منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلاقة بين المثقفين الإسلاميين والعلمانيين في السياق الثوري العربي وأثرها على مستقبل الانتقال الديمقراطي -نقد وتقييم لقضايا : الهوية، الديموقراطية، الإعلام، الوعي والمعرفة-

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة

على الرغم من عدم توقع أحد لحدوث ثورات الربيع العربي ولا لطريقة قيامها ونجاحها التي فاجأت الجميع، بما فيهم الثوار أنفسهم، حدث الانفجار وفار التنور العربي بثوراته، وقامت قيامة أنظمة الحكم المستبد في مصر، وسوريا، وليبيا، واليمن والبحرين، ومن قبلهم تونس. وأعلنت تلك الثورات، بزوغ نجم المواطن العربي، وقدوم ربيعه. وامتلأت ميادين الحرية بالعرب، وفي جوها النقي الجديد خرج بحر زاخر بالملايين من العرب، من: الشباب، والنساء، والرجال، كطيور بكرت، بحثاً عن مستقبلها وحريتها وعيشها.

وكان المثقفون في قلب قيامة الشعب العربي في ساحات الحرية، يقاومون، ويهتفون، ويصابون، ويكتبون البيانات، ويشجعون: الشباب، والرجال، والنساء، على الصمود لكسر جمود مجتمعاتنا، التي شلها الاستبداد والفساد. فقد صنع المثقفون العرب،” خميرة” الانتفاضة والتغيير، من خلال ما تراكم من تراث على مستوى الإبداع الفكري والأدبي والفني، وعلى مستوى الاجتهاد المعرفي والتدافع الفكري، والذي تغلغل في بنيات المجتمع العميقة ولعب، دون شك، دوراً لا ينبغي الاستهانة به في تحريك الثوار[1].

قلة قليلة فقط، ممن يتنسبون زوراً للمثقفين، من المنحازين لأفكارهم المفارقة لواقع وثوابت أمتهم، أو المنضمين كخدم للسلاطين والحكام المستبدين، هي التي فوجئت بالثورات، ولم تكن مستعدة للثورة ولا سعيدة بها، فقد كانوا على الضد تماماً منها، ومن الغالبية المنتمية لأمتها، ومازالوا.

فكيف تصرف هؤلاء المثقفين: إسلاميين وعلمانيين، الذين أمضوا أياماً وليالي ساهرين، لحراسة ثورة شعوبهم في ميادين الحرية، عندما حانت ساعة البناء الجديد؟

المزيد من المشاركات
1 من 61

 يحاول هذا البحث، تتبع أداء هؤلاء المثقفين العرب في قضايا: الهوية، والديموقراطية، والإعلام، والوعي والمعرفة.

 

أولاً: قضية الهوية العربية؟

الهوية، في اللغة، هي حقيقة الشيء، أو حقيقة الشخص المطلقة وصفاته الجوهرية والتي تميزه عن غيره[2]. والهوية، في الاصطلاح، إحساس بين أفراد المجتمع، بأن هناك أسساً وخصائص تربط فيما بينهم وتميزهم عن الغير، فهي جملة من العناصر المتداخلة التي تكشف عن المغزى الحقيقي للشخصية الإنسانية، عبر المسارات التاريخية والتحولات الاجتماعية والتغيرات والتطورات الفكرية والثقافية والاقتصادية.

والهوية، عموماً، تتعلق بفهم الناس وتصورهم لأنفسهم، ولما يعتقدون أنه مهم في حياتهم. ويتشكل هذا الفهم انطلاقاً، من خصائص محددة، تتخذ مرتبة الأولوية على غيرها من مصادر المعنى والدلالة،  مثل: المنطلقات الدينية، والوطنية، والإثنية، والطبقة الاجتماعية، وغيرها من المنطلقات[3].

فالهوية، قلعة حصنها الثقافة، وسياجها اللغة، وجوهرها الانتماء؛ الذي به يفارق الإنسان آدميته الغريزية، مرتقياً إلى آدميته المتسامية. فالانتماء، مضمون وبلاغ: أما المضمون، فعقيدة تكفل له الإيمان، وتقيه شر الضياع في الوجود. وأما البلاغ، فلغة تؤمن له التواصل الإنساني الخلاق[4].

والثقافة، هي المرآة العاكسة لهوية المجتمع وقيمه، ولهذا ، كانت “الهوية الثقافية العربية”، دائماً، في قلب الصراعات السياسية والثقافية، بين التيارات الفكرية والسياسية العربية طوال القرن الماضي.

فمعظم التيارات الأيديولوجية العربية، أرادت بناء فكرة الأمة على أساس مرجعيتها الأيديولوجية فقط، والتي عليها وبسببها انقسم المثقفون العرب إلى إسلاميين وعلمانيين. فلم تفرق تلك التيارات، بين بناء الهوية كجامع لأفراد الشعب والأمة؛ بوصفها تأسيساً واعياً للأمة والمجتمع ومن ثم الدولة ، وبين بناءها باعتبارها صراعاً تاريخياً نزاعياً مع أعداء داخليين، يفضي إلى تشرذمها، وفقدانها لأهم ما يقوي لحمتها الداخلية، ويمتن نسيجها الاجتماعي والسياسي، ويهيئها لكل انطلاق حضاري[5].

والغريب، أنه رغم كل محاولات القوى الاستعمارية خلال احتلالهما لمعظم بلدان العالم العربي، في النصف الأول من القرن العشرين؛ لطمس الهوية العربية وتشويهها،، إلا أنها لم تفلح في إثارة تلك القضية وتحقيق ما رغبت فيه، مقارنة بما فعله المثقفون العرب، من كل الاتجاهات، في هذه القضية.

فعلى الرغم، من كل محاولات التجزئة والتغريب، ومحاولة بث الفرقة بين الطوائف والملل والعقائد الدينية، عبر التعليم والثقافة والقيم الدخيلة، وعبر اصطناع الأعوان الذين يبثون هذا كله، إلا إنهم فشلوا في أن يقنعوا عامة الشعوب العربية بكل ذلك، وفشلت كل المحاولات في أضعاف الهوية العربية الإسلامية لشعوب أمتنا، وإحلال هويات محلية بديلاً عنها.

لكن النخبة العربية، التي تولت زمام الأمور في مراحل التحرر من الاستعمار، بدءاً من عشرينيات القرن الماضي حتى اليوم هي التي نجحت في ذلك تماماً بكل أسف. فقد قامت طوال القرن الماضي، حروب طويلة على الهوية بين المثقفين العرب، من مختلف التوجهات الأيديولوجية، بدأت بين الوطنية والقومية، وبين العروبة والإسلام، وبين الانتماء لعالم العرب والمسلمين وبين الاندماج التام أو الجزئي في الحضارة الغربية. وكانت المعارك الكثيرة بين: القديم والجديد، والتقليد والحداثة، والمحافظة والتجديد، والجمود والتحرر، والرجعية والتقدمية … إلخ ، كانت كلها أسماء لمعركة واحدة، هي : الصراع حول الهوية وعليها.

وطيلة قرن كامل، راح المثقفون العرب- من كل الاتجاهات-، يعيدون بناء مفاهيم مغايرة، وبمضامين مختلفة للهوية داخل الوعي العربي. فرفع البعض، شعار العروبة ليستبعد الإسلام، ورفع البعض شعار الأممية ليستبعد الإسلام والعروبة، ورفع البعض شعار الوطنية ليستبعد الإسلام والعروبة، ورفع البعض شعار الإسلام، ليستبعد الوطنية والعروبة.

والناظر في هذه المحاولات، لقسر الهوية وقصرها على جانب واحد من جوانب الشخصية العربية، مهما تدثرت: بالعروبة، أو الإسلام، أو الدولة الوطنية، أو الخصوصية الطائفية، أو المجتمعية، أو الأممية، يجد أن المثقفين العرب، قد بذلوا طاقة هائلة، لإقامة جدران بين الجماهير العربية، وبين هويتهم الجامعة المتنوعة أقرب إلى المتاريس منها إلى النوافذ، مما أدى لتفاقم مشكلة الهوية بدلاً من حلها.

فقد ظل المثقفون العرب، أسرى “سؤال الهوية”، الذي فرضته المعتقدات المتعارضة التي اعتنقها كل فريق منهم، والتي لا يزالون يختلفون عليها. فالكل دخلوا حرباً، جاوزت القرن، من أجل تحديد الهوية العربية. وكان الكل في ذلك، أدرك أو لم يدرك، يوظف جزءاً من هويتنا، كغطاء لحكمه وسيطرته، وفرض مرجعيته على الأمة، بما يتفق مع حاجته السياسية. وكانت حروبهم، حول “هوية السلطة”، لا “هوية الأمة”.

نادى الإسلاميون، بالحفاظ على الهوية من الغزو الأجنبي وأتباعه، من مختلف التيارات الفكرية الوافدة، وأدعوا أن المجتمع العربي مهدد في عقيدته، ووجدانه، وثقافته، ووجوده كله، ورفضوا أي حوار حول مكونات أخرى للهوية، سوى المكون الإسلامي، واتهموا: العروبيين، والليبراليين، والماركسيين في انتماءهم للأمة.

واعتقد المثقفون العلمانيون، من: ليبراليين، وقوميين، واشتراكيين، وماركسيين، أن القومية أو الوطنية هي الهوية الجامعة، في إطار علماني بفصل الدين عن الدنيا، ويدمج الفرد العربي في حضارة عصره، ولم يعيروا الهوية الدينية كثيراً من اهتمامهم. فأعلى العروبيون، من شأن اللغة والتاريخ باعتبارهما مركز الهوية العربية، ورجع الكثيرون لماضيهم الغابر يستمدون منه هويتهم، وركنت الأقليات إلى لغاتها ودياناتها ومذهبياتها في دول المشرق والمغرب، وصارت القبلية الدينية المحافظة بؤرة الهوية في الدول الخليجية، واتهموا، كلهم الإسلاميين، كما أتهمهم الإسلاميون من قبل، بإشعال حرب هويات وفتن طائفية.

وكانت المحصلة، دائماً، طيلة قرن كامل، استقرار الاستبداد والفساد، وزيادة تشوش هوية الفرد العربي، التي كانت محلاً لحروب القبائل الفكرية، والتي خرجت منها ذئاب الحكم ووحوشه الضارية وحدهم منتصرين، مستقرين على كراسي الحكم، سعداء بحروب الهوية الوهمية، التي وظفوا فيها هؤلاء المثقفين خير توظيف، لإلهاء المواطن العربي عن أولوياته الحقيقية، وإرباك هويته العربية، بين: الدين، والوطنية، والقومية، ففقدها جميعاً، وصار سجين الاستبداد والتشتت الهوياتي معاً.

الفرصة الضائعة

كانت الثورات العربية، وما تراكم من خبرات- طيلة قرن كامل-، فرصة سانحة للمثقفين العرب، لبناء هوية عربية جامعة للجماهير التي خرجت تعلن عن رفضها لكل أنواع الشموليات واحتكار الصواب وتفريق الأمة. وكان الأمل، كبيراً، في دور فاعل للمثقفين العرب من مختلف الاتجاهات، في معالجة قضية الهوية خلال تلك المرحلة، من خلال عرض وتأصيل الأفكار التي تحدد أولوية انتماء الأمة، والإعلان عن رؤيتهم من خلال وسائل التعبير المتاحة لهم وإقرارها، وإقناع جماهير الشعوب بها، خاصة أن التيارين الرئيسين في الأمة: القوميون والإسلاميون، قد قطعا شوطاً طويلاً في الحوار والنسيق والتعاون، على وأد كل قضايا الخلاف المفتعل حول هوية الأمة، قبل اندلاع الثورات، وأن معظم الإيديولوجيات الأخرى من ليبرالية وماركسية، لم تعد تقف من العروبة والإسلام نفس الموقف المتصلب في العقود الأولى من القرن الماضي[6].

