منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل الدين يصنع العنف وينتجه؟ قراءة في كتاب “أسطورة العنف الديني – الأيديولوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث” تأليف: وليام ت. كافانو

0
اشترك في النشرة البريدية

بالعنوان أعلاه وبترجمة: أسامة غاوجي صدر الكتاب عن دار النشر “الشبكة العربية للأبحاث والنشر”، في طبعته الأولى سنة 2017، مشتملا على 383 صفحة.

  • إشكال الكتاب:

1- هل الدين أي دين يمكن أن يكون مصدر عنف؟ وهل العنف مرتبط بالدين وحده؟

2- كيف ظهرت فكرة أن الدين مصدر العنف؟ وكيف تحولت إلى أسطورة؟ وما نتائج ذلك وآثاره؟

3- ما مصدر أسطورة العنف الديني؟ وما دور الإيديولوجية العلمانية في نشر هذه “الأسطورة” أوروبيا وعالميا؟

المزيد من المشاركات
1 من 93
  • أطروحة الكتاب:

يتبنى وليام ت. كافانو William T. Cavanaugh)‏ – من مواليد 1962م، أستاذ الدراسات الكاثوليكية في جامعة دي بول، ومدير المركز المتخصص بالكاثوليكية العالمية واللاهوت بين الثقافات، ومدرس بجامعة سانت توماس في ولاية مينيسوتا لمدة 15 عامًا- في هذا الكتاب أطروحة مفادها نفي أن يكون الدين مصدرا للعنف، ويسعى في الكتاب جاهدا إلى تفكيك الإيديولوجية العلمانية منذ العصر الحديث إلى اليوم، وبيان  كيف كانت هذه الإيديولوجية وراء التهويل من مسألة العنف الديني وتحويله إلى أسطورة وعقيدة راسخة يصعب تفنيدها أو إقناع الذهنية الغربية الفردية والجمعية بضدها.

  • فصول الكتاب:

جاء الكتاب في أربعة فصول مع مقدمة وخاتمة:

فالفصل الأول حمل عنوان: تشريح الأسطورة

والفصل الثاني جاء بعنوان: اختراع الدين

والفصل الثالث تناول بالتشريح والتفكيك: أسطورة الخلق: الحروب الدينية

أما الفصل الرابع والأخير فتتبع فيه المؤلف “استعمالات الأسطورة”

قضايا الكتاب:

الأولى: تشريح أسطورة العنف الديني:

يرى المؤلف أن “الفكر ة القائلة بأن الدين يسبب العنف هي واحدة من أكثر الأساطير انتشارا في الثقافة الغربية” (ص. 23) بين الطلبة والمثقفين والإعلاميين والقضاة. ويقوم تشريحه لهذه الأسطورة على بيان أمرين: بيان الأسس التي قامت عليها هذه الأسطورة ونقد هذه الأسس وبيان تهافتها وعدم قدرتها على الصمود أمام التحليل المنطقي.

الأساس الأول أن الدين مطلق وليس نسبيا وهو الأساس الذي يمهد في نظر مفكري التنوير الغربي الطريق إلى نفي الحق في الاختلاف وتبرير استعمال العنف ضد غير المتدين. لأن الذي يتصور أنه يمتلك الحقيقة المطلقة ينظر دوما نظرة الازدراء والتحقير للآخرين. وفي نقده لفكرة إطلاقية الدين لاحظ المؤلف أن الغرب انطلق من تصور للدين خاطئ وضبابي حيث جعل كل معتقد أو فكرة يؤمن بها الشخص أو الجماعة دينا مثل طقوس مشاهدة مباريات كرة القدم، والنزعات الاستهلاكية، والإيديولوجية كالقومية والإنسانية والعلمانية.. ثانيا أن صفة الإطلاقية لا تسم الدين فقط بل كثير من المعتقدات والأفكار تتحول عند أصحابها إلى حقائق يقينية مطلقة.

 

الأساس الثاني: أن الدين انقسامي بذاته: إذ يقسم المجتمع إلى “نحن” و”هم”؛ نحن جماعة المتدينين وهم غير المتدينين؛ الأمر الذي يعمق الشعور باحتكار الإيمان والتحدث باسم المقدس؛ مما ينمي في المجتمع كل النزوعات القبلية والإثنية والعصبية الطائفية التي تتطور تدريجيا إلى حروب دينية طاحنة يفقد معها التعايش والسلام والحوار بين الـ”نحن” والـ”هم”.

       الأساس الثالث هو أن الدين معاد للعقل والعلم، فهو لا عقلاني ولا علمي ولا منطقي، لأن الشعور الديني شعور يطبعه الحماسة والحمية والغضب والتعصب وهي كلها منافية للعقل ونظامه العقلاني، وهذا الأساس هو واحد من الأسس التي وظفتها الإيديولوجيا العلمانية الغربية مبررا لعزل الدين عن السياسة والحياة.

