منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

دولة الإنسان (1) : مبدأ العقد الاجتماعي

0

مقدمة:

دولة الإنسان، دولة يكون الإنسان محور اهتمامها وغاية وجودها ، وتكون حقوقه المتعددة مادية كانت أو معنوية سبب وجودها، فهل هذه الدولة ممكنة؟
يعتبر البعض أن قمة حرية الإنسان وكمال كرامته تحققت للإنسان الغربي في دول مدنية قطعت مع عهد تدخل “الدين” في الحياة العامة، ووضعته في هامش الحرية الفردية طقوسا خاصة؛ يتأسس على هذا، القول بضرورة تحييد الدين في كل بناء حضاري، وأنه السبيل الوحيد لإيجاد دولة الحريات، أي دولة الإنسان.

وبعيدا عن مناقشة هذا الربط بين دولة الإنسان وبين الحريات التي تسحب عليها صفة “الكونية” لإضفاء نوع من الهالة والقداسة وإلباسها لباس الإجماع، نناقش في سلسلة مقالات “دولة الإنسان” موقعَ الإنسان في دولة “الإسلام” في ظل شريعة حية فاعلة في حياة الناس، تنظم كل المجالات؟ لنخلص إلى مدى صوابية القول بأنَّ دولة الإسلام دولة “إنسان”؟

مجال النظر هو تاريخ دولة الإسلام الأولى، ونقصد بها دولة مرحلة النبوة ومرحلة الخلافة الراشدة، لأنها الشاهد التاريخي والمثال العملي لمبادئ الإسلام السياسي المنزلةِ صافيةً لا تزال لم تتلوث بسوء التأويل وكوارث التبديل التي لحقت بمبادئ الفقه السياسي الإسلامي بعد هاتين المرحلتين، فهي المعيار حين الحكم على الإسلام ومدى “إنسانية” شريعته، لا ما نتج في تاريخ المسلمين بعد سلسلة انكسارات ونقض.

ما هي هذه المبادئ ؟ وما دليل العمل بها في دولة الإسلام؟ وإلى أي مدى كانت خادمة للإنسان، ليجوز القول عن دولة الإسلام أنها دولة إنسان ؟؟

المزيد من المشاركات
1 من 69

المبدأ الأول: العقد الاجتماعي

نظرية جون جاك روسو حول “العقد الاجتماعي”  تصف الحالة التي يكون فيها للجماعات البشرية سلطة عليا أو قيادة أو حاكم أو أي شكل من أشكال ممارسة السياسة أو السلطة، وقد انطلق الحديث فيها من سؤال طرحه طوماس هوبز : لماذا يجب علينا أن نخضع للسلطة ؟ وهي الأساس الفلسفي الذي يُستحضر عند الحديث على أم الحقوق السياسية المدنية.

إن استقراء بعض قواعد الحكم في الإسلام، يجعلنا نجزم أنها قواعد متميزة يمكن إدراجها تحت مبدأ العقد الاجتماعي، من هذه القواعد الرئيسة، أن للأمة الحرية المطلقة في اختيار من يحكمها، وأن هذا الاختيار يكون في إطار عقد واضح.

1ـ الحرية في اختيار الحاكم :

سال مداد كثير ـ ودمٌ ـ في مسألة الإمامة في الإسلام، يستدل بعض من رمى الإسلام بغياب نظام حكم سياسي، وانضباطه لقواعد الديموقراطية، بحادثة السقيفة وتولية أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حيث يعتبرون هذه التولية “سطوا” على الحكم بغير حق، وقد ناقش علماء المسلمين ـ يوم كان لهم رأي في السياسة ـ هذه المسألة بإزاء مقاصد الشريعة وأحكامها وضوابطها، واعتبروا أن هذه التولية لم تكن لتُعتبرَ لو لم تتم له البيعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله “… ولو قُدِّر أن عمر وطائفةٌ معه بايعوه -يعني أبا بكر الصديق- وامتنع الصحابةُ عن البيعة لم يصِر بذلك إماما، وإنما صار أبو بكر إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القُدرة والشوكة” ، وقال أيضا “وكذلك عمرُ لمَّا عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لَمَّا بايعوه وأطاعوه ولو قُدِّر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما” [1]