فالكل أدرك، قبل الثورات من خلال مراجعاته-في عصر العولمة، والأمركة تحديداً، والعودة للاحتلال السافر للأمة في العراق، والمشروعات المشبوهة لإدماج إسرائيل في المنطقة العربية، واختلال موازين القوة في المنطقة، وتراجع معظم الأنظمة عن القضايا العربية، ومع تفاقم سطوة الإعلام الداعي، لاندماج العرب في عولمة استهلاكية، والتنازل عن هويتنا، والسير في طريق حصار الهوية والثقافية العربية، وتغليب الخصوصيات الوطنية عليها، وعولمة مضامينها، لتتخلى عن مكوناتها لصالح العيش بسلام مع عدو لئيم، بحثاً عن تطلعات كل فرد الذاتية في عالم الحداثة السائلة، في ظل لحظة نظام ثقافي اجتماعي وصل إلى نهاية مساره-، أن هويتنا مهددة، وأنها، أيضاً، قارب النجاة والجامعة لكل ما اختلفنا عليه، والقادرة على صهره كله في بوتقتها لنبدأ مهام أمتنا من جديد[7] إن فهمناها بمعناها الصحيح الجامع.

وأدرك المثقفون العرب، أن الثقافة العربية، التي هي روح الهوية للشخصية العربية، هي المتبقي الوحيد الآن كجامع مشترك بين العرب. وهي، التي يمكنها أن تعالج كل الاحتقانات، التي طالت جسد العرب، وتعالج أمراضهم السياسية والاجتماعية التي تكاثرت عليهم، فأوهنت نظام اجتماعهم السياسي، وقلوب وعقول الحكام والمحكومين، إن هم اجتمعوا على بلورة هوية الأمة التي تعكس ثقافتها كما تعتقدها وتحياها وتريدها.

وكان المؤمل، أن تسهم الثورات العربية- من خلال هؤلاء المثقفين-، وهي في طريقها لبناء الهويات الوطنية لكل قطر عربي ثائر، في بلورة الهوية العربية الجامعة، وأن ترفع الخلاف الوهمي بين العروبة والإسلام والوطنية، وبين انتماء أمتنا لعالمنا وعصرنا، وتصالح بين التيارات المختلفة في مركب جديد ناضج، فتنتج هوية جديدة لزماننا، تحتفظ بكل قيمنا، ومثلنا، ومنطلقاتنا الحضارية، وتغرسنا في عالمنا شاهدين واثقين في أنفسنا، نعلم تماماً من نحن، وأين نعيش؟ ولماذا وكيف؟

هوية ثقافية عربية جديدة، تحقق شراكة وجدانية وفكرية، بين تيارات الأمة المختلفة، تجمعهم على التصدي لقضاياها الحقيقية، وحاجات شعوبنا الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي طال إهمالها، عبر رفع وعي العربي الجديد، بهويته الجديدة، وبأولوياته ومهماته في الحاضر والمستقبل.

هوية، تجسد ما بدأته الثورات، بالفعل، في ساحات الحرية وبعد مغادرتها بقليل، منسجمة مع أهدافها وتطلعات شعوبها، في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والشهود الحضاري، والتي تجسدت في المجتمع الذي نما في ميادين الحرية.

فالهوية، بالنسبة للثوار، الذي ملأوا الميادين وعمروها، كانت أمراً محسوماً وبسيطاً: فهم يعرفون أنفسهم كما هم بالفعل، لا كما يفعل المثقفون وقادتهم السياسيون: فالمصري المسلم ، يرى نفسه مسلماً ومصرياً وعربياً، لا مشكلة لديه في ذلك، ويعيش في إطار حضارة عربية إسلامية، تطمح لتكون شاهدة على عصرها، ومثله المصري المسيحي، هو مسيحي عربي، يعيش في إطار ذات الحضارة، ولا يقلقه، سوى أن يخدش أحدهم انتماءه هذا، أو يشكك فيه، أو يقلل من إسهامه فيه: هوية متعددة متحدة منسجمة، تجمع الجميع وتسعهم بل تثريهم، وقل هكذا عن باقي الإثنيات العرقية أو المذاهب الدينية، في بلدان الربيع العربي.

لكن الأمر، لم يكن كما حلم وتمنى كل عربي، خرج ثائراً على نظم بالية، وحكومات فاسدة، ونخب فاشلة. فقد كان للسياسيين والنخب الثقافية المؤازرة لهم، رأي آخر. وتفجرت التناقضات المفتعلة، في كل مجتمع بفعل هؤلاء المثقفين، من كل لون سياسي، فقد رأوا الناس والمجتمعات العربية من منظارهم الخاص، وتطلعاتهم ومصالحهم، بل وأوهامهم الخاطئة الكثيرة، فحاولوا أن ينقلوا للمجتمعات أمراضهم، فقامت قيامة المجتمعات، ولم تقعد حتى الآن، وإلى زمن ليس بالقصير في المستقبل الآتي.

لقد أحدثوا شروخاً كبيرة في الشخصية العربية، ونظرتها لهويتها؛ فتشكك أتباع الإسلاميون في كل من يخالفهم، وتطير العلمانيون بالإسلاميين، والإسلام ذاته، أو التوجهات التي تتبنى الرؤية الإسلامية، وتشكك كثيرون في عروبتهم؛ بعد خلط مواقف الحكومات بمعنى العروبة والانتماء إليها، والشعوب العربية وعلاقاتها معاً.

وقد عشنا في مصر، مثلاً، فترة من أصعب فترات حياتنا، ومازلنا نعيشها. كان الأمر، قبل الثورات في موضوع الهوية، لا يتجاوز النخب الحاكمة والمنشغلة بالمشهد السياسي؛ وإن تجاوزها فلشريحة معينة من أتباع كل فصيل سياسي، ثم عشنا في الثمانية عشر يوماً في ميدان التحرير، وباقي ميادين الحرية في مصر وبعدها بقليل، أفضل لحظات انصهار المجتمع المصري في هوية جامعة، لا مكان فيها لترسبات الماضي البغيضة بين أفراد الشعب الثائرين من: المسلمين والمسيحيين، والإسلاميين؛ بمختلف تلويناتهم وخلافاتهم، والعلمانيين؛ بكل تناقضاتهم وانقساماتهم.

كان الجميع، في الميادين، يحيون حياة، لطالما دعونا الله، ألا تنتهي: احترام لا نفاق فيه لخصوصيات وعقائد الجميع، وتعاون صادق لإنجاح الثورة، ديموقراطية حقيقية في اتخاذ القرار، ومساواة حقيقية؛ بالرغم من الفوارق المادية والثقافية الصارخة التي كانت ظاهرة بين الجميع، واجتمع الكل على أن يكونوا معاً لبناء المستقبل الجديد.

هكذا عشنا في الميدان، وهكذا عزمنا عندما نعود للميدان الأوسع في مجتمعنا المصري، لنعيد بناء مصر العربية الإسلامية المنتمية إلى الإنسانية، فقد انفتح المصريون على السياسة والثقافة، وبحثوا عن طريق لحياتهم جديد، وتعريف لذاتهم ومهمتهم في الحياة: بسيط، ومعبر، وغير إشكالي على الإطلاق، كما حدث فيما بعد.

لكن هذا كله لم يدخل في حسابات المتلاعبين بالهوية لصالح الأيديولوجية الضيقة، وبدأ استفزاز الهوية، والغرق في مفاضلات لا جدوى منها، بين: إسلامية ووطنية. وانقسمت الأمة إلى أقسام، وانقسم كل بلد إلى فرق متنازعة، وانقسم المثقفون مجدداً إلى فرق متصارعة.

فقد تطور الأمر بعد الثورة بقليل تطوراً خطيراً، فإذا بالمصريين يجدون عشرات الأحزاب والجماعات، وعشرات الصحف والمجلات، وقنوات الفضائيات، وصفحات الفيس بوك، التي تدعو لحرب بكل معاني الكلمة، بين الإسلاميين والعلمانيين، بين دعاة التنوير ودعاة التزوير، بين أمل الأمة وخونة الأمة، وعشنا جواً مشحوناً بالعنف اللفظي والبدني، ولم تفلح كل محاولات العقل لوقف هذه الحرب حتى اليوم.

فقد خرج المارد الإسلامي من القمقم، بقيادة الإخوان وتبعهم السلفيون، وتعاونوا معاً؛ على حذر شديد فيما بينهم، على خلاف ما يعتقد كثيرون، وحاولوا أن يملأوا المشهد ويسيطروا عليه، وكانت المساجد هي بؤر التركز لهم جميعاً، والتي انطلقوا منها، ليشيعوا بين عامة الناس، أن الثورة إسلامية، وأن الدين في خطر.

وعلى الجانب الآخر، كان عتاة العلمانيين، للأسف يؤلبون الطبقات المتعلمة، والشباب الثائر والأقليات، والفئات الخائفة من المسلمين والمسيحيين، على هويتهم وطرق حياتهم، من طوفان جارف من الإسلاميين.

حاولت القوى الإسلامية الطامحة للحكم، والتي ضربت بكل تعهداتها قبل الثورات عرض الحائط، استرجاع العصر الذهبي الوهمي للمسلمين، فصنعت أسوأ كارثة حلت على العرب والمسلمين في تاريخهم الحديث، فأنتجت دماراً شاملاً، وفشلاً كاملاً للثورات، ويأساً تاماً للمواطنين العرب من الخروج من عهود الاستبداد والظلام. وعاشت الأمة، ولا تزال تعيش، حرب الإسلاميين على أمتهم، التي رفعتهم إلى دست الحكم، لتجدهم وقد انشغلوا بتحقيق مجدهم، والسيطرة على مقدرات مجتمعاتهم لصالح أوهامهم.

فقد تغلب حلم الخلافة لديهم، على أحلام الأمة في التحرر والديموقراطية الحياة الطيبة، ودخلت مجتمعات الثورات في أتون معركة مستمرة يومياً، وحرب ضروس على أعداء الأمة من مختلف التيارات التي كانت بالأمس شريكة، والشباب الذين قادوا الثورات، وشركاء المصير من المسيحيين وغيرهم، فصاروا أعداء الأمة، والرافضين لعودتها إلى هويتها، ويكأنهم الوصاة الذين أعطتهم السماء حق التحدث باسمها، وصار ترويع الناس، والتفتيش في نياتهم، وتصنيفهم بحسب قربهم أو بعدهم عن الحكام الجدد، هو معيار الانتماء.

وقامت القوى التي تدعي المدنية، متسلحة بكل أسلحتها الفكرية والإعلامية، لا لتقاوم حماقة الإسلاميين بمختلف فصائلهم، ولتقود حواراً هادئاً، تكشف فيه للشعوب، زيف الهوية التي يدعيها الإسلاميون، وخطورتها على الأمة، وكذب ادعاءاتهم عن علمانية تقصي الدين، أو عن تغريب مقصود للأمة، أو عن خيانة للنخبة، لا لم يفعلوا ذلك، لكنهم استخدموا نفس المنهج، ونفس الأساليب، وتصيدوا للإسلاميين الأخطاء، وضخموها ونسبوها للدين؛ والدين، منها ومنهم ومن الإسلاميين براء، حتى اشتعلت الحرب بين عامة الناس، بين: مؤيد لهذا، ورافض لذاك.

وتم تصوير الصراع السياسي، على أنه صراع بين الإسلام والعلمانية، وأنها معركة الأمة للدفاع عن دينها أو عن مدنيتها، وهو تزييف فاضح للحقائق، وتزوير فج لما أراده الناس- عندما خرجوا في الساحات والميادين، جنباً إلى جنب، من كل: دين، وطائفة، ومعتقد، واتجاه سياسي، أو طبقة اجتماعية أو اقتصادية -، تم لصالح القوى المهيمنة والمنتفعة، من تغذية الشعور الزائف بأوهام الهوية النقية، التي تتعرض للخطر في لحظة الثورة، وأنها الفرصة والمعركة الأخيرة، التي يجب حسمها، لتبدأ بعدها الأمة في النهوض.

