منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

موقف الفيلسوف الجابري من الحجاب، في ميزان العقل والسنة والكتاب.

اشترك في النشرة البريدية

الاجتهادُ في الدينِ، بابُه مفتوحٌ إلى يوم الدّين؛ والتّجديدُ فيه رغّبَ فيه النبيُّ الأمين؛ ولكنْ بابُ الاجتهادِ مفتوحٌ لمن توفّرَتْ فيه شروطُه، ومَنِ ادّعى لنفسِه الاجتهاد، فمن حقّنا التّحقُّقُ مِن أهليته، وامتحانُ قُدراته.

الدكتور محمد عابد الجابري (27 ديسمبر، 1936 – 3 مايو، 2010)، فيلسوف ومفكّر مغربي، اهتمّ بالفكر العربي الإسلامي، له ما يقرب من 30 كتاباً تدور حول قضايا الفكر المعاصر، ولقد زلّ قلمه في كثيرٍ من مؤلفاته، وردّ عليه الدكتور محمد عمارة في كتاب له بعنوان (ردّ افتراءات الجابري على القرآن الكريم).

وصدر للجابري كُتَيِّبٌ حول الحجاب بعنوان (الحجاب: قولٌ فيه مُختلف)، ضِمن سلسلة كُتُب صغيرة شهرية من ملفات الذاكرة؛ تحت عنوان (مواقف: إضاءات وشهادات)؛ وصدرت الطبعة الأولى في ماي 2004، طبع دار النشر المغربية إيدما. في هذا الكُتيِّب، حاول الجابري أنْ يأتيَ بأدلّةٍ للوصول إلى عدم وجوب ارتداء الحجاب على المرأة المسلمة.

وفي هذا البحث، محاولةٌ لمناقشة بعض هاته الأدلة، والرّد عليها بالاستناد إلى النَّقْل(القرآن والسنة) والعقلِ(التفكير المنطقي).

 

قال في الصفحة 14: “الحجاب كان جزءا من “معهود العرب” قبل الإسلام، أي من عاداتهم الاجتماعية، والقرآن نزل يخاطبهم بلغتهم وفي إطار معهودهم ذلك، من أجل أن يتمكنوا من فهمه والعمل…”  إنّ المعهودَ عند العرب كان هو التبرّج، وذلك بِنَصِّ القرآن الكريم؛ قال تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)، [سورة الأحزاب: جزء من الآية 33].

المزيد من المشاركات
1 من 54

قال العلاّمةُ الطاهر بن عاشور (1393 ھ) في تفسيره «التحرير والتنوير»: “﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ التَّبَرُّجُ: إظْهارُ المَرْأةِ مَحاسِنَ ذاتِها وثِيابِها وحُلِيِّها بِمَرْأى الرِّجالِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ في سُورَةِ النُّورِ.

وانْتَصَبَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ وهو في مَعْنى الوَصْفِ الكاشِفِ أُرِيدَ بِهِ التَّنْفِيرُ مِنَ التَّبَرُّجِ. والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ الدَّوامُ عَلى الِانْكِفافِ عَنِ التَّبَرُّجِ وأنَّهُنَّ مَنهِيّاتٌ عَنْهُ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِنَهْيِ غَيْرِهِنَّ مِنَ المُسْلِماتِ عَنِ التَّبَرُّجِ فَإنَّ المَدِينَةَ أيّامَئِذٍ قَدْ بَقِيَ فِيها نِساءُ المُنافِقِينَ ورُبَّما كُنَّ عَلى بَقِيَّةٍ مِن سِيرَتِهِنَّ في الجاهِلِيَّةِ فَأُرِيدَ النِّداءُ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ في سِيرَةِ المُسْلِماتِ، ويَظْهَرُ أنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ مَنهِيّاتٌ عَنِ التَّبَرُّجِ مُطْلَقًا حَتّى في الأحْوالِ الَّتِي رُخِّصَ لِلنِّساءِ التَّبَرُّجُ فِيها (في سُورَةِ النُّورِ) في بُيُوتِهِنَّ لِأنَّ تَرْكَ التَّبَرُّجِ كَمالٌ وتَنَزُّهٌ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالسَّفاسِفِ. فَنُسِبَ إلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ إذْ كانَ قَدْ تَقَرَّرَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ تَحْقِيرُ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ إلّا ما أقَرَّهُ الإسْلامُ.

