منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقة بين العلوم الإسلامية و العلوم الإنسانية عند مصطفى بنحمزة – علم المنطق نموذجا-

0
اشترك في النشرة البريدية

 تمهيد:

تلعب العلوم الإنسانية دورا جوهريا في تغيير واقع الأمة ، فالمدرسة التي من شأنها أن تكون مغيري العالم هي مدرسة الفكر ، وأقصد هنا العلوم الإنسانية التي هجرها المسلمون فهجرها كثير من الناس ، بحيث أصبحوا عاجزين عن فهم الحركة الفكرية المنطقية والاجتماعية  والسياسية والاقتصادية والعمران البشري ونحوه ذلك.

وحيث إن الموضوع الذي أود تسليط الضوء عليه يرتبط بالعلوم الإنسانية من زاوية النظر الفكري المنطقي في علاقته بالعلوم الإسلامية  كما ينظر إليها فضيلة الدكتور سيدي مصطفى بنحمزة ؛ أذكر كتوطئة بأن الإنسان بطبيعته كائن مفكر ، والعلوم الإنسانية تعطي الإنسان الفرد أدوات التفكير النقدي والمستقل ، وحيث إن تفكير الإنسان مقيد بلغته ، فإذا كانت لغة الإنسان سطحية انعكس ذلك على تفكيره ، فإن كانت عميقة انعكست على تفكيره على قدر عمقها ، فيؤثر ذلك على منهجه التواصلي ، من تم يأتي المنطق أي قياس درجة سلامة تفكير الفرد ، فنجد هناك ثلاث أدوات أساسية في تحديد سلامة تفكير الإنسان  ،قواعد اللغة ، البلاغة ، المنطق .

المنطق من حيث كونه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ، معنى ذلك أنه وسيلة موصلة إلى مقصود آخر ، حيث هناك علوم وسائل وعلوم مقاصد ، فالمنطق هو خادم العلوم وليس مقصدا في حد ذاته ، منه هنا تأتي علاقته بالعلوم الإسلامية حيث يستعمل في دفع ونفي الشبه عن القرآن والسنة وإثبات وجود الله من خلال الأدلة… فإذن هو علم آلي يخدم العلوم الإسلامية كما يخدم غيرها.

  • ماهية المنطق من خلال القرآن الكريم 

المزيد من المشاركات
1 من 61

يرى الدكتور مصطفى ” أن علم المنطق من المشترك اللفظي استعمل أساسا للنطق وللكلام ولكل ما يبين به أي كائن ، وفي القرآن نسب علم المنطق إلى الطير ( علمنا منطق الطير ) لكن الذي اتجه إليه الاختصاص فيما بعد هو إطلاق كلمة المنطق على التفكير ثم صيغ بعد ذلك كعلم يضبط قواعد هذا التفكير ” [1]

يرى فضيلته أن المنطق بهذا المعنى ” معنى الفكر ” يستحق المدارسة والتبين لأن الشريعة الإسلامية يحضر فيها العقل حضورا قويا ، لأن العلاقة بين البشر والخالق هي علاقة منطق أساسا ، إذ إن الله خلق الإنسان و خوله من النعم ، لكن يتعامل معه على أساس التعقل بدخوله دائرة التكليف ، فكل تكليف بشرط العقل حضورا وغيابا ، فالعقل هو قاعدة التعامل بين الخالق والمخلوق.

يرى فضيلته بعدم الفصل بين العلوم الشرعية  والعلوم الإنسانية ، أو ماسماه بالعلوم النقلية والعلوم العقلية، فالنقل ملتبس بالعقل في شريعتنا وفي ما نفهم  ” فحينما ندرس علوما يسلم الناس بأنها عقلية ونستمزجها مع ثقافتنا ومعرفتنا الإسلامية نكون قد اعطينا الجواب الصحيح “[2] .

المنطق جزء من الثقافة الإسلامية  ودراسته مهمة في فهم الثقافة الإسلامية – عكس مايراه البعض- فالمنطق ليس إلا علما بالمعنى الصوري خادما للمنطق العام الفطري الطبيعي ، ” فالمنطق باعتباره مادة دراسية أخص من المنطق الكبير الذي متع به الإنسان ، وهو المنطق الذي أعطي للذي درس المنطق أو لم يدرسه ، فالإنسان الذي يكون في وضع سوي هو إنسان منطقي “[3].