حتى وصلنا لما يراه ويعرفه ويعاني منه كل عربي اليوم، صارت الهوية لعنة وشواظاً من نار يحترق به العرب، بدلاً من أن تكون سياجاً يقيهم الفرقة والانقسام. وتشتتت مصر وليبيا وسوريا واليمن، بعد تشتت العراق والسودان من قبل، بين هويات لا حصر لها : دينية، وطائفية مذهبية، وإثنية وعرقية، حتى كفر الإنسان العربي بها كلها، وطفق يبحث له عن مهرب وملاذ، في أي مرفأ من مرافئ الحرية في أوروبا، أو في منافي الذات، أو الهويات الأولية.

ولو تساءلت، الآن، بين عموم وبسطاء المصريين، أو الليبيبن، أو السوريين، أو اليمنيين، عن هويتهم ستجد ما لا يسرك من الإجابات، بل ما يصدمك، وستجد أن عامة الناس، لم يعودوا يطيقون سماع أو رؤية الإسلاميين؛ إن كانوا ممن اكتوى بنار فشلهم، ومن ثم الحديث عن هوية إسلامية اقترنت لديهم بالخراب والتقسيم والقتل على الهوية، أو سب العلمانيين ولعنهم وتوعدهم بكل شر، إن كان من أنصار الإسلاميين، الذين يظنون أن هؤلاء هم سبب نكبتهم، أو سلبية حزب الكنبة الذي لا تعنيه، ولا تدخل في إطار ما يفكر فيه، قضايا الهوية؛ والذي تسدد كل النخب له سهام نقدهم، حيث فقد أهم ما يريده: الأمن، والعيش، والعمل، جميعاً.

وبعد أن كان المواطن البسيط، في قرية نائية، مثل قريتي التي أعيش فيها، يحدثك عن الثورة، وكيف غيرت مفاهيمه للحياة، وكيف أعادت له توازنه النفسي، وكيف تفتحت عيناه على دور لطالما اعتبره وهماً، يقوم به في بناء مصر والعروبة ودائرته الإسلامية، انكفأ هذا الإنسان على نفسه، وعاد يفتش عن ولاءاته الأولية السابقة، يحتمي بها من طوفان الفشل، الذي صاحب حروب الهوية ونتج عنها. وصارت الوطنية والعروبة والإسلام، مصدر إزعاج ومحل نفور، بعد أن استعاد الاستبداد عنفوانه، وأظهرت نخب ما بعد الثورات، مقدار فسادها وفشلها.

لقد كان المؤمل، أن تقوم نخب الثورات ومثقفيها بحل أزمة الهوية في المجتمع العربي، بكل أبعادها: السياسية، والثقافية، والاجتماعية، واللغوية، بالغة العمق، بتنمية ذاتية الإنسان العربي، وتأكيد شخصيته، وتنويع جوانبها، بالشكل الذي يجعل كل أبناء مجتمعاتنا من ذوي البعد الهوياتي الواحد، مزيجاً متناسقاً، يتقبل وينتمي لكل الأبعاد، عميق الإحساس بهويته العربية الثرية. وذلك من خلال سؤال الناس، والحصول على آرائهم، ومن ثم اتجاهاتهم الرئيسية، نحو قضية الهوية، ومعرفة  الأولوية التي يمنحها الفرد لانتمائه: قطرياً وعربياً وإسلامياً، وكيف يمكن التوليف بينها في خلطة واحدة، من خلال حوارات إيجابية، تنتج هوية دافعة لتماسك مجتمعاتنا، وتوجهها نحو بناء عالمها الجديد بعد الثورات.

لكن، بدلاً من ذلك، قام المثقفون العرب، في زمن الثورات، بإشعال حريق في نفوس العرب، هدم هويتهم الجامعة ولأمد غير معلوم.

ثانياً: الديموقراطية

الديموقراطية، نظام سياسي، يقصد به إدارة شئون المجتمع على قاعدة المشاركة الشعبية الحقيقية، المؤدية لأن يتولى الحكم أقدر الأحزاب، والأفراد المؤمنين بأنهم خدم لمجتمعاتهم، وأن توليهم المسئولية أمانة يحاسبون عليها من شعوبهم، تقتضي منهم أن يسيروا في مجتمعاتهم سيرة حسنة تضمن لجميع أفرادها حقوقهم كاملة، وتهيئ لهم من الأجواء العامة ما يعينهم على القيام بواجباتهم تجاه أوطانهم خير القيام.

فالديموقراطية، نظام للحكم، وليست أيديولوجية. وهي، حصيلة تفاعل: نخب، ومجتمع، وتطور تاريخي لمجتمع يعرف وجهته من خلال مجموعة عناصر تشمل: بنية، وآليات، وممارسات سياسية، تقوم على المشاركة الواسعة، في ظل مجتمع و دولة له قيم وقواعد مقررة، ومتفق عليها، تؤمن بهذا كله وتؤمنه.

وأهم ما في الديمقراطية، هو طاقتها الاستيعابية، وبخاصة في المجتمعات المتعددة والمتنوعة: الإثنيات، والأعراق، والأديان، والمجتمعات التي عانت طويلاً من الاستبداد والفساد. فهي، توفر أرضية محايدة لتلتقي عليها المذاهب والعقائد الفكرية والدينية والاجتماعية المتنافرة، بحيث تتمكن من التعامل مع الشأن الوطني والسياسات العامة، استناداً إلى قواسم مشتركة وتوافقات طوعية حرة تضمن للجميع التمثيل الحقيقي والوجود الآمن، وتحقق لهم العدل وبيئة النمو الطبيعي التي تسهل تحقيق المساواة فيما بينهم[8].

وقد وصلت أحوال الديموقراطية في عالمنا العربي- قبيل الثورات العربية- إلى أدنى حالات هبوطها، فلقد توحشت معظم النظم العربية على شعوبها، ودخلت بعضها في مراحل توريث الحكم من الآباء للأبناء، وزاد التضييق على الحريات، وضاق المجال العام، ولم يتسع حتى لكلمات بسيطة في: فضائيات طائرة، أو صحف ومجلات سيارة، أو مجتمع مدني، يحاول نشر الوعي بين المواطنين العرب، أو تواجد بعض المعارضين، في تمثيل صوري في مجالس وحكومات يهيمن عليها الرئيس أو الملك، أو السلطان الضرورة.

وكثرت الكتابات، من كافة المعارضات العربية بمختلف أطيافها السياسية: إسلامية، وليبرالية، عن أهمية بناء ديموقراطية حقيقية في مجتمعاتنا العربية. وتبارى كل المحجوبين عن الشرعية، والممنوعين عن الشارع؛ من المجازين للمعارضة من السلطات المستبدة، في بيان أهميتها وفي ضرورتها[9].

وأيقن الجميع، أن الاستبداد هو عدوهم الوحيد، وتعاهدوا جميعاً على العمل والتعاون لبدء عهد جديد للتخلص من الديكاتوريات العربية، عنوانه التعاون، وعدم الإقصاء، وعدم محاسبة النيات والعقائد، ورفض كل انتهاك لحقوق الإنسان. وأقر الجميع، بأن الديموقراطية، كوسيلة للتداول السلمي للسلطة، والقبول بالرأي والرأي الآخر، واحترام حقوق الإنسان، هي السبيل لبناء مجتمعاتنا العربية[10].

وحلف الجميع، كل الإيمان المغلظة وغير المغلظة، لدعمها وعدم النكوص عنها والاحتكام إليها، وآمن الجميع أنها ثقافة قبل أن تكون إجراءات، وأنها توافق قبل أن تكون تغالب أو تناحر، وأنها إطار لتمثيل الجميع لا حلية لتزيين نظام واحدي شمولي؛ أيا كان مسماه، وأنها سبيل للتعددية وحفاظ على وحدة المجتمعات، وسبيل لبناء وحدة عربية حقيقية.

فماذا حدث بعد الثورات ؟

كان سؤال الديموقراطية، ملازماً لسؤال الهوية، وكان المثقف الثوري الجديد، المتسلح بنقده الذاتي ومراجعاته حول الديموقراطية، وأسباب فشلها في مجتمعاتنا العربية، هو المنوط به الإجابة على السؤال المعضل، الذي أعجز أجيالاً عربية عن الإجابة الصحيحة عليه، وحرمها، طوال قرن كامل، أن تنالها وتنعم بظلالها، حيث لا سجن ولا سجان، ولا تكفير ولا تخوين، ولا تغييب للوعي، ولا استغلال لجهل، أو فاقة، أو معتقد ديني، من أجل الوصول للحكم.

اتجهت أنظار الجماهير العربية، إذن، بعد الثورات، إلي هذا المثقف، ليدلنا على ماذا يمكن القيام به في هذا السياق، للحصول على الوصفة السحرية، لفك طلاسم الديموقراطية، وحل عقدتها بين الشعوب العربية.

وراهنت تلك القاعدة الجماهيرية الواسعة، الثائرة على الاستبداد، والمتطلعة للحرية والديموقراطية، على مثقفيها في: الجماعات الإسلامية، والعلمانية، المنتشرين في: الفضائيات، والجماعات، والجمعيات، والأحزاب الجديدة، وفي الصحف، وفي المنتديات، التي انتشرت بطول مجتمعات الثورة وعرضها، من خلال منسوبيها في: جمعيات، وروابط واتحادات، داخل كل قرية، وحي، طالبة منهم العون للطريق الديموقراطي السليم الذي يضمن لهم: ألا يهانوا ولا يعذبوا، ولا يتجهم في وجوههم صاحب سلطة، ولا يعز لهم طلب أن يطلبوه بملأ أفواههم؛ دون خوف أو وجل.

واستعدت تلك الجماهير لممارسة الديموقراطية، بالانضمام لهذه الجمعيات والجماعات والأحزاب، والروابط الجديدة المختلفة، وجلسوا أمام شاشات الفضائيات، وفي باحات المساجد والكنائس، ومقار الجمعيات والجماعات والأحزاب، وخرجوا أياماً وليالي في الشوارع ، ووقفوا في الطوابير الطويلة في الحر والقر، من أجل أن ينتخبوا من ظنوا أنهم يحققون لهم الأمن والأمان والحرية، التي تعدهم بها الديموقراطية. لكنهم وجدوا صراعاً، ووجدوا أنهم قد ارتقوا مرتقاً صعباً لم يكن لهم به طاقة، فقد تنافس عليهم:

مشروع التنظيمات الإسلامية، التي جاءتهم بخطاب الدين والاضطهاد والمظلومية في يد، وفي اليد الثانية، رضا السماء والمن والسلوى النازل على أيدي الإسلاميين؛ إن هم أعطوهم ثقتهم في الانتخابات، وتركوا لهم تدبير الأمور وتسيير الدولة والمجتمع، وتركوا خطاب التنوير العدائي الذي يستهدف الهوية الإسلامية، ويسرق الثورة لحساب العلمانيين، الذين يكنون للدين كل كراهية.

وحدث العكس في المعسكر العلماني، الذي حمل مشعل التنوير والدولة المدنية في يد، وفي اليد الأخرى الكفاءة والخبرة والحياة الطيبة لكل المواطنين، على حد سواء، المسلمين وغير المسلمين، والذي دعا لهجر، خطاب المتأسلمين، الخارجين عن هوية الأمة ودينها الحق، دعاة الفرقة والتمييز الديني، مشعلي الحرائق الطائفية.

ومضى مثقف كل قبيلة، يروج لبضاعة قبيلته بكل ما أوتي من قوة بيان وحجة، حتى استقر في أذهان أتباع كل فريق أنهم أهل الجنة، والآخرين هم أهل النار هم فيها خالدون. واعتقد كل مواطن، أن نجاته ونجاة أمته- إلا قليلاً ممن يعقلون-، في إتباع ما يقوله قادة حزبه، أو تياره، فهذا هو سبيل الحفاظ على الهوية وبناء الأمة، وتلك هي الديموقراطية.

استراتيجية إفشال الديموقراطية

أخذ كل مثقف، ينتمي إلى أحد التيارين الرئيسين بعد الثورات، بأدواته وفي نطاقه، على عاتقه تنوير الناس، بالطريق الديموقراطي القويم. فلجأت التنظيمات الإسلامية والعلمانية، إلى مخاطبة الوجدان بدلاً من العقل؛ وتهييج العواطف بدلاً من تربية الملكات والقدرات الذهنية والعملية، وتأليب الضمائر عوض التقصي والتحري، ونبذوا جميعاً الخطاب المعرفي؛ الذي هو جوهر خطاب المثقف ومركز رسالته.