لقد كان واضحا في الفقه السياسي المُنزَّل، أن للأمة الحقُّ الكامل في اختيار من يحكمها، وأن هذا الاختيار لا يكون بقرابة دم أو عهد، بل هو صفقة بيعة ورضى تام، “ولا خلاف بين الصحابة في أنه لا بد لصحة البيعة من رضا الأمة واختيارها دون إكراه أو إجبار ولهذا قال أبو بكر للصحابة: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي  ـ أي أنه استشار كثيرا- ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، قالوا سمعنا وأطعنا… وفي رواية فأقروا بذلك جميعا ورضوا به وبايعوه” [2] ولوضوح هذا المبدأ وكونه من بديهيات التربية  السياسية الإسلامية أفتى مالك رحمه الله تعالى فتواه بأنه لا بيعة لمكره، عندما خرج محمد بن عبد الله بن الحسين ذو النفس الزكية سنة 145 هـ على أبي جعفر المنصور العباسي، وكان قد خرج بالمدينة، فاستفتى أهلُها مالك بن أنس في الخروج معه مع أنهم سبق لهم أن بايعوا أبا جعفر المنصور، فقال مالك: “إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته” [3]

2ـ عقد البيعة بين الإمام والأمة :

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

إن من شروط العقود في نظرية العقد في الإسلام، رضى المتعاقدين، وهو شرط لازم للإيفاء، وإذا كان هذا شرطا في عقود البيع والشراء، فمن باب أولى أن يكون شرطا مؤكدا في عقد الحكم، وهو أشبه بعقد وكالة تكون الأمة فيه طرفا أصيلا، ويكون الحاكمُ بموجب العقد “هو الوكيل عنها في إدارة شئونها، فالحكم والسلطة ليسا بالتفويض الإلهي وليسا بالحق الموروث، بل بعقد البيعة بين الأمة والإمام، وبهذا سبق الإسلام الغرب في تحديد الأساس الفلسفي الذي يتم بموجبه ممارسة السلطة لصلاحياتها وفق نظرية العقد الاجتماعي” [4]

ويَدلُّ على وضوح هذا المبدأ منذ بداية تشكل الدولة الإسلامية ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد بيعة العقبة الأولى والثانية، فقد بايع المسلمون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفق عقد يحدد وظائف كل طرف، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع وفود القبائل والمدن التي تدخل الإسلام طوعا ليؤكد أن العلاقة قائمة على أساس الاتفاق بين الطرفين، كما فعل مع وفد كنانة ووفد عامر بن صعصعة ووفد عقيل بن كعب ووفد مزينة… مبدأ سار عليه الخلفاء الراشدون فكان العقد يوجب على الأمة السمع والطاعة، ويوجب على الحاكم السير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تطبيقا لأمر الله تعالى، دستور المسلمين.

خاتمة

لقد استقر في سلوك الصحابة والتابعين وفكرهم ، هذا المبدأ السياسي المهم، فكانوا لا يرون الحاكم إلا أجيرا لدى الرعية، دخل أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ على مُعاوية بن أبي سفيان فقال: “السَّلَام عليك أيها الأجير فقالوا قل السلام عَلَيْك أيها الأَمِير ـ ولكل حاكم سدنته، وقد كان اعتراضهم هذا من ثمار الانكسار الذي أسسه معاوية ـ فقال السَّلَام عليك أَيها الأَجير فقالوا قل الأمير، فقال السَّلَام عليك أَيها الأَجير، فَقَالَ مُعَاوِيَة دعوا أَبَا مُسلم فَإِنَّهُ أعلم بِمَا يَقُول، فَقَالَ إِنَّمَا أَنْت أجِير أستأجرك رب هَذِه الْغنم لرعايتها فَإِن أَنْت هنأت جَرْبَاهَا وداويت مرضاها وحبست أولاها على أخراها وفَّاك سَيِّدهَا أجرك وَإِن أَنْت لم تهنأ جَرْبَاهَا وَلم تداو مرضاها وَلم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سَيِّدهَا”[5]. ولوضوح هذا المبدأ في الفقه السياسي الإسلامي، لم يملك الحكام عبر التاريخ أن ينكروه، وإنما أفرغ من مضمونه وروحه، واحتفظ بشكل “البيعة”، ولا يهم بعد ذلك إن نيلت بالرضى أو الإكراه وغلبة السيف.

[1]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة الأولى، 1986 م ج1 ص 530

[2]  حاكم، المطيري. الحرية أو الطوفان، دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية، 2003م، د ط ، ص 23.

[3]  أبو الحسن، ابن الأثير. الكامل في التاريخ، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة: الأولى، 1997م، ج 5 ص 111

[4] د حاكم المطيري، الحرية أو الطوفان، مرجع سابق ص 16

[5] محمد، ابن الموصلي. حسن السلوك الحافظ دولة الملوك، دار الوطن – الرياض، ص 86

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.