فالمنطق بهذه السيمة والشساعة هو أمر أقرته الشريعة ودفعت إليه ” لا نقول بأن الإسلام أجاز التعقل والتفكير ، بل أوجبه بنصوص شرعية ” فسبب تكليف الإنسان بحمل الأمانة دون غيره من الكائنات إنما بسبب التعقل وفهمه للخطاب ، وإدراكه لمعنى القربة والطاعة ومعنى المعصية فكان أهلا لأن تودع لديه هذه الأمانة {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً}[4]

القرآن الكريم يدعو إلى التفكير الفردي وإلى التفكير الجماعي أيضا لإقامة الحجة {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا  مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ } [5] وقد ورد ذلك في سياق دفع صفة الجنون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فيذكر الدكتور بنحمزة أن في هذا الأمر إشارة إلى احترام العقل وجعله بأن يكون عندنا حاضرا في الخطابات وفي السجالات ، فالتعقل أو المنطق ليس شيئا أحدثه الناس – دخيل- باعتباره قوة حجاجية  واردة في كتاب الله وفي مسلك الحكماء  ، مثال ذلك ماورد عن سيدنا ابراهيم عليه السلام  قال تعالى : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ }[6].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

فقوله ” هذا ربي ” واستدراك بعده بالقول ” فلما أفل قال لا أحب الآفلين ” هي جملة منطقية تحولت إلى قضية منطقية مفادها أن هناك مقدمة أولى ” الكوكب أفل “ومقدمة ثانية ” الإله لا يكون آفلا ” فالإله الذي يحرس ملكه لا يمكن أن يغيب ، فالنتيجة إذن أن الكوكب ” القمر”  ليس إلها  ، فتحولت الجملة من جمل عادية إلى جمل قياسية، ومثل هذا في القرآن الكريم كثير.

يشير فضيلته إلى أن علم المنطق يشتغل على تهذيب فكر المرء حتى لا يقع في الخطأ ، لأن المنطقي معرض للزلل والهفوات ، فالمنطق لا يعلم الناس كيف يصيرون أذكياء لكن في علم المنطق احتراز عن الخلل .

ويشير فضيلته أنه من الناحية الاستنباطية  عندما تكون هذه الأخيرة واقعة على نص شرعي يجب أن تحترم كل آليات الأخذ من النص الشرعي ، لأن الاشتغال على هذا الأخير يختلف عن الاشتغال عن النص العقلي أو النص الطبيعي ضاربا مثلا بإبليس الذي رفض السجود مستعملا قياسا – فاسدا – مع وجود نص صريح لا يقبل إلا الرفض أو الاستجابة.

فعلم المنطق مطالبون بتفعيله  وهو من صميم الإسلام لاسيما وأن هناك دعوة إلى تجديد الخطاب الديني بأن نعطي للعقل مكانته  من خلال المعارف العقلية ، دفعا لمن يقول بأن المسلمين ليسوا إلا مجرد نقليين ” نحن نتحرك بالعقل في نطاق النقل  حينما يكون الأمر كذلك ” [7].

هناك منطقان كما يبين حفظه الله ، منطق فطري تحتويه بعض النصوص القرآنية ، وهو منطق قوي وشامل مقارنة مع المنطق الذي يدرس وهو المنطق الصوري الإجرائي الصناعي مستشف من المنطق العام الفطري ، فهذا الأخير من خصائصه توافق الكلام مع الحقيقة وقد تحدث فيه العلماء والحكماء منهم فلاسفة اليونان على رأسهم أرسطو بطريقة من الطرق ، وانتبهوا إلى أن هناك حقائق وقوانين فكرية طبيعية موجودة هي أساس التفكير عند الناس سموها ب ” قوانين الفكر ”  وحددوا تحتها ثلاثة قوانين ” قانون الهوية ”  مرتبط بتحديد الهوية و ” قانون التناقض ” مجاله نسب الأشياء وتناقضها ثم” قانون المرفوع” وهي قوانين مترابطة  ، وقد ظهر البعض ليضيف قانونا رابعا يسمى ب” قانون التغيير” الذي لا يبقي الأشياء على حالها.