وبدلاً من وجود خطة وبرنامج، تتفق عليهما أوسع قوى سياسية ممكنة، لضبط عملية التحول الديموقراطي وتوجيهها[11]، عمد الجميع إلى العكس عبر التهييج، واستدعاء ذاكرة العداء والكراهية، وتضخيم الفروق الثقافية والدينية، وبث الإشاعات ونشر الأكاذيب، حتى تلوث الجميع، وساد الشك ساحة السياسة بفعل المثقف الخائن لدوره ووظيفته[12].

وفي هكذا بيئة، لا يمكن أن تبنى ديموقراطية، فعندما تتشوش الهوية، فلا تسأل عن ديموقراطية بين أبناء وطن، يظن كل واحد منهم أخيه عدواً له، أو على الأقل خصماً لابد من الانتصار عليه . وكما يقول عزمي بشارة ” لا تقوم الديموقراطية، في مجتمعات موزعة الهويات ممزقة، فالمجتمعات الراسخة فقط، الواثقة من هويتها التي يستطيع المرء فيها تعريف ذاته، والمجتمع تعريف نفسه، هي القادرة على أن تبني ديموقراطيات حقيقية، ومؤسسات سياسية فاعلة متينة. لكن تشوهات الهوية، أنتجت تشوهات الديموقراطية، لأننا انقسمنا، أو بالأصح تعمق انقسامنا، إلى علمانيين وإسلاميين وما بينهما … والانقسام إلى هويات متضاربة،” نحن” و” هم “، يؤدي لاستيراد جدلية العدو والصديق، إلى داخل الكيان السياسي، فما يصح ل” نحن” لا يصح ل” هم “، فعلاقة نحن وهم، تؤسس لمعايير مختلفة، وتتسق مع إنتاج جماعة عصبوية، وهي تعوق التعددية السياسية في الإطار ذاته، فانقسام المواطنين خلال عملية التحول الديموقراطي إلى نحن وهم، وتحريض القوى السياسية ضد بعضها البعض، وتعبئة الإعلام على ذلك، تنذر بخطر محدق بالديموقراطية ذاتها، كما أن الانقسام الديني العلماني يفرض على المجتمع هويات غير قائمة، ويصنع هويات لتبرير تحويل التنافس إلى عداء[13].

عقل قديم في عالم جديد

كيف يمكن في مجتمعات لا تعرف هويتها، وتدير معاركها الكبرى حول هويات أحادية زائفة، تستنزف فيها طاقاتها، وتهدر فيها أفضل كفاءاتها، أن تبني مؤسسات ديموقراطية؟

إن الديموقراطية: دساتير، تعكس هوية الأمة وتوجهاتها، وتحدد واجبات وحقوق كل فرد فيها، وتحفظ كرامة كل من يحيا فوق أراضيها. وقوانين، تستمد من هذه الدساتير، تقوم عليها الانتخابات التي تعكس تمثيل جميع قوى الأمة الحية. ومؤسسات سياسية واجتماعية وثقافية؛ من أحزاب ونقابات وجمعيات، تُكَون سياجاً واقياً ضد أي استبداد. واجتماع سياسي متين، له قيمه الديموقراطية الراسخة، المؤدية لبناء مواطن حقيقي، يعرف هويته ووجهته وأولوياته، ويؤمن بتلك الديموقراطية إيماناً يدافع به عنها بروحه.

لكن الكيفية التي تم من خلالها النقاش حول الديموقراطية بعد الثورات، كانت مغايرة، تماماً لذلك. لقد أخذت الوجهة الحزبية الضيقة، للاستحواذ على الدولة والمواطنين معاً، عبر تشكيل هوية أحادية لكل فصيل فكري سياسي، مضادة ومصطنعة لعداوة زائفة لباقي مكونات الهوية العربية.

لقد استعرت حرب الهوية، خلال السنوات الثماني الماضية، في بلدان الربيع العربي، فكانت الديموقراطية هي الضحية: هوية مفتتة، ودساتير شوهاء، وقوانين عرجاء، ومؤسسات هشة ضعيفة، وانعدام تكوين حقيقي للمواطن الديموقراطي، فكان ما كان من عودة الاستبداد، أسوأ ما يكون في دول الربيع العربي؛ إلا قوم تونس، لما أدركوا، سريعاً، مآل ما هم داخلون عليه من ضياع، فانخلعوا متراجعين عن الاستبداد، والاستحواذ ومعاندة التاريخ، فنجوا من عذاب الخزي الاستبدادي؛ الذي تذوقه مصر واليمن وليبيا وسوريا، إلى حين.

فلم يشأ أحد من المتنافسين، على كسب رضا الجماهير العربية، من الإسلاميين أو العلمانيين، أن تتحقق ديموقراطية حقيقية، يكون الحكم فيها فعلاً لا قولاً، وجوهراً لا شكلاً، للشعب ذاته عبر مواطنيه ومؤسساته. ولم يرد، أي منهم، المواطنة والمساواة الحقيقية بين أبناء الشعب الواحد، فلم يقتنع أي منهم- كما شهدنا-، بأنه يقف على قدم المساواة مع أخيه المواطن[14].

لم يؤمن الإسلامي، بالإسلام الحقيقي؛ الذي لم يكن يوماً مانعاً لديموقراطية حقيقية، وهو الذي ساوي بين جميع البشر، لا بين المواطنين فقط في: الحقوق والواجبات، والحريات، والكرامة الإنسانية. وهو الذي، دعا لتحرير الناس- كل الناس-، من نير العبودية؛ لأي كان من البشر، أو المؤسسات، وتمسك بصلاحية وتقريظ كل نظام لا يظلم عنده أحد، وبكل مؤسسة تحقق لكل مواطن أن يطلب حقه، ويؤدي واجبه، غير متعتع ولا خائف.

فالإسلام، الذي لا يقدس أمة تهاب ظالماً، أو تخشى في الله لومة لائم، أو تظلم ضعيفاً أو أقلية، لا يمكن أن يكون هذا التطبيق الشائه الذي قدمه الإسلاميون.

وعلى الناحية الأخرى، لم تكن الديموقراطية في التراث الأوروبي الحديث، والتي أنتجت الحريات داخل أوروبا، والمؤسسات المانعة للاستبداد، والناشرة لجو الحرية والإبداع فيها، هي ما دعا إليه العلمانيون العرب، الذين يتحسسون كل أدواتهم الفكرية، عندما يذكر الدين، أو الذين يلوذون بالجيوش، عندما تلوح أي بادرة لهزيمتهم في انتخابات.

فكر الجميع بالعقلية الحزبية، التي دمرت كل أمل في بناء ديموقراطية تشاركية، تبني دولة لجميع مواطنيها، بعيدة عن كل التحيزات التي ورثناها من تجاربنا السابقة، التي أنتجت دولة الأقلية الحاكمة وزبائنها من: المنتفعين، والمنافقين، العائشين على حرمان الشعب وقهره، بآلة الأمن.

ولم يدرج أي فصيل سياسي، ينتمي لتيار فكري عربي؛ سواء كان إسلامياً أو علمانياً، في دول الثورات، أهم مفردتين في بناء الديموقراطية: الحرية للجميع، والمشاركة للجميع. ولم يحترم أي من التنظيمات التي علا صوتها بعد الثورات، حرية الجميع، ولا معتقداتهم الدينية، ولا حياتهم الشخصية، أو قراراتهم الفردية[15].

غاب العلمانيون، في عالم دولتهم المدنية المنشودة، فخاضوا في المقدسات دون وعي، واتهموا النيات دون هوادة، وتتبعوا السقطات والعورات وقد نهوا عنها، واحترفوا التحالفات السرية، التي تضمن لهم وجوداً دون عناء مع الجماهير، وتملكوا ناصية الإعلام الرافض للثورة والإسلاميين معاً، فوجهوه لخدمة أغراضهم، وتناسوا شعوبهم، وأدوارهم ووظائفهم تجاههم.

ولم يكن الإسلاميون، أحسن حالاً منهم، فقد ضربوا بكل القيم الإسلامية؛ التي لطالما تشدقوا بها عرض الحائط، فتنادوا بأعلى أصواتهم، لبعث هوية الأمة الإسلامية، التي أغار عليها العلمانيون؛ ويكأن الأمة لم تؤمن من قبلهم، وسلطوا غلمانهم في الفضائيات التي امتلكوها بعد الثورات، أو دانت لهم بالسيطرة بعدها، يهتكون الأعراض، ويتوعدون كل من يخالفهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، ودعوا إلى خلافة، هم أول من يعلم مدى زيف الدعوة لها اليوم، وبالغوا في الضرب على وتر تطبيق الشريعة، التي يعلمون جيداً، أنها مجرد شعارات لا مجال لها في الواقع، وادعوا أن ” الإسلام هو الحل”، وأن “مشروع النهضة”، سينقل الأمة، إلى حيث تريد تماماً وأكثر، ودغدغوا مشاعر البسطاء بأحلام وهمية، دون مراعاة السياقات الحقيقية، وحقائق الأمور على أرض الواقع.

وفي ظل هذا الجو، المشحون بالخلافات والمعارك الوهمية، وحروب الهوية، من المستحيل أن تنشأ الديمقراطيات، بل إن هذه الأجواء المسممة، هي أفضل مناخ يتم فيه تدمير كل أحجار بناء الديموقراطية: الوعي، والمعرفة، والهوية.

كشف” الربيع العربي”، إذن، حجم التآكل والضعف في البنية السياسية العربية، والتي لم تعرف سوى القمع والاستبداد، وكشف أيضاً، ضعف الفكرة الديموقراطية الأصيلة، لدى غالبية المثقفين[16]. فقد ظهر أن الدفاع عن قيم الحرية والعدالة، أمراً عارضاً ظرفياً؛ وليس انحيازاً ذاتياً مبدئياً، فهذه القيم تظل حية وقائمة ومشروعة، ما دام المثقف خارج السلطة، أو بعيداً منها، أو على الأقل لا يخالفها فكرياً وأيديولوجياً . ولكنها تتحول إلى ” فوضى” و” مؤامرة”، عندما يرفعها مخالفوه، أو من كانوا يوماً في خندقه نفسه، وناضلوا معه من أجل هذه المبادئ ذاتها[17].

لم يحاول أي من التيارين، الإنصات لصوت الناس، وماذا يريدون؟ وأي ديموقراطية يحلمون بها؟ وكيف يديرونها؟ ولماذا، لأن أحداً من هؤلاء لم يكن صادقاً مع نفسه، في مرافعته عن الديموقراطية. كان كل فريق، يترافع عن قضيته هو، وعن كيفية وصوله للحكم وانفراده به، عبر الديموقراطية والتي طال انتظارهم جميعاً لها، لتحملهم إلى كراسي الحكم، التي حررتها جماهير الشعب وشبابه.

لقد كنا بحاجة إلى الديموقراطية، أولاً وأبدًا[18]، لكننا حصدنا الأيديولوجية أولاً وثانياً وثالثاً، فكان النتاج، عودة الاستبداد شامخاً، بصلفه مجدداً.

ثالثاً: الإعلام بعد الثورات؟

تلعب وسائل الإعلام دوراً أساسياً ومحورياً في العالم كله، فهي التي تقوم بوظائف: إيصال المعلومات للناس وتوسيع مداركهم ورفع مستويات الوعي لديهم، وهي التي تقوم بتعبئة جهودهم تجاه قضايا مجتمعاتهم وعالمهم، من خلال الصحيفة والمجلة والكتاب، والمذياع، والقناة الفضائية، الشبكة إلكترونية … إلخ )، التي تنقل، جميعها، المعارف والرسائل بين الأشخاص والمجتمعات.

