منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شرط استحقاق نصر الله

الدكتور عبد المجيد الخطيب

0

شرط استحقاق نصر الله

بقلم: الدكتور عبد المجيد الخطيب

ينزل الله نصره الباهر الخارق على عباده المؤمنين المتوكلين عليه وهم يواجهون أعداء قد يكونون أكثر منهم عدة وكثرة. وقد ذكر لنا القرآن الكريم ذلك في مواطن عدة، كغزوة بدر والخندق وغيرها. ونقرأ في السيرة النبوية الأحداث والوقائع التفصيلية لهذا النصر الذي يظل خالدا يتلى في كتاب الله العزيز نأخذ منه الدرس والعبرة في كل الأزمان، وإن تغيرت المعطيات والظروف، فتبقى سنة الله خالدة لا تقبل التغيير.

وفي زماننا اليوم الذي تعيش فيه الأمة الإسلامية فترة عصيبة حين تحالفت ضدها جهرا وسرا كل قوى العالم لمنعها من استرجاع عزتها وكرامتها. في ظل هذا الواقع الذي قد يصيب كثيرا منا بالإحباط واليأس وفقدان الأمل؛ تتطلع وتشرئب قلوب المؤمنين الموقنين في وعد الله إلى نصر منه سبحانه يفرح به المؤمنون، ويزيل عنهم كروب الذل والهوان وغيرها من المآسي والمعاناة.

ومن كتابه سبحانه وتعالى، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نستنبط الشروط التي ينبغي توافرها لنستحق نزول نصر الله المنتظر. ومن أهم هذه الشروط الذي يغفل عنه كثير من الناس هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى والتعلق به واليقين في وعده. فهذا شرط وجوب، وبدونه لن يتحقق النصر الإلهي الذي يضمن للناس الاستخلاف في الأرض عمارة مبنية على العدل بين الناس، وتوفيرا لكل شروط العيش الكريم التي تدفع الناس دفعا لعبادته شكرا وطمعا فيما أعده الله لعباده المؤمنين يوم لقائه.

وصف الله الفئة التي تستحق نصره بالإيمان واليقين فيه، وكتب على نفسه سبحانه نصرهم وجعله حقا عليه. قال تعالى: “وَكانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين”[1]. فمتى توافرت جماعة المؤمنين المتصفين بأعلى درجات الإيمان، والمتطلعين إلى مقامات الإحسان، الذين أيقنوا حق اليقين بأن الله هو المتصرف في ملكه، ” وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ[2]“، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده ملك السماوات والأرض؛ إلا ونصر الله حليفهم، وسينزله عليهم، متى شاء، وكيف شاء، وأين يشاء سبحانه. هؤلاء المؤمنون بالله الباذلون للجهد والوسع يكونون قد استقر في قلوبهم يقينا: ” وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ[3]“.

هؤلاء المؤمنون يطرقون أبواب الله يستمطرون رحمته وفضله ونصره بالدعاء والتوجه إليه بعد استفراغ الوسع والجهد. فالدعاء تجل للتعلق بالله والارتباط به والاعتماد عليه. روى مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله – صلى الله عليه وسلم – القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: “اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض” فما زال يهتف بربه ماداً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك)[4].

وقبل نزول نصر الله على عباده المؤمنين، يبتليهم الله ويمحصهم ليختبر صدق إيمانهم. ولا ينجح في الاختبار منهم إلا الصادقون المخلصون الذين فرغت قلوبهم من كل شيء سواه سبحانه وتعالى. في قصة طالوت وجالوت عبرة لنا، ننظر إليها ونتدبر كيف اجتاز أصحاب طالوت ثلاثة اختبارات محصت الصف قبل أن ينصرهم الله تعالى. امتحنهم الله باختياره لطالوت ملكا لهم يقاتلون وراءه، فرفضت طائفة منهم هذا الاختيار تكبرا واعتزازا بأنفسهم وأنسابهم وأموالهم. ثم امتحن الفئة التي بقيت معه بعدم شربهم من الماء إلا بالمقدار الذي حدده الله لهم، “ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ”[5].

وهذه الفئة القليلة التي نجحت في الاختبارين، والتي وصفها الله بالإيمان، لن يثبت منها إلا القليل، الذين آمنوا بالله حق الإيمان به وبلقائه، وتبثهم الله تثبيتا من عنده، ولجأوا إليها تضرعا ودعاء؛ بعد أن خاف وتراجع الكثير منهم انهزاما نفسيا حين نظروا إلى ما جاء به جالوت من قوة وعتاد، قال تعالى: “فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين. فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ[6]

وتظل غزوة حنين درسا لنا نتعلم منها أن الاعتماد على القوة والعتاد والكثرة والإعجاب بذلك يكون سببا مباشرا في الهزيمة كما حدث في بداية المعركة. ولم ينزل الله نصره على عباده المؤمنين إلا بعد أن راجعوا نفوسهم، وصححوا نياتهم وقصدهم، واستغفروا الله وتوكلوا عليه. قال تعالى: ” وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا “.[7]

ونصر الله ينزله سبحانه وتعالى على الشكل وبالقدر الذي يريد سبحانه وفي الزمان المقدر عنده. استغاث النبي الكريم والمؤمنون معه ربهم في غزوة بدر فأمدهم بملائكة من عنده، وأغشاهم نعاسا راحة وأمانا لهم، وأنزل عليهم ماء طهرهم به. قال تعالى: ” إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.  إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ[8]. أما غزوة الأحزاب فقد كانت امتحانا وابتلاء عظيما، فيها ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، بلغت فيها القلوب الحناجر، وأخرج المنافقون ما انطوت عليه أسرارهم من أقوال كل شك وتشكيك في وعد الله بنصره للمؤمنين. في هذه المعركة كان نصر الله في شكل مخالف لما حدث في غزوة بدر، فقد أرسل الله ريحا شتت شمل الأحزاب الذين حاصروا المؤمنين، ” وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [9]“.

فالمؤمنون يسألون الله النصر، وينتظرون منه الفرج في الشدة، ويسلموا أمرهم إليه. وهو سبحانه ينزل نصره بما نعلم وبما لا نعلم. ونصر الله له نسخ وأشكال لا يعلمها إلا هو. فقد كان صلح الحديبية تأسيسا لنصر عظيم للإسلام والمسلمين، عجزت عقول كبار الصحابة عن استيعابه في حينه، واعتبروه هزيمة وكادوا أن يعصوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن تداركهم الله بلطفه وحفظه.

الأمة الإسلامية موعودة بنصر من الله، ولن يخلف الله وعده. وقضاء الله وقدره له أجل مكتوب، والله تعالى يداول الأيام بين الناس ابتلاء لهم واختبارا منه سبحانه. والله غالب على أمره.


[1] سورة الروم، الآية 17.

[2] سورة الانعام، الآية 18.

[3] سورة الأنفال، الآية 10.

[4] ص731 برقم (1763)، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزة بدر وإباحة الغنائم.

[5] سورة البقة، الآية 249.

[6] سورة البقرة، الآية 249، 250

[7] سورة التوبة، الآية 25 و26.

[8] سورة الأنفال، 9 و10.

[9] سورة الأنفال، الآية 25.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.