في المنطق الإسلامي وفي القرآن الكريم كان له منطقه يستعمله دائما في الحجاج ،  من خلال حجاج الأنبياء أقوامهم ، من ذلك كان كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخلو من المنطق أثناء جداله المشركين .

العقيدة الإسلامية كما يذكر فضيلته تحدثت عن أدلة كثيرة كما في كتاب ” دلائل التوحيد ” للقاسمي وهي تشمل خمسة وعشرين دليلا وهي كلها أدلة عقلية تعود إلى ” دليل الحركة ” أي لا يمكن أن تقع حركة بدون محرك فهو دليل فيزيائي ولكن في أصله دليل عقدي ، فالتحرك لا يقع إلا بوجود محرك من جهة ، وطاقة دافعة وكتلة مناسبة من جهة أخرى ، فإذا كان الكون قد نشأ فذلك بموجب قانون فيزيائي.

فإذن محور الحجاج القرآني هو دائما على وجود الخالق لا يمكن أن يكون متأثرا بغير متأثر{ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}[8] ، فمثل هذه الأسئلة “هي التي كونت عقيدة الإيمان  وصنعت أمة الإيمان وكل ذلك يعود إلى المنطق الطبيعي الذي هو الأصل ويأتي المنطق الذي يدرسه الناس وهو المنطق الصوري وهو صناعي وعلمي يقصد به  تدريب الناس على تكوين قواعد يعرف الناس من خلالها أنهم يخطئون أو يصيبون حين يفكرون ” [9].

  • حاجة العلوم الشرعية إلى علم المنطق

“علم المنطق كان شائعا لدى العلماء وكان جزءا من البرامج الدراسية ، بل أكثر العلماء قديما لهم شروح في هذا المجال”[10] ، من هنا تكمن أهمية هذا العلم والتصاقه بالعلوم الإسلامية ، حتى أصبح المنطق عملة متداولة ، لذلك نجد عددا من الكتب الإسلامية  ( أصول الفقه ، الفقه…) تتضمن بشكل أو بآخر عبارات تدل على هذا العلم لا يمكن القفز عليها .

يعزز الشيخ بنحمزة كلامه بما ذكره أبو حامد الغزالي عن علم المنطق ” إن الذي لا يعرف المنطق لا يوثق بعلمه “[11] وهو بذلك يعلي من شأن هذا العلم ، رغم ما وجه إليه من انتقاضات في هذا المجال من زاوية أن الصحابة لم يكونوا على دراية بهذا العلم ، أننفي عنهم الثقة ؟ والذي يبدو كما يرى الشيخ أن قصده ما دون تاريخيا في مجال أصول الفقه أو في النحو أو البلاغة أو نحو ذلك لم يخل من الدراسة المنطقية ، ولايمكن أن يفهم إلا من خلال الإلمام بالمنطق ،  وبالتالي لا مناص من معرفة هذا العلم .

فالغزالي يعتد بالمنطق ويراه معيارا للعلم ، و في الغرب الإسلامي ظهر حسن اليوسي ، حيث يذكر ” إن هذا العلم بكماله ،لا يؤتيه الله إلا لمن أحب ”  ” فالمنطق بصورته الكاملة غير ممتزج  بالأخطاء فإن الله يمنحه لمن يحي لأنه يستطيع أن يدافع به عن كثير ، ويرد به عن كثير من الآراء المدخولة “[12] .

فالذي يرفض الخوض في علم المنطق بدعوى أنه علم دخيل جلبه المسلمون من اليونان ، هذا لا يكفي في رده ، وليس منهجا سليما في الرد ، المسلمون أخذوا من اليونان وغير اليونان ، فالشعر على سبيل المثال الذي كان مستشهدا به حياة النبي صلى الله عليه وسلم  – كما يذكر الشيخ – كان شعر أناس من غير المسلمين، لكن كان يوافق ولا يخالف منهج الإسلام وطريقته فكان الناس يقبلون به ويرددونه ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتدح بعض الكرام ، و يستعان بالشعر في تفسير القرآن من كلام العرب كم هو معلوم.