وفي نقد هذا الأساس يرى كافانو أن المشاعر غير العقلية كما يمكن أن توجد في المقدس الديني توجد بنفس الإمكان والقدر خارج إطار المقدس بدليل أن الإيديولوجية العلمانية والقومية والوطنية هي نفسها تنتج العنف وتحرض عليه وتمارسه بجميع أشكاله البغيضة.

وهكذا ينتهي المؤلف إلى خلاصة عامة وهي أن “القومية العلمانية من هذا النوع يمكن أن تكون على نفس الدرجة من الإطلاقية والانقسامية والتعصب اللاعقلاني الذي توصف به الأشكال المتشددة من اليهودية والمسيحية والإسلام والهندوسية. (ص. 85)

 

الثانية: اختراع الدين أوروبيا ونشر مفهومه العلماني عالميا:

يرى كافانو أن المشكلة لدى الدارسين والأكاديميين الغربيين تنطلق من الاختلاف في تعريف الدين بين الوضعية والوظيفية، فبينما ذهبت المدرسة الوضعية إلى “حصر معنى الدين في العقائد والممارسات التي تدور حول شيء يشبه الآلهة أو المتعالي” (ص. 89) ذهبت المقاربة الوظيفية إلى توسيع “تعريف الدين ليشمل الإيديولوجيات والممارسات –كالماركسية والقومية وأيديولوجيا السوق- والتي لا يتم التعامل معها عادة كأديان” (ص. 90) وذلك بالتركيز على الوظائف التي يمارسها الدين أو المعتقد أو الفكرة في سياقات متعددة لتقديم بنية شاملة للمعنى في الحياة الاجتماعية اليومية. لكن كافانو يرى أن الاختلاف في تعريف الدين لم ينحصر في الوضعية والوظيفية -اللتين رغم اختلافهما ينطلقان من كون الدين حقيقة واقعية وجوهرية في المجتمعات والثقافات – بل تعداه إلى مجموعة من الأكاديميين الذين لاحظوا أن الدين اختلاق واختراع وليس له وجود مستقل بعيدا عن الأكاديميين (ص. 90) ومن ثم فليس الدين سوى مقولة إيديولوجية تم تأسيسها ويتم تأسيسها عبر أشكال من الترتيبات السياسية (ص.91).

ويعتقد كافانو أن تحديد ما هو دين مما ليس كذلك خاضع لترتيبات سياسية واجتماعية ومن ثم لم يكن الدين منفصلا عن الحياة العامة للمجتمع ولا عن الظواهر العلمانية التي سعت إلى سجن الدين في حدود ما هو شخصي جُوَّاني، وقدد اجتهد كافانو في الغوص في التاريخ والحضارات (الكونفوشيوسية وحضارة الأزتك والهند) بحثا عن مفهوم الدين وعلاقته الجوهرية بالحياة الاجتماعية وتشكيل سلوك الأفراد وتحديد النشاطات الاجتماعية فانتهى إلى أن الدين لم يكن معزولا لا عن السياسية ولا عن تدبير الشأن العام للمجتمع كما أنه لم يكن مؤسسة مستقلة عن ظواهر الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

وتتميما لهذا السياق في الكشف عن كيفية اختلاق الغرب لمفهوم جديد للدين يبين كافانو كيف استطاع الغرب مع بداية فجر العصر الحديث نسج مفهوم جديد للدين يقوم على عده نظاما من المواقف الاعتقادية الجوانية / الداخلية الخاصة بكل فرد المستقلة عن باقي الظواهر العلمانية، كما يبين كيف ربط مفكرو الغرب بين الاختلاف في الاعتقاد والحروب الدينية وبين الدعوة إلى تدخل الدولة. حيث عدَّ كثير منهم أمثال إدوارد هيربرت وجون لوك النزاع بين أهل الاعتقاد والحروب الدينية سببا كافيا في وجوب الدعوة إلى سيطرة الدولة على الكنيسة وفصل الدين عن الدولة والمناداة ب”الحكومة المدنية التي انتقلت إليها السلطات التشريعية والقضائية والإخلاص من قبل الشعب من الكنيسة إلى الدولة الحديثة صاحبة السيادة” (ص. 131).