فالإعلام الحقيقي، في أي أمة، يصوغ أفكارها وتوجهاتها وقيمها، ويبلور هويتها، ويسلط الضوء على أولوياتها. وهو، مثل الأتون الذي يلقى فيه أصناف متعددة يصهرها بناره المتوهجة، ثم يطلقها وجبات، يزينها للمتابعين له، من الملايين التي: تشاهد الفضائيات، أو تتواصل عبر الوسائط الاجتماعية الجديدة، أو التي تلتف حول الإذاعات، أو تلك التي تدمن قراءة الصحف والمجلات؛ الواعون منهم وغير الواعين، فيحدث أثره في لمح البصر أو أقرب.

والإعلام، كذلك، يشبه الديناصور العملاق، الذي يحتاج دائماً الكثير والكثير من الطعام والشراب، على مدار اليوم حتى يعيش، ولا يمكن أن يتوقف عن الطعام لحظة، فهو إن وجد طعاماً شهياً أكله، وإلا بحث عما يملأ معدته ويشبع جوعته، من كل غث أو تافه أو حقير من الأطعمة.

وقد أكدت النخبة المثقفة، قبل الثورات، بوضوح، أن وسائل الإعلام العربية، لا تعبر عن احتياجات واهتمامات وأولويات المواطن العربي. وكانت صورة الإعلام المنشود، قبل الثورات، كما بينتها المعارضات العربية، لنظم الإعلام الحكومية والخاصة، والتي هيمنت عليها السلطات المستبدة صراحة أو ضمناً، تشمل: نشر المعرفة، والمعلومات بمصداقية بين جميع أفراد المجتمع، وضمان نشر الوعي بأسس الديموقراطية بين أبناء الأمة، وأن يكون الإعلام في خدمة جميع فئات المواطنين، وأن يكون مستقلاً عن الضغوط السياسية، وأن يوصل صوت المواطن إلى الآخرين في المجال العام، وأن يشكل سلطة رابعة لمساءلة الدولة، وأن يكون نزيهاً في ممارساته، وأن يعبر عن وجهات النظر المجتمعية والسياسية والفكرية المختلفة، وأن يمارس حرية التعبير والتحقيق، ودعم المجتمعات المحلية واحتياجاتها، والمساعدة على بناء مجتمع المعرفة، وتعبئة طاقات المجتمع حول قضاياه الرئيسية: التعليم والوعي العام، وغيرها[19].

كما شدد الكثيرون، من خبراء الإعلام والصحافة، قبل ثورات الربيع العربي، على ضرورة الربط بين السياسات الإعلامية والسياسات الثقافية، مؤكدين أن “عدم وضع السياسات الإعلامية في هدي السياسات الثقافية، وتناسي وضع وسائل الإعلام في خدمة السياسة الثقافية، وإعطائها دوراً منفصلاً، أدى إلى تحويل الإعلام إلى وسيلة دعاية للسلطة السياسية وليس للدولة كلها، أو للأمة كلها، ثم صار الإعلام ليس فقط بوقاً للسلطة، بل واحداً من أعمدتها الأساسية، التي تحملها وتحمل سياساتها، وتغذيها بنسغ الحياة، متجاهلاً المجتمع وحاجاته والأمة ومصالحها. لقد ارتبط الإعلام بالدولة في البلدان العربية، كما ارتبط بالسياسة، ولم يعد يخدم، إلا فئة اجتماعية أو سياسية بعينها، وتم تجاهل دوره الثقافي والاجتماعي، ونسيان اعتباره جزءاً من السياسة الثقافية: أهدافاً ووسائل . وأن الثقافة، هي الأساس، والإعلام هو الفرع، وليس من المنطق والمصلحة في شيء، إهمال هذه الحقيقة[20].

لقد كان الإعلام العربي، قبل الثورات، في قمة جوعه وعطشه للخبر الجيد والموضوع الحقيقي يناقشه، لكنه لم يجد البيئة المواتية، فقد طغت الحكومات، وبدأت في التضييق على كل إعلام هادف في الفضائيات، أو الصحف والمجلات: الحكومي منها، والخاص، وأطلقت العنان، لكل ناعق بما لا يفيد، لينطلق فيلوث الوعي ويسممه بما لا يفيد، فانطلقت: صحف، وفضائيات، وبرامج تصرف الناس عن همومهم، وتبعدهم عن قضايا أمتهم[21].

وكانت هناك مصالح محددة للحكومات، وأصحاب الأموال الذين يمتلكون الخاص منها، هي التي تسيطر على المادة الإعلامية المتداولة المنقولة إلى الرأي العام: سياسية، وأيديولوجية، وبالطبع تجارية. ولهذا، عانت وسائل الإعلام العربية أوجه قصور متعددة، بدءاً من السيطرة الحكومية، إلى غياب الحريات في التعبير، وافتقادها لجوهر الرسالة الإعلامية الصحيح[22].

وعلى الرغم من كل هذه المضايقات والهيمنة، ظلت بعض منابر الإعلام، حرة جزئياً، قبل الثورات العربية، وكانت جزءاً من أسباب تفتح وعي الإنسان العربي، خاصة مع مجيئ وسائط التواصل الاجتماعي: الإنترنت، والفيس بوك، والتويتر، واليوتيوب، التي فاجأت الحكومات والمعارضين على حد سواء، وفتحت نوافذ جديدة لتطل منها المعارضات على الشعوب المطحونة، تبصرها بما يدور حولها، وما يحاك لها، وما يدبر ضدها من مؤامرات، ولكن انشغلت الحكومات عن هذا كله بالتوريث، وتأبيد الحكم، في إطار القلة المستبدة الحاكمة، ولم تلق بالاً ولا اهتماماً كبيراً للإعلام الجديد ولا محتواه، الذي تابعه: الشباب، والكبار،، ممن يتشوقون لفجر الحرية والعدل.

وصار الإعلام، ساحة للنقد والهدم والبناء، ومكاناً للحلم بالغد المأمول. ونشأ الجيل الجديد من الشباب العربي، وهو يشاهد الجزيرة، ويتواصل عبر قنوات التواصل الاجتماعي الجديدة، وأصبح الإعلام الجديد، هو نجم العصر، ومفتاح توصيل الأفكار لكل بيت.

ولكن ماذا حدث بعد الثورات ؟؟

زادت الثورات، الإعلام العربي الجاد وثوقاً ومصداقية وأهمية في نقل أخبار الثورات والثائرين، وطموحاتهم وهمومهم . ومع تسارع دوران عجلة الثورات، وامتداد تأثيرها بشكل هائل، كان هو القائد الحقيقي، والموصل الممتاز للثورات بين ساحات وميادين المجتمعات العربية. ففي كل الدول العربية التي قامت فيها الثورات، والتي لم تقم قيامة ثورتها بعد، اعتمدت الثورة بالدرجة الأساس على الفضائيات، ثم الصحف ووسائط التواصل الاجتماعي، فقد كان دور الفضائيات- حاسماً ولحظياً – بسبب توفرها في غالبية البيوت، ووصولها لأقصى الأماكن داخل البلدان العربية، ولغتها المفهومة من المتعلمين والأميين على حد سواء، مما جعلها أكثر أهمية من الأنترنت الذي حجب مؤقتاً، ومن الصحف المراقبة، في توصيل أخبار الثورات، وحرارة مشاعرها لأبناء العروبة، لحظة بلحظة، مما كان له أكبر الأثر في نجاحها والحفاظ عليها.

وقد لعبت قناتا ( الجزيرة) ، وغيرها من القنوات العربية، بالإضافة للقنوات الغربية التي تبث باللغة العربية، دوراً استثنائياً في نجاح الربيع العربي، فقد كانتا الموجهتان الرئيسيتان، عن قصد، للمليونيات العربية.

ولا أستطيع، أن أنسى وجود قناة الجزيرة، معنا في ميدان التحرير، في أصعب اللحظات، ومنها يوم وليلة الجمل، حيث كانت تبث بثاً مباشراً، وقت كنا نقتل، ونصاب، ونهاجم، من بلطجية حسني مبارك، في ظل انسحاب قوات الجيش عن الميدان، وعدم تدخلها نهائياً بيننا وبينهم، حتى انقشع ظلام ليلة الثلاثاء الطويل، وبزغ فجر الأربعاء الباسم بهزيمة الفلول.

فقد كان إعلام قناة الجزيرة، وسط الحدث بيننا، ونحن نضرب ونقتل في موقعة “الجمل”، يغطي ما يحدث لنا، وهو ما أعطانا أملاً كبيراً في نقل الصورة لباقي أبناء مصر، ليعرفوا حقيقة ما يحدث، وغدر النظام الذي يحكم، وهمجيته في التعامل مع متظاهرين عزل؛ لا يملكون سوى سلميتهم، وحلمهم بالحرية والعدل.

كان المؤمل، إذن، أن يركز المثقفون العرب: الإعلاميون، الذين يقومون بأدوار المعدين والصحفيين والمذيعين وغيرها من وظائف الإعلام من ناحية، والمثقف العمومي الذي كان وجبة دسمة للإعلام العربي، اقتات عليها لسنوات ست، خير ما يقتات عملاق ضخم، على وجبة ساخنة شهية من ناحية أخرى، والمثقف الناقل الجسر، في: الحارات، والقرى، والأحياء الشعبية، ممن يقودون الرأي العام المحلي، طبقاً لما يقوله مثقفوهم العموميون، ويبثونه عبر الإعلام بمختلف تجلياته ووسائله من ناحية ثالثة، أن يركز هؤلاء جهودهم على وسائل الإعلام، لتغيير محتواها، وتغيير قواعد عملها، وكيفية تلقي أبناء العروبة لها بوعي لا زيف فيه.

وأن يعملوا على إرساء قواعد جديدة لعمل الإعلام والتعامل معه، لطالما طالبوا بها في زمن الاستبداد، وعانوا من ويلات غيابها، خاصة، أن العديد من الإعلاميين العرب ينتمون إلى فئة المثقفين، والعديد منهم ملتزمون بقضايا الأمة العربية، وبإمكانهم، فعلاً، أن يطوروا إعلاماً هادفاً، لو تصدروا مشهد إدارة وتخطيط الإعلام، بشكل مهني وملتزم بقيم الديموقراطية الحقيقية، التي من أجلها قامت الثورات، حتى يساهم في إحداث تغيير جوهري في الساحة العربية.

كما أن اتساع قاعدة هذا الإعلام، وزيادة عدد متابعيه مع الزخم الثوري، كان من الممكن الاستفادة منها في توسيع قاعدة المعارف العامة التي تصل لكل المواطنين، بشكل ميسر وهادف ومشوق، مما يجعل الثقافة متاحة بشكل أكبر لقطاعات أوسع من المواطنين، على الهيئة التي تعجز عنها الوسائل التقليدية للسياسة عن تحقيقها، مثل: الأحزاب، أو الندوات، والاجتماعات، والصحف والمجلات، مما يسهم في كسر الحاجز بين النخبة التقليدية ؛ المعروفة بالمثقفين، والمواطنين الفاعلين، ومواطن حزب الكنبة؛ الذي آن الأوان ليتلقى إعلاماً هادفاً يخرجه من قوقعته، ليشارك في بناء وطنه، بوعي حقيقي، لا زيف فيه ولا تزوير.

كان الطموح كبيراً أن يؤسس المثقف العربي إعلاماً حقيقياً، يعكس هويتنا العربية وفكرنا العربي الجديد وتوجهات ثوراتنا السلمية ويبرز رسالتها وآمالها وحقائقها للعالم من حولنا، ويبتكر أدواته الإعلامية القادرة للوصول إلى كافة مستويات الخطاب في عالمنا العربي الجديد من: متعلمين، وأميين، وقرويين، ومدينيين، وشباب، وكبار، ورجال ونساء، وأطفال، ويقدم لكل منهم أهداف الثورة ومعناها وطموحاتها وما يجب عليه تجاهها، بأفضل الطرق والأساليب والبرامج المنوعة، وليصل إلى عقل وقلب كل إنسان عربي فيزيح عنه آثار عدوان الاستبداد الغشيم ويعيد له ثقته في نفسه وفي مجتمعه وفي حاضره ومستقبله.