فجميع العلوم مطلوب الاستعانة بها خدمة للعلوم الإسلامية بشرط عدم المساس بالعقيدة الإسلامية، فالمنطق أصبح من علوم المسلمين بدليل كثرة الكتب المؤلفة ارتباطا به ، بل عملوا على تطويره وتنقيحه،

فالعلوم الإسلامية هي علوم مشتبكة ، كان الناس يمدحون العلم فيقولون له” عالم مشارك” لأن المعرفة “تتكامل ويخدم بعضها بعضا وليست منعزلة رغم وجود التخصصات ، لكن هناك جداول وأنهار تسيل تجعل المعرفة ملتقية ” لذلك نجد بعض الندوات تشمل عالم النفس وعالم الاجتماع والطبيب..من أجل فهم قضية ما ، مثلما أن فهم اللغة بالاعتماد بالرجوع فقط إلى المعاجم لا يفلح ، إذ لابد من الاهتمام بالدراسة الاصطلاحية كذلك .

فالمعرفة على الوجه الذي ذكره فضيلته كانت متبادلة ومشتركة ، فمثلا كلمة ” علة ” تدور في كل العلوم والفنون ، وفي كل فن لها مدلول خاص ومدلول مشترك مع العلوم الأخرى ، فنجدها ابتداء في الصرف ” اللغة” ، كما نجدها في البحث المنطقي والفلسفي ، فأرسطو مثلا يرى أن حدوث الشيء لا يقع إلا بعد تضافر أربعة علل ” العلة المادية والعلة الصورية والعلة الغائية ،ثم العلة الفاعلة” فلابد من وجود مادة  تصنع بها مع اعتبار الغاية للصنع ، مع وجود شخص يقوم بعملية الصنع ” العلة الفاعلة ” ، ثم “نجد العلة الكلامية ”  وهي أكثر تعقيدا من غيرها ، فالمتكلمون “حين يتحدثون عن العلل في فعل الله تعالى ويقولون إن الله سبحانه وتعالى حين يفعل ما يفعل لا يحمله شيء على شيء” “والعلل هنا حين ننسبها في العقيدة نقول إنها علل غير مؤثرة”[13] ، كما أن هناك علة مستقلة في أصول الفقه في باب القياس حيث يقتضي علة جامعة كما هو معروف ، كما يلزم وجود طرق وأساليب للوصول إلى هذه العلة والتي تسمى مسالك العلة .

إذن ؛كلمة نجدها تجد حجمها في كل علم بما يناسبها ، فالحديث عن العلة يقتضي استحضار جميع المعاني سالفة الذكر حتى تستبينها ولا تقع في الخلط ، فالتعريف أخطر ما يكتب فيه ، لذلك كان شأنا من شؤون العلماء الكبار ، وكان يأتي بعدهم من يشرح كتب التعريفات ، لذلك اعتبر اليونانيون أن مهمة الفلاسفة ومهمة المنطق هو التعريف ، لأن سوء التعريف يؤدي إلى الخلط.

من المباحث المشتركة بين علم المنطق والعلوم الإسلامية مبحث ” الدلالة ” تحدث فيها المناطقة وتحدث فيها الأصوليون ، وربما نجد حديث الأصوليين عن مبحث ” الدلالة ” شاملا لأن شيئا من المعنى يترتب عليها ، ولأن حديثهم عن ذلك تمهيدا للاستنباط لذلك يتوقفون كثيرا للحديث عن دلالة الحروف ، لما يترتب على ذلك من الفقه ، فالمناطقة  كذلك اعتنوا بهذا المبحث بمزيد من السعة والأمثلة نضير الدراسة الأصولية ، فالأبواب المشتركة بين أصول الفقه والمنطق تدفع إلى الاهتمام بعلم المنطق لإحكام تلك الأبواب، ذلك يبين ضرورة الاهتمام بعلم المنطق والحاجة إلى فهم علومنا الشرعية ارتباطا بهذا العلم.

أهمية المنهج في المعرفة الشرعية والإنسانية 

المنهج بالأصالة يعني علم المنطق والحديث عنه خطير جدا وهو غائب مغيب ، نتج عن ذلك تبعات على التكوين والثقافة والفكر ، فالحديث عن المنهج والتقصي عنه أمر ضروري .

