  مقاصد الشريعة الإسلامية – ابن عاشور (251).

[3] مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: د/ علال الفاسي (3).

[4]  نظرية المقاصد عند الشاطبي: أحمد الريسوني (1992 م).

[5]   الاجتهاد المقاصدي: نور الدين بن مختار الخادمي (38).

[6]  [مفتاح دار السعادة: 2/66].

[7]  [الموافقات: 3/44].

[8]  [الموافقات: 5/41-42].

[9]  المقاصد: ابن عاشور: ص8.

[10]  الموافقات: 2 / 392.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.