وكان المؤمل، أن المال العربي الذي كان بحوزة الأغنياء من قادة الثورات، من مختلف التيارات- وخصوصاً التيارات الإسلامية-، التي امتلكت من وسائل الإعلام الكثير والكثير، وكان لديها المقدرة على تجنيد الآلاف، من الكفاءات والخبرات المخضرمة والشابة في إعلامها الجديد، أن يقوم بجسر الفجوة بين هذا الثورات والمجتمعات العربية من جهة، والحكومات المتخوفة من الثورات من ناحية أخرى في باقي البلدان العربية، والشعوب العربية المتأرجحة بين قبولها ورفضها في الدول المجاورة من ناحية ثانية، ومن ناحية ثالثة توجيه خطاب معتدل جاذب لدولاب موظفي الحكومات المنتمي لهذه الأوطان، الذي وجد نفسه وحيداً بعد سقوط الاستبداد الذي كان يرهقه، وكان يحتاج إلى صوت عقل يوصل له ويطمأنه على غده، وأنه لن يؤخذ بجريرة أنظمة عمل معها لصالح أمته.

وكان المؤمل، كذلك، أن نحصل على إعلام حقيقي، لا يكون الحاكم أو الحزب المهيمن فيه، هو سيد الخبر، ومتصدر النشرات، ومنبع الحكمة، ومستقر الرأي السديد، ولا يكون المعارض هو الشيطان الرجيم، المفسد لأبناء الأمة؛ والذين من واجبهم أن يسدوا آذانهم عن مجرد الاستماع إليه؛ ناهيك عن رؤيته، حتى لا يفسد عليهم استقرارهم ومعتقداتهم وأمانهم.

ومنتهى القول، في مسألة الإعلام: أن كل عربي، ثار من أجل حريته وكرامته، وحياة طيبة لكل أبناء عروبته، كان يحلم أن تستغل إمكانيات الإعلام بأشكاله المختلفة، في تغيير المجال العربي العام، وتعزيز المناقشة الحرة، ورفع مستوى الوعي لدي الجمهور، الأمر الذي يمكن أن يحدث تغييراً جذرياً في المجال العربي العام، وإنشاء مجتمع يرتكز على الحقيقة ويلبي التطلعات الرامية إلى بناء مجتمع المعرفة، وتدعيم قيم المجتمع وترسيخ هويته ونشر العلم والثقافة، بل وتكوين الوعي ودعم الإصلاح داخل المجتمع بدعم قيم المشاركة، والديموقراطية، وحقوق الإنسان، والانتماء وروح الوطنية، ودعم حقوق المرأة، والتأثير في باقي قضايا المجتمع.

لكننا وجدنا إعلاماً غريباً، يخلق المشاكل ويفتعل القضايا، ويضخم التافه، ويهمش الهام من همومنا واحتياجاتنا وأولوياتنا، ويعتمد منهجاً  على النقيض تماماً للثورة، ومكتسباتها وتطلعاتها.

فمن تابع إعلامنا العربي، بعد الثورات، بكل أشكاله؛ سواء المؤيد لها، أو المتحفظ عليها، والمعارض والرافض لها، ومن تابع الخطاب السياسي العربي: الإسلامي، أو العلماني، وتابع آراء منظري كل تيار من هؤلاء في: اللقاءات التلفزيونية، أو المنتديات الثقافية، أو في المقالات اليومية، أو الأسبوعية في الصحف والمجلات، سيصيبه دوار حقيقي ، مما رآه أو سمعه أو قرأه :

أهؤلاء، الذين كانوا يدافعون عن الحريات والديموقراطية، أهؤلاء الذين كتبوا عن الهوية الجامعة، أهؤلاء الذين صدعوا رؤوسنا، ليل نهار بأهمية الوحدة العربية، وتوافقات التيارات العروبية والإسلامية، أهؤلاء الذين التزموا وعقدوا الأيمان على عدم الاستحواذ أو التكفير، أهؤلاء هم حملة التنوير والحداثة وقيم حقوق الإنسان والتعددية والحوار؟

ما بال هؤلاء، انقلبوا على أدبارهم، فسمموا الوعي الشعبي لغالبية الأمة، وتسببوا في امتهان: العلم، والثقافة، والدين، والديموقراطية، كلهم جميعاً، فظهرت عوراتهم جلية:

فما رأينا منهم سوى، تحليل سياسي ملفق ومسطح، وفهم بدائي للدولة والسلطة، وتضليل ثقافي لا حدود له، ونفاق للجماهير ودغدغة لمشاعرها العفوية، واستثمار في رأسمال فاسد لجماعاتهم وجماهيرهم، وخطب حماسية ضد المخالفين، وتخوين بالجملة، وضرب لكل التعهدات عرض الحائط، كأننا في ساحة حرب مع أعداء، لا شركاء وطن وأمة وثورة ومستقبل.

لقد تهيأت للمثقفين من جميع التيارات، الفرص لفتح قنوات إعلامية جديدة، والهيمنة على الإعلام الرسمي وأدواته وقنواته، وتفتحت لهم وسائط التواصل الاجتماعي، فماذا فعلوا بهذا الإعلام؟

لقد استخدموه أسوأ استغلال لإثارة القضايا الوهمية والخلافية، فتعارك المثقفون على: الهوية، وعلى الديموقراطية، فخسرنا كل شيء. ولم يتم استخدام أداة الاعلام الجبارة في رفع وعي العرب الثائرين ومعارفهم؛ وهو دور الإعلام الأساسي، ولم يستخدم الإعلام لتوصيل رسالة الثورة والثوار، وأسس البناء الجديد، لكنه كان معولاً للهدم: هدم الثورة، وهدم الدولة، وهدم المواطن الذي قامت من أجله الثورات، وتحطيمه نفسياً وعقلياً واستنزافه تماماً.

لم تدفع الثورات الإعلام العربي الذي قاده مثقفو ما بعد الثورات؛ ممن أصموا آذاننا بصيحاتهم الطويلة عن دور الإعلام في النهوض بالأمة إن وافق قيادته أمثالهم، إلى طرح تساؤلات واجبة حول ماهية العالم والمجتمع الذي يرغبون العيش فيه، وكيف يحقق الإعلام ذلك. فالمجتمع الديموقراطي، أول أبجدياته أن يمتلك الجمهور، الوسائل اللازمة للمشاركة الفعالة في إدارة شئونهم، وأن تكون وسائل الإعلام مفتوحة ومنفتحة وحرة.

لكن عندما تتشوه الهوية، وتفقد الديموقراطية كل معانيها لصالح الاستحواذ والكيد المتبادل وحروب المواقع على السلطة ومن أجلها وتغيم المعارف وتنزوي، يجنح الإعلام إلى التطرف وفقدان وظائفه الرئيسية، لصالح تسطيح فج، أو تهييج مضل، ففي هكذا بيئة لا يمكن أن يزدهر إعلام حقيقي.

رابعاً: قضية  الوعي والمعرفة؟

كيف يمكن أن تقل معارف المواطن حتى تقصر عن إدراك أن أمامه مشكلة ما؟ وما هو الحد الأدنى من المعلومات والمعطيات السياسية، التي يجب أن تترسب في الوعي والإدراك الجماعي ليستطيع هذا المواطن أن يشارك ويمارس حقوقاً معينة تدور حول القدرة على التقييم والرقابة؟ وكيف يمكن تحقيق رفع مستوى الوعي للإنسان العربي، باعتباره العنصر الرئيسي الغائب في عملية تحرر الإنسان العربي طيلة قرن كامل؟

كانت تلك من أهم التساؤلات، التي لاحقها كثير من المثقفين العرب قبل الثورات، وتوصلوا إلى قناعة يقينية: أنه من دون وعي حقيقي للإنسان العربي لحجم مشاكله، وقضاياه وهمومه، والعقبات التي تحول بينه وبين تحقيق آماله، في: الحرية، والعدل، والأمن، من خلال معارف دينية ودنيوية سليمة متجددة، لن تتحقق نهضة، مهما تغيرت الأنظمة، وتبدلت الوجوه والأشخاص الحاكمة.

وقد دخل المثقفون العرب: إسلاميون وعلمانيون، عهد ما بعد الثورات، وهم يعلمون تمام العلم، أنهم سيواجهون ويحكمون مجتمعات، نصف أبنائها أميون لا يجيدون القراءة والكتابة، وتم استغلالهم لعشرات السنين، لترجيح كفة سلطات مستبدة، أو أصحاب أموال فسدة، أو تيارات سياسية متنوعة تستغل مشاعرهم الدينية، والوطنية، والقبائلية، والقومية مخلوطة باحتياجاتهم المادية لتحقيق مآربهم السلطوية.

كان المجتمع العربي، قبل الثورات، جائعاً لكل شيء : للطعام، والشراب، واللباس، والمسكن اللائق، وفرصة العمل، لكن الأهم من هذا كله، أنه مجتمع جائع للحوار، ومتعطش للمعرفة المنيرة، التي تخرجه من ليل وعيه الشقي الناقص، أو الغائب تماماً، والذي أورده المهالك، التي عاش قرناً يقاسيها. كل هذا كان المثقفون العرب، يعرفونه تمام المعرفة :

الإسلاميون من خلال احتكاكهم اليومي بهم، في: القرى، والنجوع، والحارات، والعشوائيات المنسية حيث يعيشون. والعلمانيون من الاحصاءات، التي تنشرها تقارير الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية العاملة في الإغاثة والتنمية، ومن بعض منظمات المجتمع المدني، التي عملت على قضاياهم: كعمال أو فلاحين، أو نساء، ومن رؤيتهم لهم في وسائل المواصلات المكدسة بهم، وفي الأفلام التي تعرض معاناتهم ومعيشتهم غير الآدمية، وغيرها من وسائل الاحتكاك اليومي في المنازل والشوارع.

فقد دخل العرب ربيع الثورات، بمجتمعات شبه أمية، ذات بنية قبلية محافظة، ومواطن ذو وعي سياسي ضحل أو غائب، لا يسمح له بالكشف عن وجهة نظره وإيصالها، أو أن يختار مرشحاً، أو يفاضل بين حزب وآخر، أو بين شخص وآخر، لتولي مسئولية سياسية أو دولتية، أو أن يلعب دوراً ما مهما صغر، في حياة أمته، فضلاً عن أن يكون هو، أو أحد من أبنائه، أحد قادتها.

مواطن عربي، أصبحت علاقته بالمعرفة والشأن العام، نتيجة لنمط حياته الصعب الفقير، علاقة الغريب ببلاد أول مرة تطأها قدماه، وحتى تفاعله مع الأحداث عبر وسائل الإعلام المتاح له التواصل معها، أو الوصول إليها، كانت علاقة سلبية، لا يزيده تفاعله معها، سوى جهلاً ونقمة على بلاد، لا نصيب له ولأولاده فيها، معرفة لا تنتج إلا حسرة وألماً، ولا تزيده إلا تشوهاً فكريا واجتماعياً.

قامت الثورات في ظل هذا الانفصال الحاد بين الإنسان العربي وبين المعارف المطلوبة لبناء وعيه الفاعل، الذي يهيئه للجهاد في سبيل حياة كريمة. وكان الطبيعي، أن يكون أول ما تتجه إليه، بعد أن انفتحت السموات المقفولة، وانبسطت أرضين الأهلين من المواطنين أمام الثائرين، التي لطالما وضعت بينهم وبينها المتاريس والمزاليج وجدران الخوف، وصار الجميع: إسلاميون، وعلمانيون، وجهاً لوجه، مع أبناء مجتمعاتهم، وحانت لحظة تعارفهم وتعانقهم، في مسيرة طويلة، نحو التحرر: للوعي، والعقل، والوجدان، من كل القيود، فماذا حدث؟

بدلاً من توعية الناس وحملهم على التفكير بأنفسهم، عبر تمليكهم لأدوات التفكير ووسائل التغيير، ونبذ الماضي سيئ الذكر الذي كانت فيه الحكومات والمعارضات تفكر بالنيابة عن الشعوب والجماهير، وتنوب عنها في اختياراتها وتترك لها أن تبصم على تلك الاختيارات في انتخابات حرة نزيهة(على طريقة حكوماتنا العربية)، يعلنون فيها عن آرائهم- التي اختارها لهم حكامهم وشيوخهم ومفكريهم- بكل حرية أمام صناديق الانتخابات المضمونة النتائج، ثم يعودوا آمنين هانئين إلى بيوتهم، وقد أرضوا ضمائرهم وقادتهم، لينتظروا الخير الوفير الذي لا يأتي أبداً.