والجاهِلِيَّةُ: المُدَّةُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها العَرَبُ قَبْلَ الإسْلامِ، وتَأْنِيثُها لِتَأْوِيلِها بِالمُدَّةِ. والجاهِلِيَّةُ نِسْبَةٌ إلى الجاهِلِ لِأنَّ النّاسَ الَّذِينَ عاشُوا فِيها كانُوا جاهِلِينَ بِاللَّهِ وبِالشَّرائِعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: 154] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ووَصْفُها بِالأُولى وصْفٌ كاشِفٌ لِأنَّها أُولى قَبْلَ الإسْلامِ وجاءَ الإسْلامُ بَعْدَها.”

 

فالمرأة في الجاهلية لم تكن تحتجب الحجاب الذي يريده الشرع، ولذلك نزل قوله الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) [الأحزاب: 59]. وعن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول: “لما نزلت هذه الآية (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)، أخذن -أي: نساء الأنصار- أُزُرَهن (نوع من الثياب) فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها” [رواه البخاري].

 

قال الجابري في الصفحة 16: “وفَرْضُ الحجابِ على بنات القبيلة، وفَرْضُ السفورِ على الإماء، لم يكن هدفُه في نهاية التحليل غيرَ الحفاظ على صفاء ومناعة وقوة القبيلة/الهوية.”

وقال في الصفحة 23: “فالمرأة تخرج لوحدها ولا حاجة لها إلى ما تتميّز به لتُعرفَ كامرأة حُرّة تستوجبُ احترام الرجال والشباب.”

إذا كان الغرضُ من الحجاب هو الحفاظ على مناعة القبيلة، فلِماذا حرّم الله على المرأة إظهار الزينة أمام ابن العمّ وابن الخال وغيرهم من الأجانب من قبيلتها، واستثنى بعض الرجال فقط، كالأب والابن والأخ؟

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور/31].

ولقد وردتْ أحاديثُ صحيحةٌ، تحذِّر النساء من التبرجَ في آخر الزمان، ولم تُحدّد صفتهنّ (أي: هل هنّ من الحرائر أو من الإماء). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : “صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا” [رواه مسلم] .

 

قال الجابري في الصفحة 23: “ومن جهة ثالثة تخرج المرأة اليوم للعمل أو للمدرسة ولا يؤذيها أحد. وربما يصح القول إنّ السفور هو الذي يحمي المرأة اليوم من نفسها ومن الرجال، وليس الحجاب.”!

أوّلاً: إنّ انحراف بعضِ المحجبات ليس دليلاً على عدم وجوب الحجاب، وعدم انحراف غير المحجبات ليس دليلا على مشروعية السفور.

ثانيا: الواقع يكذب هذا.

ثالثا: الأمانة العلمية تقتضي أن يعتمد الكاتب على إحصاءٍ، قامت به هيئةٌ محايدةٌ، تُثْبِت أن نسبة الانحراف في صفوف المحجبات، أكبر من نسبة الانحراف في صفوف غير المحجبات؛ وأن نسبة الرجال المنحرفين الذين يتحرّشون بالنساء المحجبات أكبر من نسبة الرجال الذين يتحرّشون بالنساء غير المحجبات.

قال الجابري في الصفحة 24: “وما من شكّ في أنّ المرأة تُحسِنُ عملها بصورة أكثر وأتقن، إذا هي تحرّرت ممّا يَحُولُ دونها ودون ذلك.”!

أوّلاً: هذا الكلام يحتاجُ إلى أدلة، وإلى إحصاء نزيه يُثبت ذلك.

ثانيا: توجدُ كثير من الفتيات والنساء المتفوّقات في الدراسة والطب والهندسة وغيرها من الميادين والصناعات، رُغْم التزامهن باللباس الشرعي.

ثالثا: لم يقل أحدٌ بهذا الكلام عن النساء اللواتي يعِشن في بعض البلدان، التي يكثر فيها البرد الشديد، كروسيا وكندا، حيث تضطرّ النساء لتغطية الرأس وإبداء العينين فقط!

 

قال الجابري في نفس الصفحة السابقة: “والعدل في الموضوع الذي نحن بصدده، يقتضي التّسويةُ بين الرجل والمرأة في الغض من البصر.”

