منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معيقات الحرية في المشروع الحضاري عند مالك بن نبي: القابلية للاستعمار (4)

اشترك في النشرة البريدية

 

من المشكلات التي تعيق تحقيق الحرية والنهضة في المشروع الحضاري عند مالك بن نبي القابلية للاستعمار. فالمشكلات الداخلية والخارجية أثرت على النهوض الحضاري للعالم الإسلامي، لكن الصحوة تقاوم وتتصدى للاستعمار الفكري والمادي، فهناك قفزة في المجتمعات الإسلامية من أجل التغيير والنهوض الحضاري واستكمال مشوار الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

يقول مالك بن نبي: ” إن الاستعمار لا يتصرف في طاقتنا الاجتماعية إلا أنه درس أوضاعنا النفسية دراسة عميقة، وأدرك منها مواطن الضعف، فسخرنا لما يريد.. والحث أننا لم ندرس بعد الاستعمار دراسة علمية كما درسنا هو، حتى أصبح يتصرف في بعض مواقفنا الوطنية، وحتى الدينية، من حيث نشعر أو لا نشعر”.[1]

إن المجتمع الإسلامي عاجز عن تحقيق نهضته مادام أفراده يتصفون بنوع من السلبية واللامبالاة اتجاه مشكلات الواقع الذي خطط له الاستعمار وفرضه عليهم، وحالة الرضا بالواقع المتدهور والأليم دون بذل الجهد لتغيره وهو ما يسمه بالقابلية للاستعمار.[2]

ضياع الحرية وقابلية المجتمع الإسلامي للاستعمار هو الذي أعاق الأمة عن النهوض الحضاري. وهو ما أدى بها إلى الانحطاط والتخلف في ميادين الحياة المختلفة.

المزيد من المشاركات
1 من 54

يقول مالك بن نبي:” ومن هنا تبدأ قضية الاستعمار تهمنا حيث انه يفرض على حياة الفرد عاملا سلبيا نسميه بالمصطلح الرياضي ( المعامل ) الاستعماري Coeflicient ، ولذلك المعامل تاريخه في سياسة الاستعمار”.[3]

إن أكبر التحديات والعقبات التي تقف أمام حرية الشعوب وتحقيق النهضة هي الاستعمار الداخلي والخارجي. يقول مالك بن نبي: ” لقد تدخل الاستعمار في كل شيء، حتى لا يترك فرصة لأي بعث إسلامي، وهو يتظاهر بأنه يحضر الشعوب المستعمرة، بينما نجد الواقع أنه أفقر المستعمرات بنهب أموالها واستغلال خيراتها”.[4]

فهدف الاستعمار هو نهب الثروات وخيرات البلدان المستعمرة، وفرض الاستعباد والهيمنة على الشعوب المقهورة، وطمس الهوية، وفرض الفساد والاستبداد في مناحي الحياة المختلفة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والدينية.

إن الاستعمار يمثل الوجه البشع في تاريخ الإنسانية، وهو أكبر عملية تدمير منظمة تعرض لها العالم الإسلامي، ولا زالت آثاره عميقة في المجتمعات الإسلامية، ومثل أكبر إنعطافة تدميرية في تاريخ الأمة الإسلامية الحديثة.[5]

 

يقول مالك بن نبي:” والاستعمار يعتبر من الوجهة التاريخية نكسة في التاريخ الإنساني، لأننا إِذا بحثنا عنه فسنجد أصوله تعود إلى روما، حيث وضعت المدنية الرومانية طابعها الاستعماري في سجل التاريخ، وقد أعقبهما العهد الاسلامي الذي كان في الواقع تجربة من نوع جديد في تاريخ علاقات الشعوب، فنحن لا نرى الحكم الاسلامي قد استعمر بما في هذه الكلمة من معنى مادي منحط، بل كان فتحه للبلاد كجنوب فرنسا وإسبانيا وأفريقيا الشمالية، لا لاستغلالها، ولكن لضمها للحضارة الإسلامية في الشام أو العراق. وليس لأحد أن ينكر هذه الحقيقة محتجا بأن انعدام التفرقة السياسية إنما يعود إِلى أن شعوبه كانت متوحدة في الدين، فإن الواقع التاريخي يشهد، وأقباط مصر ويهودها يشهدون، بأن الإسلام لم يكن يعم البلاد كدين، بل كحضارة”.[6]

والحل في تجاوز هذه المعيقات الداخلية حسب تصور مالك بن نبي هو “بناء جبهة وطنية “[7] والالتفاف على مشروع مجتمعي وطني ومنح الحرية للشعب في اختيار من يحكمه ومن يدافع على مصالحه، أو بمعنى آخر تعزيز الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.

 

 

 مالك بن نبي، شروط النهضة، مصدر سابق، ص: 155[1]

 محمد عاطف، معوقات النهضة ومقوماتها في فكر مالك بن نبي، ط 1 ، دار قرطبة 2009 ، ص: 53 – 54[2]

 مالك بن نبي، شروط النهضة، ص: 146[3]

 نقلا عن: محمد العبدة، مالك بن نبي مفكر اجتماعي ورائد اصلاحي، ص: 91 [4]

 محمد عاطف، معوقات النهضة وطرق علاجها في فكر مالك بن نبي، ص: 16[5]

 مالك بن نبي، شروط النهضة، مصدر سايق، ص: 148[6]

 أنظر: مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، دار الفكر دمشق، 1981م، ص:21 وما بعدها[7]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.