كان الطبيعي أن يتعلم الناس ويرتفع وعيهم السياسي والثقافي، ليعلموا أن الديموقراطية: قيم وممارسات وآليات، ويفهموا أن المواطنة للجميع، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تحول ثقافي وسياسي للإنسان العربي، يقوم به جيل جديد من المثقفين المخلصين لأمتهم ولثوراتهم، لا لأحزابهم وتنظيماتهم، في بناء الوعي الحر عند إخوانهم من المواطنين.

وكان من المأمول، أيضاً، أن يقوم هؤلاء المثقفون بإعادة تنظيم هذا البحر الهائج من المعلومات الذي انفتح على أمتنا، وانفتح عليه أبنائها من كل الأعمار، وخصوصاً الشباب، وعلى وسائط التواصل الاجتماعي المختلفة، والتي صارت تلازمهم في حلهم وترحالهم، عبر التليفونات المحمولة والتطبيقات الأخرى الأكثر حداثة، ليستفيدوا منها في ترقية أذواقهم، والانفتاح على النافع من ثقافة عصرهم، وإدراك ما غمض عليهم من تحولاته وتغيراته، وقراءة خرائطه، وفك طلاسم سياسات قواه الكبرى التي تقاسمهم ثرواتهم ومقدراتهم وبلادهم، وتعين عدواً غاصباً يربض على أرضهم التي اغتصبها منهم.

وكان المأمول، كذلك، أن يجدد المثقف العربي أدوات عمله المعرفية، ويبسط وينوع خطابه الثقافي والسياسي، ليصل إلى كل أبناء مجتمعه بمختلف مستويات وعيهم وتعليمهم، واختلاف رؤاهم ومعتقداتهم ومذاهبهم، وتلك لعمري مهمة ثقيلة، تستغرق أعمار الأفذاذ الراغبين في خدمة أمتهم والرقي بها.

كان المأمول أن ينهض المثقفون بوعي الأمة وإعداد أبنائها وتزويدهم بالمعارف والحقائق التي بمقتضاها ومن خلالها يصبحوا مواطنين فاعلين: يعلمون ما يفعلون، ويفعلون ما يؤمنون به، لا ما يملى عليهم، وينزع عنهم خوفهم من إدراك الحقيقة، التي تحملهم تبعات مسئولية المشاركة، التي لطالما ابتعدوا عنها، مؤثرين السلامة على توقع الفشل أو العقاب الأمني، جراء تصديهم لقضايا أمتهم.

كان المأمول أن يتاح لنصف الشعوب العربية الأمية، التي لا تجيد القراءة والكتابة، أن تنال فرصتها أخيراً، في تحسس الحروف وقراءتها: قراءة كتبها المقدسة، وتراثها الذي تسمع عنه ولا تعرفه، والمعارف الحديثة التي يتشدق بها المثقفون، وهم عنها محجوبون في ظلمات الجهل. فالأبجدية والمعلومة، هما جناحا الوعي، وبدايات المعارف الموصلة إليه، ومن دونهما، يظل وعي الإنسان مستلباً لكل طالب سلطة.

لكن المعارك المتوالية حول الهوية، والصراع على كراسي الحكم عبر تزييف الديموقراطية، والتي استغل فيها الإعلام أسوأ استغلال لتجهيل الناس وتشويشهم، لم تترك فرصة ولا وقتاً، لوضع خطط حقيقية لرفع الوعي أو المعرفة يشترك فيها كل قادر وعارف من مثقفي الأمة؛ من كل الاتجاهات، للقيام بها وتنفيذها.

فقد ظلت مصالح الأحزاب، والجماعات، والأيديولوجيات، فوق صالح الأمة والإنسان العربي الذي يتكلم الجميع باسمه وينوبون عنه، فكيف يتركونه يتحدث بنفسه، وكيف يعينونه على بناء وعيه، إذن ماذا سيكون دورهم؟ وهم الذين اعتادوا أن يلعبوا دور الديك الذي ينسب لنفسه طلوع الفجر في حياة أمتنا، ولم يعتادوا، ولم يقدروا، حتى لحظتنا هذه، على لعب دور أبو العرب الحنفاء، إبراهيم عليه السلام، الذي علم أهل زمانه، بكل تواضع، كيف يستعيدون وعيهم.

فلم نسمع عن حملات حقيقية للتخلص من الأمية، أو رفع الوعي السياسي والثقافي للإنسان العربي، ونحن الذين نعلم، في مصر مثلاً، أن خطبة من أحدهم بعد الثورة، أو عشرات الملايين مما أنفقها أحدهم بعد الثورة، كانت كافية تماماً، لتقوم جيوش من الشباب المثقف في جميع أنحاء البلاد بعمل حملات للقضاء على الأمية، وحملات لرفع الوعي السياسي لعامة الناس، لكن هذه الخطب من مسموعي الكلمة على المنابر، وتلك الملايين ممن يملكون المليارات السهلة، تم توجيهها لحشد الشعوب( العظيمة) لتقف في طوابير الانتخابات(النزيهة)، تنتخب أتباع الشيخ المفوه الرباني، وأتباع الملياردير المدني العلماني، ولتعود إلى بيوتها تنتظر النعيم الذي لن يجيئ أبداً.

لم يكن لدى أي من الفريقين من الإسلاميين والعلمانيين، أي عذر في التقاعس، بقصد غالباً أو بدون قصد نادراً، ولم يعد لديهم حجج يتحججون بها، مثل الحجج القديمة، التي استندت إلى بطش الحكومات الاستبدادية، وقبضتها الأمنية، وتضييقها على العمل العام، ومنعها التواصل مع الناس، ولم تعد تنفع حجج أن الناس، تخاف من الحديث والعمل في السياسة، أو السماع لحقائق أوضاع بلادهم خوفاً من بطش السلطات الأمنية، والاعتقال والقتل والحبس، فلم يعد هذا كله موجوداً، لا، بل كان هناك، انفتاح غير مسبوق، شهده وشهد له كل من عاش في حواري وأرياف المجتمعات الثائرة قبل مدنها، حيث جاء الجميع، يتقدمهم الشباب، يطلبون العلم والمعرفة والعون عليهما ممن يظنونهم المثقفين، فوجدوا الحزبية، والفرز على الهوية، والتصنيف بحسب القرب والبعد من هذا التيار، أو تلك الجماعة.

جاءوا إلينا ليرتفعوا بشأنهم ويعيدوا تأهيل أنفسهم ليشاركوا في بناء أمتهم، فوجدوا من يستغلهم ويوظفهم، كسابقه، بلافتات مغايرة. وعجز المثقفون، عن عمد وتسرع وقلب للأولويات، إذن  عن تحقيق ثورة في الوعي، وتجديد للعقل والوجدان للإنسان العربي. ليس هذا وحسب، لكنهم للأسف، حاصروا الإنسان العربي، بسيل من الأفكار الميتة المميتة عن الهوية، وممارسات خاطئة عن الديموقراطية، وإعلام مبتذل، نشر الصراخ والضجيج، ثقافة وعنواناً للمرحلة، بدلاً من تمكين الإنسان العربي، من رؤية مجتمعه وقضاياه من زاوية شاملة، ومن تحليل هذه القضايا على مستوى نظري وعملي متماسك، يؤدي لطرح حلول لها.

لم يستطع المثقفون العرب أن يفصلوا المعرفة عن السياسة, فتحولت المعرفة عن وظيفتها، وفقدت الثقافة، مهمتها التغييرية المستقلة عن السياسة, والسابقة لها. وقد ترتب على هذا الواقع، نتائج خطيرة: خسر المثقف أهم أدواره وأخص وظائفه: الإيقاظ، والتنبيه، وخسر دوره الذي وهبته اللحظة الثورية له ليدخل تاريخ الأمة من أوسع أبوابه، ويدخل الأمة للتاريخ من جديد من باب المعرفة والوعي- كما دخلته من قبل، عندما عقلت” أقرأ باسم ربك الذي خلق”، مع المثقف الأول، في تاريخنا العربي، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم-، من خلال بث الوعي، لدى جماهير الأمة، لكي تتوحد في النهاية على رؤية مستقبلية، تخرجها من الظلمات إلى النور، ومن الاستعباد إلى الانعتاق، ومن نير الاستبداد والفساد، إلى الاستقلال والحرية والكرامة.

فشل المثقفون العرب في الربط داخل عقل الإنسان العربي بين مسائل الديمقراطية والتحرر الوطني والهوية العربية، من خلال البدء بتحرير وعيه من كل ما يكبله من قيود معرفية، مما جعل الثورات تسير على غير أساس، ووقفت سنوات ثمانية على شرف جرف هار من انعدام الوعي، فانهار بها سريعاً في نار جهنم الاستبداد والفساد من جديد.

 خاتمة

قامت ثورات الربيع العربي، بشكل سلمي، في أشكال عابرة للخلافات الأيديولوجية، والفتن الطائفية والاستبداد الفج، والإلهاء المستمر للشعوب، التي شكلت أساس استمرار النظم التسلطية. وكان الهدف، منها، واضحاً عند الذين قاموا بها: إخراج المجتمعات العربية مما هي فيه من استبداد، وفساد، وتوريث للشعوب، ونزاعات وصراعات وحروب أهلية، وخراب للدولة وللمجتمع، ولحياة الإنسان العربي، وتبعية للخارج.

وكانت تلك الثورات فرصة سانحة للمثقف العربي ليراجع أدواره ووظائفه وينقد واقعه ومحصلة تجربته خلال قرن كامل في أجواء حرة وواعدة، لكن أفلتت تلك الفرصة من بين أيدي المثقفين العرب للعديد من الأسباب، كان في مقدمتها: تخليهم عن وظائفهم الرئيسية لصالح أدوار سياسية طغت على جهودهم. وهو الأمر الذي أخرجهم منها، وقد اهتزت صورتهم، وازدادت ارتباكاً وتشويشاً.

فلم تكن سنوات الثورة القصيرة،-والتي دخلت نفقاً مظلماً إلى حين-، سوى امتداد أكثر مأساوية لسنوات ما قبل الثورات؛ التي عارضها المثقفون العرب، ثم اقترفوا أضعاف ما اقترف سلاطين ومثقفو هذه الأنظمة السلطوية المستبدة من أخطاء. فلا المثقف العلماني، أو الإسلامي، اللذان تصدرا المشهد العربي بعد الثورات، أسهما في بلورة هوية واضحة، ولا حتى حافظا على الهوية في حدها الأدنى الذي تسلماه من أنظمة الاستبداد. ولا هما، حققا تقدماً في الوعي والممارسة الديموقراطية،  على مستوى النخب ولا الجماهير.

فقد أثبتت تلك السنوات، أن المثقف العربي، واحد- وإن تعددت يافطاته الحزبية-، وتنوعت مراجعه العقيدية، وأنه قد اختار خلاصه الحزبي على حساب عوام الناس الذين قدموا له الثورة على طبق من ذهب.

كما أثبتت أن قضية الحكم في بلاد العربان التي ابتليت بالاستبداد والفساد والجهل والتنازع الدائم بين فرقاء الأمة، ليست قضية صغيرة أو تافهة تحل بالتجربة والخطأ، والأساليب العشوائية في الإدارة والحكم والتنظيم، وليست هي التي تترك للصغار أو محدودي الثقافة والاطلاع، أو حتي للماهرين في العمل السياسي اليومي، وقيادة الجماهير في الشوارع والمظاهرات، ولا لمن قضوا أعمارهم في السجون والمنافي، إذا كانوا غير مؤهلين لشغل كراسي الحكم، والتفاعل مع مستجدات الأوضاع – مهما بلغت تضحياتهم. ولا لدعاة التنوير والنهضة، ممن يقولون ما لا يفعلون، ويحبون دائماً أن يحمدوا بما لم يفعلوا، من جماهير الأمة[23].

