منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دخول غير المسلمين إلى المسجد عند المالكية

اشترك في النشرة البريدية

إن دخول غير المسلم للمسجد منهي عنه لصريح الآية التي تنهى عن ذلك، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا[1].

وعلى هذا فإنه يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله مما هو داخل في حدود الحرم.

قال ابن العربي المالكي(ت543هـ) –رحمه الله تعالى- في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[2] .وهذا دليل على أنهم لا يقربون مسجدا سواه لأن العلة –النجاسة– موجودة فيهم والحرمة موجودة في المسجد… وقال في منع المشركين من دخول المسجد الحرام نصاً، ومنع من دخول سائر المساجد تعليلا بالنجاسة، ولوجوب صيانة المسجد عن كل نجس[3].

قال ابن رشد الجد (ت520هـ) -رحمه الله تعالى- “لم ينكر مالك رحمه الله بنيان النصارى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحب أن يحازوا إلى موضع منه وأن يدخلوا مما يليه ولا يخترقوا ما لا عمل لهم فيه وإنما خفف ذلك ووسع فيه وإن كان مذهبه أن يمنعوا من دخول المساجد[4].

قال القاضي عبد الوهاب (ت422هـ) –رحمه الله تعالى- “ولا يجوز للجنب اللبث في المسجد خلافا لداود، لقوله صلى الله عليه وسلم “لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض ولأنه شخص يلزمه الغسل كالكافر[5][6].

وقال الإمام القرافي (ت684هـ) –رحمه الله تعالى- قال مالك لا يدخل المسجد، خلافا للشافعية والحنفية وزاد في الجواهر وإن أذن له مسلم، ومنعه الشافعي في المسجد الحرام، ويشترط بعض الأصحاب في غير المسجد الحرام إذن المسلم في دخوله[7].

وقال ابن جزي(ت741هـ) –رحمه الله تعالى- ” ولا يجوز دخول المشرك المسجد”[8]ـ
وقال الدسوقي(ت1230هـ) –رحمه الله تعالى- وقوله (ولا يمكث فيه) أي ولا يمكث في المسجد للتيمم، قوله (لكافر) تشبيه في منع دخول المسجد (وإن أذن له مسلم) ما لم يدع ضرورة لدخوله كعمارة أي بأن لم يوجد نجار أو بناء غيره، أو وجد مسلم غيره ولكن كان هو أتقن للصنعة، فلو وجد مسلم غيره مماثل له في إتقان الصنعة لكن كانت أجرة المسلم أزيد من أجرة الكافر فإن كانت الزيادة يسيرة لم يكن هذا من الضرورة وإلا كان منها على الظاهر، كذا قرره شيخنا[9].

وعليه فالمالكية لا يجوزون للمشرك دخول المساجد مطلقا، واستدلوا بمجموعة من الأدلة ننقلها من كتاب القول الأحمد في حرمة المسجد[10]، وهي على الشكل التالي:

ابتدأ صاحب الكتاب بنقل دليلهم الأول من قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذا[11].

وجه الدلالة من الآية:

أن الآية عامة في منع المشركين من دخول سائر المساجد، وقد دلت على المنع من دخول المسجد الحرام نصاً، والمنع من دخول المساجد الأخرى تنيهاً على التعليل بالشرك أو النجاسة أو العلتين جميعا. قال تعالى ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ فسماه الله تعالى نجساً فلا يخلو أن يكون نجس العين أو نجس الذات، وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة موجودة فيه وهي النجاسة، والحرمة موجودة في المسجد[12].

وقد يُعترض على هذا الاستدلال لأن الآية خاصة بالمسجد الحرام، ولا تتعداه إلى غيره، فقد نصت عليه فتقصر عليه[13].

وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا[14].

وجه الدلالة من الآية:

أن المسلم السكران وكذلك الجنب يمنعان من قربان الصلاة، والنهي عن قربان الصلاة نهي عن قربان موضعها وهو المسجد فمنع الكافر من باب أولى

وقد يعترض على هذا الاستدلال بأن الآية واردة في شأن الحائض والجنب وليست في شأن الكافر وليس في الآية ما يدل على منع الكافر من دخول المسجد.

وكذلك قوله تعالى ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[15].

وجه الدلالة من الآية:

أن الكافر ليس له أن يدخل المسجد بحال[16].

ويعترض على هذا الاستدلال صاحب “القول الأحمد في أحكام في حرمة المسجد” بأن الآية نزلت في مشركي مكة، وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، وإذا منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يعمره بذكر الله فقد سعوا في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاَّ خائفين، يعني: أهلَه مكة.

ومن السنة:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في شأن الأعرابي الذي بال في المسجد وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا ولا القذر وإنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن[17].