وهكذا تمهدت الطريق لانتشار هذا المفهوم خارج أوروبا وتعميم طريقة القضاء على الدين والاكتفاء بنموذج العلمانية الوحيد في العلاقات الدولية التي نسجتها الإيديولوجية العلمانية مع الدول المستعمَرة (العالم الإسلامي، والصين والهند وأمريكا…) حيث عملت على زرع نفس الروح العدائية لأديان هذه الشعوب من قبل أبنائها، وتم تدجين هذه الأديان وعزلها عن تأثيرها الاجتماعي لتبقى فقط أديانا فردية لا اجتماعية ولا سياسية مثل المسيحية لتسويق العلمانية عالميا والتمكين لها دوليا وتصبح النموذج الوحيد.

 

الثالثة قضية الحروب الدينية وكيف تحولت أسطورةً لخلق النموذج العلماني الحداثي:

يبين كافانو أن الحروب الدينية التي شهدتها أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر قدمتها المركزية الغربية مثالا تاريخيا قويا على تسويق مقولة العنف الديني التي مهدت للانتقال إلى النموذج الحداثي العلماني لذلك أطلق عليها اسم ” اسطورة الخلق الخاصة بالحداثة” (ص. 193) فأهمية هذه الحروب في الغرب أهمية تأسيسية لبدايات تشكل الحياة العلمانية ونظامها في الحكم، إنها بمثابة سفر التكوين في الكتاب المقدس العبراني أو أسطورة الخلق البابلية (إنوما إليش)، ويعد هذا الفصل تطويرا لعمل  علمي سابق قدمه كافانو في هذه المسألة وغايته أن يُظْهِر مدى هشاشة الرواية التاريخية التي يعتمدها منظرو السياسات اللبرالية والمستفيدون من هذه الرواية (ص. 194)، ولعل أهم الحجج التي يقدمها لدحض أسطورة الحروب الدينية ما يلي:

أولا لم تكن حروبا دينية خالصة ولا حول الدين وحده، وإنما حول قضايا سياسية واقتصادية وثقافية، مثل الحروب الاستعمارية التي شهدتها أمريكا قبل استقلالها عن التاج البريطاني (ص. 211 وما بعدها)

ثانيا الرد على كبار فلاسفة ومنظري اللبرالية في هذه المرحلة خاصة باروخ اسبينوزا وتوماس هوبز وجون لوك وفولتير وجون جاك روسو في أن العنف الديني هو السبب في الحروب، والدعوة إلى إبعاده عن الحياة الاجتماعية وإخضاعه لمراقبة الدولة المدنية باعتبارها الحل النهائي والسليم لهذه المسألة، فالدولة الحديثة لم تكن حلا للعنف الدائر في القرنين 16 و17 وإنما كانت هي أيضا متورطة في هذا العنف. (ص. 194)

ثالثا أن هذه الادعاءات عن الحروب الدينية من حيث مصدرها ومن حيث خلوصها مما هو اجتماعي، وكون الدولة المدنية هي الحل الأمثل كل ذلك في نظر كافانو لا يصمد أمام النقد التاريخي.

لذلك يميل كافانو إلى الكشف عن الخلفيات والأهداف وراء خلق هذه الأسطورة، التي كانت ترمي إلى:

– تعزيز الحكم العلماني والنموذج الحداثي الغربي وأنه وحده القادر على صنع التعايش والسلام والأمن والاستقرار.

– إخضاع المؤسسة الدينية للدولة وليس العكس.

– تهميش دور الفاعلين الدينيين مقابل إبراز دور السياسي والمثقف العلماني ورجل الاقتصاد…

 

القضية الرابعة وجوه استعمال أسطورة العنف الديني:

في الفصل الرابع الأخير يسعى الكاتب للإجابة عن السؤال الآتي: “إذا كانت أسطورة العنف الديني غير متسقة إلى هذا الحد، فلماذا هي منتشرة بهذه الطريقة؟”

ويتخذ من السؤال مطية لبيان الأغراض التي وظفت لأجلها هذه الأسطورة، وهي ثلاثة:

الغرض الأول محلي داخلي حيث ساعدت في تهميش أنواع من الخطابات الموصوفة بالدينية وعززت في المقابل الفكرة القائلة بأن وحدة الدولة القومية تحمينا من انقسامية الدين. (ص. 291)

الغرض الثاني خارجيا بيان الجانب الوظيفي لهذه الأسطورة في تدعيم الثنائية بين الغرب العقلاني المحب للسلام من جهة والثقافات غير الغربية اللاعقلانية والعنيفة بخاصة الإسلام من جهة أخرى (ص. 292)

الغرض الثالث خارجي أيضا لكنه يسعى أيضا إلى الكشف عن كيف أدت أسطورة العنف الديني وظيفتها في تعزيز السلوك العدواني وتبرير سلوك العنف الغربي ضد الآخرين في العالم غير الغربي، خصوصا العالم الإسلامي.

