منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مغذيات الهجوم الصهيوني على غزة وبشاراته

مغذيات الهجوم الصهيوني على غزة وبشاراته/ المهدي اليونسي

0

مغذيات الهجوم الصهيوني على غزة وبشاراته

بقلم: المهدي اليونسي

       كان اليوم السابع من أكتوبر  2023 يوما من أيام الله، ضربت فيه كتائب القسام الغطرسة الصهيونية في مقتل، وزوى الوهم المنفوخ في كون ” جيش إسرائيل” جيش لا يقهر، بل جعلته ذليلا، إذ لم يكن يعطيه ذاك الوهم إلا الخوفُ المذل المخزي للأنظمة العربية على كراسيها المشدودة إلى الأرض.. إن الهجوم الصهيوني الهمجي المسعور على غزة، ما كان ليكون بهذا الحجم لولا المغذيات التي روته وعظمت جبروته، وهذه المغذيات نوعان، نوع مرتبط بالكيان المغتصب ذاته، وآخر  مرتبط بالظروف الموضوعية، وهي لا تقل أهمية عن الأولى:

بعض المغذيات المرتبطة بالكيان الصهيوني:

  • صدمة الحدث:

ما كان العدو الصهيوني يتصور  يوما أن تكون مقاومة  صغيرة العدد، مسلحة تسليحا بدائيا في مقابل الترسانة الصهيونية، محاصرة طوال ست عشرة  سنة اقتصاديا وعسكريا، جوا وبرا وبحرا، ومحاصرة أيضا من عمقها العربي والإسلامي، والتي اصطفت على كرهها جل الأنظمة العربية أكثر  من اصطفافها على كره إسرائيل، أن توجع حماسُ الصهاينةَ وتقتل منهم ما لم تستطع حروب العرب كلها معها أن تفعله، وتأسر منهم ضباطا دسمين، وتفتك بالنبوغ الاستخباراتي للموساد والشاباك، وتهدم عليهم أبراج التفوق التكنولوجي المؤلَه عندهم، بل وتكنس الغطرسة الصهيونية المشيدة على دماء الأبرياء، من عقول الواهمين والمغفلين من العرب، من أن “إسرائيل” أقوى من كل العرب..

  • الكنز الاسترتيجي الذي حصلت عليه حماس:

أن يصيب السعار الصهاينة، وتبحر حاملات الطائرة الأمريكية قبالة غزة، وأن يصاب الغرب بالذعر ، وأن توقع حكومة أمريكا شيكا على بياض “لإسرائيل” ويبلع بعض حكام العرب ريقهم، فهناك أمر جلل لا شك أنه وقع..  إن أخطر  هجوم نفذته حماس هو ذلك المرتبط بالقاعدة الاستخباراتية السرية، والاستحواذ على جميع أجهزة الكومبيوتر التي تحوي أرشيف الموساد الذي كان موجودا هناك، منذ قيام الكيان إلى الآن، بما فيه من خطط وأسرار،  وحتى أسماء العملاء العرب المنتفعين من القضية الفلسطينية، وخُطط التدخل البري إلى غزة، إلى غير ذلك من الكنوز على حد تعبير  نيويورك تايمز  التي قالت بالحرف: إن كتائب القسام حصلت على كنز  استراتيجي.. وهذا ما يفسر هذا السعار  الجوي على غزة

  • الخوف الشديد من ترسيخ فكرة المقاومة العسكرية في صراع  العرب  مع ” إسرائيل” مستقبلا:

 ففي كل حروب الصهاينة مع العرب كانت تقوم هذه الحروب على أمرين أساسيين: الحروب الخاطفة، والحروب الموجعة الفاتكة الرادعة، وذلك بهدف ترسيخ  فكرة الردع القائلة: بأن القوة العسكرية “لإسرائيل” لا تُقهر، حتى تثبت للعرب أن مجابهة إسرائيل عسكريا أمر  مستحيل، وفكرة خاسرة، ولذلك وجب الرضوخ لأمر الواقع باعتبارها واحدة من دول المنطقة، وجب التعامل معها بمنطق القبول والتفاوض والتطبيع، وهذا هو الذي اتبعته جل الأنظمة العربية.. إن فكرة “إسرائيل القوية”  بخرتها الضربة الموجعة لحماس وهي مقاومة صغيرة لا تقارن بأي قدرات من قدرات الدول النظامية من دول العرب، اللهم ما كان من قدرة الحق والإرادة..