أوّلاً: هناك فرق بين العدل والمساواة في الشريعة الإسلامية، قال الشَّيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: “أخطأ على الإسلام مَنْ قال: إنَّ دينَ الإسلام دينُ المساواة! بل دينُ الإسلام دينُ العدل، وهو الجَمْع بين المتساويين، والتَّفريق بين المفتَرِقَين … ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبداً، إنَّما يأمر بالعدل.” [شرح العقيدة الواسطية، (1/ 229-230)].

 

والعَدْل لغة: مَا قَامَ فِي النُّفُوسِ أَنه مُسْتقيم، وَهُوَ ضِدُّ الجَوْر. عَدَل الحاكِمُ فِي الْحُكْمِ يَعْدِلُ عَدْلًا … وَفِي أَسماء الله سبحانه: العَدْل، هو الَّذِي لَا يَمِيلُ بِهِ الْهَوَى فيَجورَ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ فِي الأَصل مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ فوُضِعَ مَوْضِعَ العادِلِ … والعَدْلُ: الحُكْم بِالْحَقِّ، يُقَالُ: هُوَ يَقْضي بِالْحَقِّ ويَعْدِلُ. [لسان العرب، ابن منظور].

والعدل في الشريعة هو -كما قال الجرجاني-: “عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينًا.” [«التعريفات» للجرجاني، ص 147].

وقيل هو: “استعمال الأمور في مواضعها، وأوقاتها، ووجوهها، ومقاديرها، من غير سرف، ولا تقصير، ولا تقديم، ولا تأخير” [«تهذيب الأخلاق» المنسوب للجاحظ، ص 28].

 

ثانيا: مِن ميزاتِ الشريعة الربانية العدلُ، وجميعُ أحكامها مبنيةٌ على العدل، ولا يحق لأحدٍ أن يُبدّل شرع الله باسم العدل كما يراه هو؛ ولقد اعترض رجلٌ على قسمة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بعض الناس، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقَالَ: (فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟).

إنّ المساواةَ قد تكون عدْلاً، وقد تكون ظُلما: فالمساواةُ بين الأولاد في العطاء عدل، ويجوز عدم التسوية بينهم في بعض الأحيان ولا يُعدُّ ظلماً، قال ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه «المغني» (8/258): “فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ لِمَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ، مِثْلَ اخْتِصَاصِهِ بِحَاجَةٍ، أَوْ زَمَانَةٍ، أَوْ عَمَى، أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَةٍ، أَوْ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ ، أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ، أَوْ صَرَفَ عَطِيَّتَهُ عَنْ بَعْضِ وَلَدِهِ لِفِسْقِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ يَسْتَعِينُ بِمَا يَأْخُذُهُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، أَوْ يُنْفِقُهُ فِيهَا: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.”

والمساواة بين الطلبة داخل الفصل في التعامل عدل، والمساواة بين الموظفين في نفس الرتبة في الأجور عدل؛ وأمّا التسوية في الميراث بين الذكر والأنثى في جميع الحالات، فهو ظلمٌ؛ لأنّه مخالفٌ لِقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11] وهو نصٌّ محكمٌ غيرُ قابلٍ للاجتهاد؛ لقولِه تعالى في نفس الآية: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: 11]، “والفريضة تعني الوجوب واللزوم الذي لا يبقى معه مجال لاجتهاد الرأي؛ لاَ لأنّ القسمة الشرعية تخالف الرأي والعدل، بل لأنها هي التي حققت العدل الذي لا يتجاوزه إلا الحيف والهوى.” [انظر https://www.aliftaa.jo/Decision.aspx?DecisionId=601#.XurtnFPzMew

 

ثالثا: لا يشكّ عاقلٌ أنّ جسد المرأة يختلف عنْ جسدِ الرجل، والله أعلم بنزعات عباده؛ فحدّد للمرأة شروطا في لباسها، وحدّد للرجل -أيضا- شروطا في لباسه. ولا ندري لماذا لا يلبس الرجال -الذين يطالبون بالتسوية في اللباس بين الجنسين- تنورة قصيرة ويُعَرُّون سيقانهم مثل المرأة؟ فهل التسوية بين الجنسين لا تتحقق إلاّ بتقليد النساء للرجال؟

رابعا: نعم، إن الغضّ من البصر، أمْرٌ موجّه للنساء كما هو موجه للرجال، ولكن التسوية في التوجيه ليست حجّة في التسوية في اللباس. وإلاّ فلم حرّم الإسلام تشبُّهَ الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال؟

فلقد روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ) [رواه أبو داود(4098) وصححه الألباني].