 

بمعنى آخر فقد وظف الغرب أسطورة العنف الديني لبناء المجتمع داخليا على وحدة الرأي والعداء للدين، وترتيب بيته الداخلي علمانيا، ولتحقيق غرض أكبر هو إرساء نظام العلاقات الدولية مع الآخر المختلف عنه دينيا وحضاريا وخاصة العالم الإسلامي على أسس الأيديولوجية العلمانية الحداثية؛ مما شرع للعنف الدولي والحضاري وكان من أخطر آثاره الاستعمار وشرعنة التدخل العسكري في دول العالم الإسلامي.

وعموما فأسطورة العنف الديني وظفت لتبرير العنف العلماني الغربي داخليا ضد الدين المسيحي وخارجيا ضد الثقافات والحضارات والأديان الأخرى.

 

  • خاتمة ملاحظات واستنتاجات:

في ختام هذه القراءة لمضامين الكتاب يمكن إبداء الملاحظات الآتية:

أولا يكتسي هذا الكتاب قيمة نقدية كبيرة لأنه استطاع أن يكشف عن كثير من الأخطاء التاريخية التي مارسها العقل الغربي من أجل تأسيس نموذجه العلماني والحداثي على أنقاض الدين، وتزداد قيمة الكتاب بالنظر إلى أنه نقد للغرب من داخله، ومن قبل أبنائه ومفكريه أنفسهم، حيث استطاع كافانو أن يضع بين يديه تراثا ضخما من أعمال المفكرين التنويريين ويعرض ما فيها من أطروحات تتعلق بالعنف الديني ويضعها على مشرحة النقد الداخلي والخارجي ويكشف ما فيها زيف وضعف، ويعري حقيقتها الأيديولوجية.

ثانيا يعد تشريح كافانو للعنف الديني تشريحا لمنظومة الفكر الغربي العلماني الحداثي في بنائها الداخلي وفي سعيها إرساء نظام من العلاقات الدولية مع الأطراف والهوامش (الآخر غير الغربي) يمكن من خلاله فهم الثوابت المتحكمة في الفكر العلماني والحداثي من القضايا المحلية في الغرب ومن المشكلات العالمية.

ثالثا تميز الكتاب بروحه النقدية العلمية يعيد الأمل في بلداننا العربية والإسلامية والثالثية لفتح باب النقد لمنظومة العلمانية والحداثة الذي أغلقه كثير من دعاة الحداثة والعلمانية جزما منهم أن النموذج العلماني الحداثي نموذج كوني عالمي بقيمه ومبادئه يجب التسليم به والانخراط فيه وإلا وُسم رافضه بأقذع النعوت والصفات التي تبعده عن التحضر والتقدم الذي رسم شكله وحدد معالمه الغرب وشيد مقوماته.

ثالثا أن ما يجري في العالم العربي والإسلامي منذ أزيد من قرنين من عمليات توطين النموذج الحداثي والعلماني ومن صراع بين العلمنة والأسلمة، وجدل بين دعوى الكونية والخصوصية، والنسبية والإطلاقية استطاع الكتاب بالتحليل الدقيق والعميق أن يكشف للمثقف العربي والثالثي مصدره والفاعلين فيه، وأصوله التاريخية وخلفياته المعرفية ومتحكماته السياسية ومؤثراته الثقافية الراجعة إلى ثوابت المركزية الغربية في تصورها لعلاقة الديني بالسياسي والاجتماعي وهيمنتها في فر فرضه نموذجها بالقوة. حتى إن الأمر لا يعدو أن يكون استنساخا قسريا وإعادة تمثيل لنفس المشهد الغربي لصناعة نموذج عالمي علماني حداثي غربي وحيد وأوحد يفتح الباب على مصراعيه لهيمنة الثقافة الغربية وعولمتها وإلغاء الخصوصيات الثقافية والتنوع الأنثروبولوجي والحضارية للمجموعات البشرية.

رابعا أن هذه القراءة في هذا المقال لم يكن لها لتستوعب كل إشكالات الكتاب وقضاياه الكبرى، كيف والكتاب غزير بقضاياه غني باستشهاداته من الأمثلة والشواهد من الأحداث والأقوال، قوي بتحليلاته وتعليلاته، مستقل بآرائه واستنتاجاته. ويكفي هذه القراءة حظا التنبيه إلى قراءته والدعوة إلى التسلح بأدوات النقد المعرفي والتاريخي لقراءة تاريخ الذات والغير في استقلال عن الضغوط والمؤثرات، والإنصات باعتدال إلى مختلف الأصوات والرؤى في فهم الواقع والتاريخ الغربيين في ذاتهما، وفي علاقتهما مع المحيط غير الغربي.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.