ولم يتصور ثائر عربي في ميادين الحرية، أن يفشل المثقفون العرب في بلورة مشروع للنهوض لأمتنا، ولم يكن أحد يشك في أن فصيلاً سياسياً أو عقائدياً يمكن أن تغريه أمواج الاستبداد ولا سفن المستبدين المعيوبة؛ مهما بلغ بريق السلطة، فقد ذاقوا هوان التسلط، وذل السجون وعرفوا بوصلتهم وحددوا وجهتهم  نحو الحرية، ولم يبق سوى أن يجدوا السير في اتجاهها.

لقد ظننا أن هؤلاء المثقفين الذين قاموا بكل هذه المراجعات، وخبروا تلك الويلات، وقاسوا مرارة تلك الخيبات. أولئك المثقفين، الذين آمنوا بقدرة أمتهم على النهوض والتقدم والتمدن، والذين آمنوابعدالة قضاياها في التحرر من الاستعمار، وفى توحدها القومي لمواجهة أهوال عصرها وتكالب أعدائها، وفى تخلصها من كل أنواع الحكم الاستبدادي الظالم المفقر، لن يكونوا أبداً نسخاً مكررة من السلطات التي رفضوها، والنماذج المثقفة التي كانوها ثم تابوا عنها، أو كانها سلف لهم؛ أضاعوا الطريق نحو الحرية والنهضة، بانحيازهم الخاطئ للفساد والاستبداد، أو سكوتهم عنه لقاء أوهام أمن، أو راحة، أو مقتضيات مرحلة كاذبة، أو مقاتلة لعدو، أو دحراً لاحتلال، زادته فترات حكمهم ترسخاً وتجبراً، أو غير ذلك من الأوهام الكثيرة التي ظننا أن المثقفين العرب قد أفاقوا منها تماماً.

ولم يكن أكثرنا سوء ظن بالربيع العربي يتصور أن ينقلب هؤلاء المثقفون على أعقابهم، يجترون القضايا القديمة الخائبة التي أسقطتها الميادين. فيثير الإسلاميون قضايا: الشريعة والعلمانية، والإسلام والمسيحية، والهوية، أو أن يركبوا جهلهم وتسرعهم، ويظنوا أن الثورات تحسمها الصناديق، أو أن الشرعية تضمنها مجرد اللعب بالشريعة، أو أن الصناديق عندما تقول نعم ولو بفارق صوت واحد، فهذا إيذان بعودة الإسلام بعد مغيب، ويكأن الإسلام كان غائباً حقاً.

وعلى الضفة الأخرى حيث يسكن العلمانيون لم نجد إلا القليل يحذر مما يحدث، فقد انتقل العلمانيون: ليبراليين، وقوميين، واشتراكيين، للجلوس إلى جوار مرشد الإخوان المسلمين في مصر، في مشهد أقل ما يقال عنه، أنه مشهد هزلي، لا يصدقه الجالسون أنفسهم، وكانت الهدنة التي على دخن، والجميع يتربص بالآخر لحظة الخطأ، أو أن يتدثروا بالعسكر- كما الإسلاميين، وقد خبروا ويلاتهم وعانوا مما ألحقوه بالبلاد من العذاب المهين.

ووقع ما كان ولابد أن يحدث، فشل الإسلاميون، الذين ارتموا في حضن العسكر في إدارة البلاد، وجاءت الفرصة لعتاة العلمانيين ليركلوهم بعيداً ويعيدوهم من حيث جاءوا: إلى السجون، ولكن سرعان ما تفرغ لهم العسكر بعد حين قليل، فنفوهم إلى الفضائيات، والفيس بوك، والأحزاب الكرتونية، يمارسون هواياتهم في الغرف المغلقة، كحالهم في زمان ما قبل الثورات، حلية في بذلة العسكر، يؤكدون بها ديموقراطيتهم، التي لم يعرف مثلها أحد من العالمين.

ولم يكن ما حدث في الإعلام، من مهاترات تسببت، ومازالت، في شروخ هائلة داخل كل مجتمع عربي، وبين المجتمعات العربية بعضها البعض، سوى تعبير واضح عن هذا الفشل.

ويتوج هذا الفشل الممتاز، حالة الوعي والمعرفة التي تدهورت تماماً لدى كافة قطاعات الرأي العام العربي، من جراء حروب التجهيل والتسطيح، والاستهانة بالمعارف والحقائق والعارفين، التي خاض معاركها المثقفون الذين تصدروا مشهد الثورات العربية، وتبوأوا مناصب الحكم فيها.

لم يتأقلم أي من الفريقين إذن مع الأوضاع الجديدة التي خلقتها الثورة، وظلوا يتعاطون معها وكأن شيئاً لم يتغير، سواء في خطابهم، أو بنيتهم التنظيمية والإيديولوجية، أو أولوياتهم، أو علاقاتهم مع باقي التيارات الفكرية والسياسية العربية. وهو الأمر، الذي يثبت عليهم صفة التطابق، أو التشابه التام، وكأنهم استنساخ لبعضهم بعضاً، وينفي عنهم أي تغيير، أدعوه قبل أو بعد الثورات.

وبدلاً من أن يستثمر الفعل الثوري في بعده الثقافي والاجتماعي لبناء هوية جامعة ووعي سليم للإنسان العربي، أخذوه مطية لمآربهم السياسية الضيقة وحساباتهم الأيديولوجية المغلقة. فقد غلبت الأيديولوجيا السياسية الضيقة للمثقفين، من كلا الطرفين: الإسلاميين والعلمانيين، على المعرفة الرصينة، وأسهمت بشكل جوهري في عملية الاحتقان بين الثوار في الشوارع، ومنعت أي محاولة لخلق مشروع هوية جامعة، نادى بها الجميع قبل الثورات، ومنحتها تلك الثورات فرصتها الذهبية للنمو والإيناع.

وتصرف الجميع، بمنطق أناني وبهوس سياسي انطلق من طموحاتهم ومصالحهم الإيديولوجية الضيقة. وغاب، تماماً، شرط قيام وحدة حقيقية بين قطبي الثورات العربية، من الإسلاميين والعلمانيين، عندما سقط وعي كل منهما، في فخ السلفية العقائدية الجامدة، حيث اعتبر كل فصيل منهم أنه هو الأصل وغيره هو الدخيل الغريب المخرب، ليستقوي بتلك الصورة الشائهة له عليه وليعزز موقعه في صراعه معه على حيازة ثقة الجماهير العربية.

لقد كانت ثورات الربيع العربي فرصة سانحة للمثقف العربي لإعادة الوعي المفقود للشعوب العربية، وترقيته لمستوى التحديات التي تواجهها الثورات، فقد جاءهم الناس- وخصوصاً الشباب-، من كل صوب وحدب، كلهم شغف وقابلية للثقافة، فالكل يريد الدخول إلى المجال العام بعد أن سقطت جدران السجن الكبير، الذي عاشوا فيه زمناً طويلاً، وتبددت ظلمته ورأوا النور، ورغبوا في المشاركة في ساحات العمل العام، وأن يفهموا ويعلموا ويعملوا، ويحققوا أحلامهم في حياة طيبة، ويحققوا لأوطانهم ما عجزوا عنه سابقاً، لكن غلبة التجاذب السياسي على الانفتاح الثقافي خلق أسواراً جديدة بين أبناء المجتمع، أسهمت في الردة على الثورة بشكل سريع.

لقد كانت لديهم فرص عديدة، لمراجعة أفكارهم، لكنهم أضاعوها جميعاً، وتفرغوا لهدم بعضهم البعض. ولو أنهم تريثوا قليلاً، لوجدوا أن معظم خلافاتهم، تعود إلى عدم الفهم، أو التحيز الأعمى للفكر الخاص، أو للمصالح الشخصية للبعض، أو لدسائس الحكام المستبدين والاستعمار، التي علمت تمام العلم أن تجمع المثقفين العرب معاً في فريق واحد متنوع الأفكار متحد الأهداف والغايات، سيسقط الاستعمار والاستبداد معاً، ويتفرغ الشعب العربي لبناء قواه الحية، ومؤسساته الاجتماعية وديموقراطيته، وإنسانه الجديد.

ومن هنا، تبدو ضرورة أن يعيد المثقف العربي علمانياً كان أو إسلامياً مراجعة رؤاه ومواقفه وممارساته ويحدد في عقلانية تامة دوره ووظيفته في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا العربية، والتي يعتقد الباحث أنها تتمثل في الانشغال بتطوير وعي الإنسان العربي وبناء هويته بدلاً من الانشغال بالسلطة والسلطان حتى يمكن لأمتنا العربي أن تحقق الانتقال الآمن للديموقراطية الحقيقية التي تحقق الحياة الطيبة للناس والاستقلال الحقيقي للأمة والمنعة الحقيقية للدولة[24].

[1] المرابط، مصطفى.حوار حول الثورات العربية على مركز نماء على الرابط التالي:

http://www.nama-center.com/DialogueDatials.aspx?Id=36

[2] راجع بخصوص الهوية:

معلوف، أمين. الهويات القاتلة، ترجمة نبيل محسن، دمشق:ورد للطباعة، ط1، 1999.

المسدي، عبد السلام.الهوية الثقافية العربية، الدوحة:كتاب الدوحة، ط1، 2007.

زايد، أحمد.هوية الثقافة العربية، القاهرة:الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009.

[3] رسول، رسول محمد. محنة الهوية، بيروت:دار، ط1، 2005، ص 70.

[4] المسدي، عبد السلام. الهوية واللغة، مجلة تبين، العدد الأول، 2014،  ص 89-91.

[5]راجع: بشارة، عزمي،في الثورة والقابلية للثورة، الدوحة:المركز العربي للأبحاث والدراسات، ط2، 2013م، ص148-157.

[6] راجع الحوار القومي الإسلامي ومؤتمراته وندواته المتعددة في ذلك، ويمكن العودة إلى:

بلقزيز، عبد الإله.الحوار القومي-الإسلامي، بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2008، مقدمة الكتاب لبيان حصيلة هذه الحوارات قبل الثورات العربية.

[7] القرضاوي، يوسف.أمتنا بين قرنين، القاهرة:دار الشروق، ط1، 2000، ص167-178.

[8] راجع الحوار الهام مع صادق جلال العظم على الرابط التالي:

http://aljumhuriya.net/424

[9] لا نستطيع إحصاء الكتابات العربية قبل الثورات من كافة الاتجاهات الفكرية عن أولوية الديموقراطية لديهم.

[10] راجع مثلا، بيانات المؤتمر القومي الإسلامي المتعددة في ذلك الشأن.

[11] بشارة، عزمي.في الثورة والقابلية للثورة، مرجع سابق، ص95.

[12] المرجع سابق، ص161-192.

[13] المرجع سابق،  ص 144-148.

[14] المرجع السابق، ص148-157.

[15] المرجع سابق، ص154-157.

[16] المرجع السابق، ص153.

[17] المرجع سابق،  ص96-97.

[18] الديموقراطية أبدا عنوان كتاب للأستاذ خالد محمد خالد.

[19] تقرير التنمية الإنسانية العربية، أولوية التمكين، بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2014م، ص161-162.

[20] العودات، حسين. التكامل بين السياسات الثقافية والسياسات الإعلامية في الوطن العربي، المجلة العربية للثقافة، السنة السابعة عشرة، العدد الخامس والثلاثون سبتمبر 1998،ص 60-61 .

[21] تقرير التنمية الإنسانية العربية، أولوية التمكين، مرجع سابق، ص159-161.

[22] المرجع السابق، ص161.

[23] عشماوي.عماد الدين.قراءة في بيان حركة النهضة التونسية، على الرابط التالي

http://www.noonpost.org/content/11931

[24] عشماوي، عماد الدين.المثقف العربي من الانشغال بالسلطان إلى بناء الإنسان.بحث غير منشور.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.