“الحديث عن المنهج بكيفية عامة هو حديث عن التخطيط و عن الإعداد القبلي ، عن البرمجة ، عن التفكير قبل الشروع في العمل والقول ” [14]فحضور المنهج هو اهتداء إلى الصواب يحدد الحاجات والهدف المنشود.

فالخوض في الموضوع دون منهج دون إدراك ما يجب تقديمه مما يجب تأخيره  دليل الفوضى الفكرية الثقافية ،سواء تعلق الأمر بأصول الفقه أو الفقه أو علم المنطق لا بد من أن يكون المنهج حاضرا باعتباره أمر مشترك بين جميع العلوم الشرعية أو الإنسانية .

فالحضارة أيا كانت تعبر عن نفسها من خلال المنهج الذي ترتضيه – كما يرى فضيلته- ، فالمنهج هو خلاصة من خلاصة الحضارات  ومنهج المسلمين  في الثقافة الإسلامية يربط بين الأرض والسماء جامع بين النص والعقل ، بحيث لا ينبغي إلغاء النص والاعتماد فقط على العقل ، كما أن حديث العقل في القرآن كبير وطويل ، لكن لا ينبغي أن يكون التفكير في النصوص ظاهريا ، وفي مقابل ذلك لا ينبغي تغييب العقل ، فالمزاوجة والجمع بين النص والعقل هو شغل علماء المسلمين الكبار ، فلم يكونوا نصيين ظاهريين ولا عقلانيين يلغون النص ، فلا يجب تغييب العقل بل استحضاره بشروطه مع استحضار النص، فالنص يفهم بقواعد العلم لا بالتشهي ، ومن الذين كتبوا في هذا الأمر الدكتور أديب الصالح ” في تفسير النصوص ” عبارة عن مجلدين.

فالمنهج الإسلامي جامع بين النص والعقل ، ومنهج المناطقة المسلمين مخالفة للمنهج اليوناني ، ” لأن منهجنا ليس منهجا استدلاليا وإنما هو منهج استقرائي “[15] .

فخلاصة الحضارة يعبر عنها بالمنهج الذي تختاره أمة من الأمم ، لذلك يدعو فضيلته إلى أن يداد من ليس من أهل الجهة – التخصص- ولا منهج له كما دعا إلى ذلك الإمام مالك وله فصل  خاص في ذلك حماية للمعرفة .

فالنصي لا يمكن إلا أن يكون متعقلا في فهم النص ، أما القول بأن هناك نصيين وهناك عقلانيين فتلك قسمة ضيزى.

توظيف المنهج يلزم تفادي الحديث ذي الشجون” كثرة المواضيع ” بحيث ينبغي عدم الخوض في موضوعات متفرقة ، بل هناك موضوع – عمود- يجب الالتزام به ، وإذا كانت هناك هوامل من الأفكار فإن علم المنطق يؤدي دور الشوامل ” الجمع ”  يعيدها إلى محاورها لتكون ” نسقا”  “[16]  من ذلك كتاب ” الهوامل والشوامل”  لأبي حيان التوحيدي[17].

فالخلاف في العالم الإسلامي يحل عن طريق المنهج ، مثلا الخلاف السياسي مثلا لا يمكن أن يجب إلا بإلغاء أسبابه الفكرية المنهجية .

والخطيب والفقيه والمحدث لابد أن يلتزموا بالمنهج، لذلك هناك من يطيل في المقدمة وينغمس فيها دون الاهتمام بالموضوع قيد المدارسة  – البخاري لم يجعل لكتابه مقدمة التزاما بالمنهج-.

نجد في القرآن والسنة دعوة إلى منهج آخر في التلقين والكلام وهو منهج تعليم الناس{ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ}[18] .

فالرباني – كما يذكر فضيلته – هو العالم الذي له حكمة ، كما أن له معنى بمعنى التعلم بصغار الأمور إلى كبارها فذلك معنى الرباني ، فالآية سالفة الذكر هي عنوان للتعليم التربوي ، فالذي يسعى إلى تعليم الناس يلزم أن يكون ربانيا ملما بمنهج التعليم ، وذلك من المنهج التعليمي الذي كان إحدى اهتمامات المسلمين في مجال العلوم الشرعية – مولاي أحمد البلغيتي نموذجا- من خلال كتابه ” حسن النظرة في أحكام الهجرة ” وكتاب ” الابتهاج بنور السراج “.