وجه الدلالة من الحديث:

أن الكافر نجس ولا يخلو عن هذه القاذورات التي لا تصلح أن تكون في المسجد، وأيضاً المساجد لذكر الله عز وجل، وإقامة الصلاة، وقراءة القرآن، والكافر لا يفعل شيئاً من ذلك فيمنع من دخول المساجد[18].

ويعترض على هذا الاستدلال صاحب القول الأحمد في أحكام في حرمة المسجد بأن الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه وغاية ما يدل عليه هو وجوب تنظيف المساجد وتطهيرها من الأوساخ والقاذورات ولهذا ذكره الإمام مسلم ـ رحمه الله ـ تحت باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد[19].

ومن المعقول:

ذكر ابن قدامة “أن حدث الحيض والنفاس والجنابة يمنع المقام في المسجد فحدث الشرك أولى”[20].

ولأن الكافر أسوأ من الحائض والجنب فإنه نجس بنص القرآن ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا[21] بخلاف الحائض والجنب فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “المؤمن لا ينجس”[22] ومع هذا لا يجوز لهم دخول المسجد والكافر من باب أولى، وقد انضم إلى حدث جنابته شركه فتغلظ المنع[23].

المزيد من المشاركات
1 من 17

ومن القياس:

قياس سائر المساجد على المسجد الحرام بجامع أنها كلها بيوت الله كبيت الله الحرام فيمنعون من دخولها كما يمنعون من دخول بيت الله الحرام[24].

ويعترض على هذا الاستدلال العقلي بأن هذه الأدلة العقلية لا تقوى على معارضة ومقاومة النصوص الواردة في إباحة الدخول، أما قياس سائر المساجد على المسجد الحرام بجامع أنها كلها بيوت الله فلا شك أن المساجد كلها بيوت الله، لكن المسجد الحرام ليس كغيره من بيوت الله، فله خصائص ومميزات ينفرد بها عن غيره فمن أجل ذلك يمنع الكافر من دخوله[25].

وعليه فدخول الكافر المساجد يمنع مطلقا إلا لضرورة عمل أو نحوه، وعلى هذا ذهب السادة المالكية والمزني من الشافعية والحنابلة، بينما الأحناف يجوزنه مطلقا كما تجوزه الشافعية.


[1]– سورة التوبة، الآية 29.

[2] – سورة التوبة، آية 28.

[3] – تفسير آيات الأحكام: ج 2 ص914.

[4] – البيان والتحصيل: ج1، ص409.

[5] – أخرجه أبو داود: الطهارة 1/58 رقم الحديث 232.

[6]-المعونة على مذهب عالم المدينة: أبو محمد عبدالوهاب بن علي بن نصرالثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)، (ج1، ص51)، المحقق: حميش عبدالحقّ، المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز، مكة المكرمة.

[7] – الذخيرة: أبوالعباس شهاب الدين أحمد بنإدر يسبن عبدالرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ)، المحقق:جزء 1، 8، 13: محمد حجي، (ج1، ص307)، دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة لأولى 1994 م.

[8]– القوانين الفقهية: أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي (المتوفى: 741هـ) ، (ج1، ص74)، بدون طبعة وتاريخ.

[9] – حاشية الدسوقي على الشرح الكبير(ج1، ص223).

[10] – القول الأحمد في أحكام في حرمة المسجد: عبد الله بن معتق السهلي،(ج1، ص404)، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، الطبعة السنة السادسة والثلاثون, العدد 125 – 1424هـ/2004م.

[11]– سورة التوبة، الآية 28.

[12]– الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، (ج8، ص105).

[13]– تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، المحقق سامي بن محمد سلامة، (ج4، ص83).

[14]– سورة النساء، الآية 43.

[15] – سورة البقرة، الآية 114.

[16] – الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي: ج2، ص78.

[17] – صحيح البخاري: كتاب الوضوء، باب يهرق الماء على البول، ج1، ص62.

[18] – الجامع لأحكام القرآن: ج8، ص104.

[19] – صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد ج1، ص237.

[20] – المغني لابن قدامة: ج13، ص247.

[21] – سورة التوبة، الآية 28.

[22] – صحيح البخاري: في كتاب الغسل، باب عرق الجنب وأن المؤمن لاينجس ج1، ص75.

[23] – مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: مصطفى بن سعد بن عبده السيوطي شهرة، الرحيبانى مولدا ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفى: 1243هـ)، (ج2، ص617)، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1415هـ – 1994م.

[24] – المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين: القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بـ ابن الفراء (المتوفى: 458هـ)المحقق: عبد الكريم بن محمد اللاحم،(ج2، ص386)، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى 1405هـ – 1985م.

[25] – أحكام أهل الذمة: لابن القيم، ج1، ص188.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.