قال الإمام النووي: “مِنْ يَتَكَلَّفُ أَخْلَاقَ النِّسَاءِ وَحَرَكَاتِهِنَّ وَسَكَنَاتِهِنَّ وَكَلَامِهِنَّ وَزِيِّهِنَّ، فَهَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَعْنُهُ .” [نقلا من “مرقاة المفاتيح”]. وفي البخاري: (لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ).

قال الإمام القاري: “(الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ) فِي الزِّيِّ وَاللِّبَاسِ وَالْخِضَابِ وَالصَّوْتِ وَالصُّورَةِ وَالتَّكَلُّمِ وَسَائِرِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ مِنْ خَنِثَ يَخْنَثُ، إِذَا لَانَ وَتَكَسَّرَ، فَهَذَا الْفِعْلُ مَنْهِيٌّ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ.”

ولقد جاء في الذّكر الحكيم، قوله تعالى: (لَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماًً) [النساء: 32].

قال أبو زهرة في تفسيره «زهرة التفاسير»: “ومعنى النص الكريم: لا تتمنوا ولا تطمعوا وتتطلعوا إلى ما زاد الله به بعضكم على بعض في المال أو الجاه أو العمل أو الجهاد، فإن ذلك يجعلكم في اضطراب وبلبال مستمر وقلق دائم يزعجكم ويزعج المجتمع بكم، وما كانت الانقلابات الاجتماعية والفتن المخربة إلا بسبب تطلع كل إنسان لما أعطاه الله غيره من فضل ليس عنده.”

وقال عند تفسيره لقوله تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ): “إن للرجال حظا مما اكتسبوا من أعمال قاموا بها من جهاد في سبيله، وإدارة لشئون المسلمين، وفصل في الخصومات، وقيام بالتكليفات العامة، وللرجال حظ من الأموال بمقدار ما يكلفون من أعمال اجتماعية، وللنساء نصيب وأجر مما اكتسبن، فلهن جزاء على آلام الحمل وآلام الوضع، وآلام التربية والسهر على الطفل والرعاية لشئونه، والصبر على هذه الرعاية، ولهن الجزاء الأوفى على القيام على مملكة البيت التي هي راعيتها، ولهن من المال في الميراث بمقدار ما يكلفن من تكليفات اجتماعية، فليرض كل من الرجال والنساء بحظهم الذي يتفق مع تكوينهم وكل له جزاؤه في الواجبات العامة لكلا الصنفين، والواجبات الخاصة بأحدهما، ولا يتمن أحد ما ليس له.” اھ.

ألا، يكفي المرأة تكريما وشرفا أنها هي التي تلد الرجال، وتربيهم.

 

قال الجابري في الصفحة 25: “والجواب أن الأمر الشرعي في مسألة الحجاب، لا ينصّ على وعيد ولا عقاب.”

المعروف عند الأصوليين أنّ الأمر يقتضي الوجوب -إلاّ إذا صرفه صارف- سواء صاحَبَه وعيدٌ أم لا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلقد جاء الوعيد في الأحاديث السابقة فيمن تشبّهت بالرجال، وفي الكاسيات العاريات. ولقد جاء الوعيد فيمن يخالف أمر الله بصفة عامّة، في قوله تعالى: (فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [النور: 63].

قال القرطبي في تفسيره: “قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب. ووَجْهُها أنّ الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره، وتوعّد بالعقاب عليها بقوله: (أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) فتُحْرم مخالفته ، فيجب امتثال أمره.”

لقد ادّعى الدكتور الفيلسوف الجابري الاجتهادَ في الدينِ، وحاول أن يُجدّد فيه بإنكاره لفرضية الحجاب؛ ولكن هل توفّرَتْ فيه شروطُ الاجتهاد؟

نترك للقارئ الذي له إلمامٌ بسيط ببعض العلوم الشرعية، ولم يشرب الثقافة العلمانية، أنْ يتولى الحكم بنفسه؛ وإذا أراد أن يطمئن إلى حكمه، فيكفيه أن يرجع إلى الدكتور محمد عمارة ويطّلع على كتابه «ردّ افتراءات الجابري على القرآن الكريم»!

 

انتهى البحثُ بفضلِ اللّهِ ونعمته، والحمدُ لِلّهِ ربِّ العالمين.

 

 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.