يشير فضيلته إلى أن من مقتضيات المنهج  في الدراسة الشرعية المرور على المتن اللغوي ، لأن الألفاظ هي حصون المعاني وأوعيتها كما قيل، لذلك اعتنى العلماء بالألفاظ من الناحية اللغوية ومن الناحية الاصطلاحية كذلك .

مناهج دراسة الكلمة في اللغة متعدة ، ذكر منه فضيلته منهجين ، الأول علاقة الآواصر التي تربط الكلمات من منطلق المادة اللغوية – ش ، ع ، ر-  شعار ، شعر ، شاعر ،  ومادة – ز ، و ، و – وما يلتصق بها من كلمات ، أزور ، زوراء ، زور  ، حيث هناك المعنى الجزئي المختلف والمعنى الكلي الذي يجمع الكلمات بوجه من الوجوه .

المنهج الثاني يعنى بالكلمة من حيث تركيبتها الثلاثية بحيث يؤدي تقليبها الحصول على ست كلمات وفي جميع الصيغ يكون المعنى مشتركا وذلك يعد من فقه اللغة كما هو معلوم “[19] وهذا المنهج هو  أوصل إلى اللغة وفقهها ، من ذلك القول في مادة ” ج ، ب ، ر” فيؤخذ من ذلك ” جبر ” جبرت العظم ، جبرت الفقير ، ومنه رجب بمعنى التعظيم ، ومنه كذلك مادة  “ب، ج ، ر ” أبجر بمعنى منتفخ وتفيد أعظم .. ، و ” البرج ” اتساع في العين .

يذكر فضيلته قوله تعالى : {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[20] ليستدل على أن الشريعة والمنهاج يتعاونان على نفس الدلالة بقوله ” إن المنهج لا بد وأن يشترط فيه أن يكون سبيلا ومسلكا واضحا مثلما الشريعة كذلك …لذلك فالأخذ بالمنهج فالعلم هو أخذ بطريقة جلية” [21].

ذكر الدكتور تعريفا آخر بأن ” المنهج هو الأسلوب الذي يعتمده باحث للوصول إلى الحقيقة”[22] مشيرا إلى أن كتابات المنهج ظهرت في القرن السابع عشر وهو كلام في نظر الشيخ بنحمزة ليس صحيحا ، وإنما القصد من ذلك أن الكتابات في المنهج قد ظهرت ابتداء في أوربا على يد” روني ديكارت” [23].

فالمنهج في الحضارة الإسلامية قديم ومنفصل لكن كان يحتاج إلى من يتحدث عنه ، الثقافة الإسلامية كما يرى مصطفى عبد الرازق[24] لها منهج وليست استنساخا عن الثقافة اليونانية ” الذي يبحث عن الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي لا يبحث في ماكتبه الفارابي أو الكندي ، وإنما في علم أصول الفقه” .

فالرجل أراد أن يقصد أن في الإسلام مدرسة فلسفية منطقية وقد أشاع هذه الأفكار في تلامذته على رأسهم “علي سامي نشار”[25] وهم من المدافعين عن الفكر والفلسفة كان يلقب بأشعري هذا العصر ، وهناك كتاب ” مقدمة في المنهج ” لعائشة بنت الشاطئ ، لنعلم بعد هذا أن علم المنهج موغل في الثقافة الإسلامية .

يشير فضيلته أن المنهج النقلي اختص به المسلمون  وعلى رأسهم  المحدثون ،  فهو منهج تميزت به المعرفة الإسلامية عن غيرها  من منطلق تميزها بالتثبت في النقل وصحة الخبر .

كما أن الثقافة الإسلامية اهتمت بالتجربة – المنهج التجريبي- ” علوم الرياضيات “” باعتبارها استنبات للمعرفة ، وانطلاق من الجزء إلى الكل”[26] .