  • التآكل الداخلي وزعزعة الجبهة الداخلية لدولة الاحتلال:

 لا يخفى على أحد كثرة التنبؤات الاستراتيجية المستقبلية، والتجارب التاريخية كلها تشير إلى أن زوال “إسرائيل” مجرد وقت ليس إلا، ولعله قريب، إذ يشير فيه المحللون، إلى أن العقيدة الصهيونية هي عقيدة عرقية عنصرية، فإذا استثنينا العنصرية اليهودية تجاه المسلمين العرب داخل ” اسرائيل”  الذي هو أحد أهداف وجودها، فإن ما يُقرب انهيار  ” اسرائيل” من الداخل هو عنصرية اليهود فيما بينهم، فاليهود الإسرائيليون الأشكنازيون يتبعون مواقف تمييزية تجاه إخوانهم اليهود من خلفيات أخرى، بما في ذلك تجاه اليهود الإثيوبيين، واليهود الهنود، واليهود المزراحيين، واليهود السفارديين..، أضف إلى هذا الأمر  استحواذ فكرة الهجرة المعاكسة من فلسطين، ولقد رأينا الازدحام الكثيف في مطار بن غوريون منذ بداية عمليات طوفان الأقصى، ومعلوم أن الفكر العقدي لليهود يقوم أن لا حياة بعد الموت، وإنما الحياة فرصة واحدة يجب أن يعيشونها دون منغصات، فالخوف عندهم من الموت هو الرعب الذي لا يستطيعون مواجهته إلا عبر الفرار إلى مواطنهم الأصلية التي جاؤوا منها..، كما أن قضية عرب الداخل تعتبر قنبلة موقوتة تنتظر إشعال الفتيل، ناهيك عن التهاب الجبهة الشمالية لحزب الله، والجماعات المسلحة للفصائل الفلسطينية في لبنان، وفي الضفة والقدس، وهي كلها مؤشرات قوية على تضعضع الجبهة الداخلية “لإسرائيل”، لذلك فالهجوم الغاشم على غزة، كان في جله موجه للرأي العام الداخلي، ليحصل الاجماع، وتحرير فكرة أن اسرائيل لا زالت قوية بما يكفي..

  • الوضعية الخاصة لبنيامين نتنياهو:

يعتبر نتنياهو معمرا سياسيا في البنية السياسية لإسرائيل، وكانت سيرته منذ قيادته لليكود مليئة بملفات الفساد، ولذلك يستعمل كل أدواته ليبقى محصنا من المساءلة القانونية، حتى ولو بالتحالف مع المتطرفين الصهاينة كابن غفير، ثم تحمليه المسؤولية كاملة وفشله في قراءة أفكار حماس يوم السبت  الخالد..، ولذلك اختار السباق إلى الأمام، بتحميله مسؤولية الفشل للأجهزة الاستخباراتية والعسكرية، فأراد أن يثبت بالتغول على غزة أنه لازال محصنا، فرارا بجلدة من المُسآلة القانونية الآتية لا محالة..

بعض المغذيات الموضوعية:

  • الذعر الغربي وهبته المتسارعة لستر عورة “اسرائيل” التي كشفتها كتائب القسام:

 فالغرب يعتبر  إسرائيل دفاعه المتقدم في الهيمنة على ثروات الشرق الأوسط والخليج، لذلك كان واضحا منذ اليوم الأول في دعمه اللامشروط لها، بل وتبني الروايات “الإسرائيلية” بحذافير ها خصوصا من قِبل الأمريكيين، هذا الضوء الأخضر  المسنود بالمساعدات العسكرية والمالية، وبحق الفيتو  في مجلس الأمن هو  ما غذى القصف الهمجي المجنون على غزة..

  • الصمت المطبق المخزي للأنظمة العربية المكبلة بثقافة الهزيمة:

