منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معيقات الحرية في المشروع الحضاري عند مالك بن نبي: غياب المشروع المجتمعي (3)

اشترك في النشرة البريدية

إن فشل النخبة السياسية في العالم الإسلامي كان نتيجة عدم امتلاك هذه النخب للمشروع المجتمعي، أو بمعنى آخر أن هذه النخبة السياسية لا تمتلك مشروعا مجتمعيا متكاملا يهدف لتحقيق تغيير جذري للنظام الاجتماعي القائم.

لقد كانت هذه النخبة السياسية أداة يزين بها المستبد المشهد السياسي، سواء النخب الموالية للسلطة أو المعارضة لها. فهي في أحسن الأحوال لا تمتلك سوى برامج انتخابية لا تقدم ولا تؤخر في مسألة بناء الديمقراطية.

ماهية المشروع المجتمعي:

المشروع المجتمعي: عبارة عن مجموعة من الأفكار والتصورات حول الكون والإنسان والبعث، وما يرتبط بها من حيث الهدف والغاية، والجبر والاختيار.

هذه الأفكار والتصورات تشكل  نسقا بنيويا ومنظومة متكاملة،  تسعى إلى تتغير سلوك الإنسان في المجتمع، وتجعله يستطيع أن يقتحم تجربة التغيير، وتحقيق النهضة والإقلاع الحضاري.

المزيد من المشاركات
1 من 53

كما أن هذا المشروع المجتمعي يهدف إلى بناء قاعدة صلبة وحركة اجتماعية تتوخى المعالجة الجذرية للمشكلات الحضارية والتي منها: المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتعليمية والصحية.

 

    مميزات المشروع المجتمعي:

يقول مالك بن نبي: ” لابد إذن وفي البداية على الخصوص أن نقدر كل مشروع يهدف إلى تأسيس ديمقراطية، على أنه مشروع تثقيف في نطاق أمة بكاملها، وعلى منهج شامل، يشمل الجانب النفسي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي “[1]

لابد إذن من مشروع مجتمعي تتفق عليه أغلبية النخب السياسية، هذا المشروع المجتمعي الذي يهدف إلى التأسيس للدولة المدنية وتحقيق الانتقال الديمقراطي. وهذا المشروع المجتمعي لابد له من مميزات وخصائص:

  • مشروع شمولي: يرى مالك بن نبي أن المشروع المجتمعي لابد أن يتصف بخاصية الشمولية في أبعادها المختلفة: سواء علاقة الإنسان بخالقة أو مع نفسه، أو مع أخيه الإنسان. كما يشمل العلاقة بين مختلف المجالات: الفكرية والاعتقادية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية. وهذه الشمولية لا تتحقق إلا بوحدة المرجعية الفكرية والعقدية التي تؤمن بها الشعوب.
  • مشروع تثقيفي: يسعى إلى النهوض بقطاع التعليم باعتباره القطاع الحيوي في بناء النهضة والاقلاع الحضاري. فبناء الوعي والمعرفة الانسانية ومحاربة الجهل والأمية أولوية الأوليات في المشروع المجتمعي، فالسبيل الأمثل للتغيير المجتمعي هو تغيير ما بالنفس البشرية.
  • مشروع مستقبلي وواقعي: يسعى هذا المشروع المجتمعي إلى بناء الديمقراطية والدولة المدنية والتداول السلمي على السلطة، وتحقيق مطالب الإنسان في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فيجب أن يكون مشروعا قابلا للتطبيق بحيث يجيب عن الاشكالات الجوهرية: طبيعة النظام السياسي، والنظام الاقتصادي، وضمانات حماية الحقوق والحريات.
  • مشروع عالمي: يهدف إلى تحقيق السعادة والرفاهية للإنسان عبر العالم، ويجيب عن الاشكالات والتحديات الخارجية للأمة، من خلال: بيان آليات تحقيق الوحدة، وبيان الموقف من الطائفية والقومية والعولمة والعلمانية والرأسمالية والصهيونية..

يقول مالك بن نبي:” فبصورة تزيد أو تنقص وضوحا، نجد أنفسنا أمام نماذج ديمقراطية يختلف بعضها عن بعض، بمقدار تقويمها الجديد للإنسان بالقيمة التي تعطى له في صورة شكلية، تعبر بصورة رمزية عن بداية أو تدشين المشروع الديمقراطي في البلد، ووضعه في الطريق نحو القيم والمثل الديمقراطية. وهذا التقويم الجديد للإنسان، يطبع من البداية فعالية المشروع وأثره في المجال النفسي بالنسبة إلى الدوافع السلبية التي تقاوم المقومات الديمقراطية في نفس العبد ونفس المستعبد…أما الإسلام فإنه يمنح قيمة تفوق كل قيمة سياسية أو اجتماعية، لأنها القيمة التي يمنحها له الله في القرآن في قوله: فهذا التكريم يكون – أكثر من الحقوق والضمانات- الشرط الأساسي للتعبير اللازم في نفس الفرد  طبقا للشعور الديمقراطي سواء بالنسبة للأنا أم بالنسبة للآخرين، والآية التي تنص على هذا التكريم تبدو وكأنها نزلت لتصدير دستور ديمقراطي يمتاز عن كل النماذج الديمقراطية الأخرى”.[2]

 مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص: 143 [1]

 مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص:145 – 146 [2]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.