كما تهتم الثقافة والمعرفة الإسلامية بالمقدمات ، يحيث لا يتم الهجوم على الموضوع والذهاب إليه مباشرة بل التوطئة له بما يناسب وذلك كله من المنهج ، “للإفضاء إلى الموضع إفضاء علميا “[27]، وذلك يعتبر جزء من المنهج القرآني ” سورة الفاتحة نموذجا ” قبل طلب الهداية تبدأ بالحمد والثناء عليه ، كما صرح فضيلته أن عددا من الأدعية يمهد لها بالتسبيح  { سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[28]  أو التعريض للقول  {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}[29] إذ في ذلك تضرع وطلب وهم نوع من المقدمات.

المدخل إلى أي علم هو في حد ذاته هو علم خاص لذلك نجد كتبا وقعت تحت مسمى المقدمة ” مقدمة ابن الصلاح ” مقدمة ابن خلدون ”  ” المقدمات الممهدات ” في ثلاثة أجزاء  لابن رشد  ووضع لذلك كتاب سماه ” مقدمة المقدمة ” والقصد في ذلك ضبط المعرفة .

خلاصة  :

حاصل القول أن الدكتور مصطفى بنحمزة  قدم إضافة نوعية من حيث الإضافة إلى العلاقة التفاعلية بين العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية من خلال علم المنطق وبالأخص حديثه عن المنهج في الثقافة الإسلامية والإنسانية ، وهي دراسة تحتاج إلى مزيد من العناية بحثا وتنقيبا وممارسة ، لاسيما وأن البحث العلمي لا تتحقق رصانته إلا من خلال المنهج ، وهي إحدى الإكراهات التي يعاني من البحث العلمي في مجال العلوم الشرعية وقصورها في استيعاب باقي العلوم الإنسانية التي باتت تفرضها نفسها داخل الساحة العلمية البحثة.

الطالب الباحث : عثمان كضوار  04/07/2020م

 

[1] . كرسي المنطق  : الشيخ مصطفى بنحمزة ، الكراسي العلمية ، الجزء الأول  ،السادسة قناة  فضيلة الشيخ مصطفى بنحمزة .

[2] . المرجع نفسه .

[3] . المرجع نفسه.

[4] . سورة الأحزاب :  الآية 72.

[5] . سورة سبأ:  الآية 46.

[6]. سورة الأنعام : الآية 76.

[7] . علم المنطق : الجزء الأول – مرجع سابق-

[8] . سورة الطور : الآية 35.

[9] . علم المنطق : الجزء الأول – مرجع سابق-

[10] . علم المنطق : الجزء الثاني

[11] . معيار العلم : لأبي حاد الغزالي وهو جزء من كتاب تهافت الفلاسفة .

[12] . المرجع نفسه.

[13] . المرجع نفسه.

[14] .كرسي المنطق : الجزء الثالث ، قناة الشيخ مصطفى بنحمزة 14/05/2020م

[15] . المرجع نفسه.

[16] . النسق : مجموعة فكرية موضوعة بانسجام

[17] . كتاب نادر ، يوجد البعض من أجزائه ، عثر على أصله  العالم المغربي محمد بن التاوث  الطنجوي.رحمه الله في مكتبة  آية صوفيا في تركيا .

[18] . سورة آل عمران : الآية 79.

[19] . أشار إلى ذلك ابن جني في ” الخصائص “.

[20] . سورة المائدة : الآية 48.

[21] . كرسي المنطق الجزء الرابع.

[22] .  صاحب هذا التعريف يوسف خياط معجم “المصطلحات العلمية والفنية” ص 690.

[23] .  فرنسي وله أصول هولندية توفي سنة 19650م ، يعتبر أب الفلسفة الحديثة ،  له كتاب في المنهج ” مقال في المنهج “له مقدمة لمحمد محمود الخضيري .

[24] . له كتاب ” تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ” وهو كتاب يتحدث عن استقلال المنهج .

[25] .درس بالمغرب له كتاب ” مناهج البحث  عند مفكري الإسلام ” وكتاب ” نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ” وكتاب ” عقائد السلف لأحمد ابن حنبل وابن قتيبة “.

[26] . كرسي المنطق : الجزء الخامس .

[27] . كرسي المنطق : الجزء التاسع.

[28] . سورة الأنبياء : الآية 87.

[29] . سورة هود : الآية 45.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.