 هذه الأنظمة انما شذبت وتربت على مفارقة واحدة: هي أن الخروج عن الطاعة الأمريكية يقابله بشكل واضح ضياع كرسي الحكم، والبقاء في الكرسي يقابله الرضى بالإملاءات الأمريكية، وفي مقدمتها التطلع الى التطبيع والتسوية مع الصهاينة، ومحو صفة العدو عنهم وإلصاقه بإيران وبفصائل المقاومة، مع هذا الرضى الأمريكي تفعل هذه الأنظمة ما تشاء في شعوبها من قتل واعتقال وتدمير، وتسفيه لحقوق الإنسان،  لذلك رأينا تلكم الردة التي أصابت بلدان الربيع العربي، والتي أفرزت توجها عاما لدى جل هذه الأنظمة العربية بالهرولة نحو التطبيع ضدا على شعوبها، وسيجت علاقاتها باتفاقات اقتصادية وعسكرية وأمنية مكنت الصهاينة من التغلغل في كثير من الدول المطبعة حتى كادت أن تصل إلى مراكز  القرار  في هذه الدول، هذه الأنظمة لن تستطيع الوقوف في وجه “إسرائيل” إلا  في حالة خروج ثورة لهذه الشعوب عن سيطرة هذه الأنظمة..، ومعلوم أن القضاء على حماس يوافق هوى لدى هذه الأنظمة، إذ يعفيها من الإحراج أمام شعوبها- طبعا ان كانت تملك ثمت وجه للإحراج- بأولوية المواجهة العسكرية عن غيرها في مواجهة العدو الصهيوني الذي لم يعد عدوا!!.. ولذلك تقصف ” اسرائيل” بكل راحة من أي ضغط، فتدمر  بذلك البشر والحجر..

  • الترسانة الإعلامية التي يتحكم فيها اليهود وأذنابهم،

 المضللة للرأي العام بالكذب تارة وبتزييف الحقائق تارة أخرى، وحتى بحجب الصور المروعة لما يقع في غزة، كما يفعل الفايسبوك مثلا، مع التركيز على قلب المعادلة بجعل المحتل هو المظلوم والمقاوم هو الظالم، وتجييش العالم ضده، كوصف حماس بالإرهاب والداعشية، وذلك لتسهيل التقبل النفسي للإجهاز عليها، وهذا ما يفسر  الهجوم المسعور على غزة..

       لكن على الرغم مما تعانيه غزة وتتحملها لوحدها من الضربات الهمجية، فإنه يعكس في الآن ذاته بشارات مثبتة للقضية الفلسطينية، ومكفهرة للعدو الصهيوني، ولعل من أهمها:

  • بيان أن هذا العدو أوهن مما كنا نتصور عبر عقود الإذعان التي بناه الزيف الصهيوني والكذب الإعلامي وأقنعنا به مطبلو الانظمة العربية الثملى بثقافة الهزيمة..
  • التأكيد على أن الحاسم في القضية الفلسطينية هم أهل الدار العارفون بخباياها وبطبيعة محتلها، وأنهم هم المعادلة الصعبة التي لن تكسرها تحالفات الظالمين، ولا خذلان الأنظمة العربية ومتاجرتها بهذه القضية، والتأكيد أيضا أن الحل إسلاميٌّ البناء والتعبئة، وأن المواجهة مع العدو الصهيوني هي مواجهة عقدية بالأساس حتى يتبين الاصطفاف..
  • الضربة الاستراتيجية لكتائب القسام أيقنت أن باب النصر على الصهاينة قد فُتح، وأنه لن يُسد أبدا، وأن وهن الأمة في حكامها ستمحوه صحوة الشعوب وهبتها.. وأظهر أن النصر فوق الرؤوس ينتظر نزوله إخلاص النيات ووضاءة المنهج وصدق الطلب، وإتقان الأسباب، وقوة التدافع..
  • أظهر طوفان الأقصى أن الأمة لازالت بخير فهي تكنز، غضبا تخنقه قبضة الاستبداد المنحلَّة لا محالة، وأن نومتها ذهبت، واستيقاظها قريب من القيام لتكنس ما خطه الزمان من حبر الحكم العاض والجبري، وتورث مشعل القضية الفلسطينية للأبناء والحفدة عبر الحضور في هذه الهبة المباركة مساندة ونصرة..
  • كشف طوفان الأقصى لكل المتيمين بتقدم الغرب وحرية الغرب وديمقراطية الغرب وازدهار الغرب، أنها أكذوبة الشعارات وزيف الأقنعة، وازدواجية المعايير، فالغرب بَنَا حضارته على جماجم الملايين من الأفارقة والهنود والمسلمين…، وأن من أجل مصالحه لا يعرف لا الأخلاق ولا القيم ولا الإنسانية حتى..

       طوفان الأقصى هي معركة الشرف، فهي ملهم كل المتحررين من قيد العبودية البشرية، وتسلية لكل التواقين للمجد والعلا، واستلهام لعظمة الشخصية المسلمة المقاومة التي دست بعبقريتها العنفوان الاستكباري للصهاينة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.