منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قاعدة: “المعروف عرفا كالمشروط شرطا” وأثرها في العمل التطوعي

0
اشترك في النشرة البريدية

لا يخفى على أحد أن للقواعد الفقهية أهمية كبيرة ومنافع عظيمة؛ لأنها تضبط فروع الفقه وتلم شتتاه، وتساعد الفقيه على فهم مناهج الفتوى، وتطلعه على حقائق الفقه ومآخذه، وتمكنه من تخريج الفروع للقضايا المستجدة في كل عصر بطريقة سليمة.

وتعد قاعدة ” المعروف عرفا، كالمشروط شرطا” من أهم القوعد الفقهية التي تندرج ضمن القاعدة الكلية الكبرى “العادة محكمة”. وهي قاعدة تعبر عن سلطان العرف العملي، وهذا يعني أن العرف العملي له سلطة وسيادة تامّين في تنظيم معاملات الناس وتصرفاتهم العادية، والعمل التطوعي من أهم المجالات التي ترتبط قضاياه بالعرف.

أولا: شرح القاعدة وبيان معناها الا جمالي

أن ما تعارف عليه الناس في معاملاتهم ــ وإن لم يذكر صريحا ــ هو قائم مقام الشرط في الالتزام والتقييد.

فالمعروف عرفا كالمشروط شرطا، ففي كل محل يعتبر ويراعى فيه شرعاً صريح الشرط المتعارف، وذلك بأن لا يكون مصادماً للنص بخصوصه.

المزيد من المشاركات
1 من 26

إذا تعارف الناس واعتادوا التعامل عليه بدون اشتراط صريح فهو مرعي ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح.

وأما إذا كان الشرط المتعارف الصريح غير معتبر شرعاً، وذلك بأن يكون مصادماً للنص بخصوصه، فلا يكون معتبراً إذا تعارف الناس العمل عليه بدون اشتراط، فلو تعارف الناس مثلا تضمين المستعير والمستأجر ما تلف من العين المعارة أو المأجورة بدون تعدِّ منه ولا تقصير، لا يعتبر ذلك التعارف ولا يراعى لأنه مضاد للشارع.

فهذه القاعدة تعبر عن سلطان العرف العملي، فالناظر في نصوص الفقهاء يرى بأن للعرف العملي في نطاق أفعال العباد وتصرفاتهم العادية ومعاملاتهم الحقوقية سلطاناً وسيادة تامّين في فرض الأحكام وتقييد آثار العقود وتحديد الالتزامات على وفق المتعارف، ما لم يصادم ذلك العرف نصاً شرعياً، فالعرف عند ذلك يلتزم ويعتبر مرجعاً للأحكام ودليلا شرعياً عليها حيث لا دليل سواه.

   ثانيا: التأصيل الشرعي للقاعدة

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.

قال صاحب القواعد الفقهية نقلا عن صاحب المواهب السنية: ووجه الاستدلال بالآية: أن السبيل معناه الطريق، فيكون سبيل المؤمنين طريقهم التي استحسنوها.

ثانيا: عن عروة البارقي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشتري له شاة، فاشترى له شاتين، فباع إحداهما بدينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة في بيعه. قال: وكان لو اشترى التراب لربح فيه.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 18

وجه الاستدلال بالحديث: أن عروة رضي الله عنه، باع وابتاع وقبض وأقبض، بغير إذن لفظي، اعتماداً على الإذن العرفي.

ثالثا: تطبيقات القاعدة في العمل التطوعي.

إن لهذه القاعدة عدة تطبيقات في المجال الخيري التطوعي، منها ما يلي:

1 ـــــ لو دفع الأب لابنته العروس حلياً أو بعض جهاز لبيتها ثم ادعى بعد العرس أنه عارية، فإن كان المتعارف في مثل هذه الأحوال أن ما يعطيه الأب يكون عارية يحكم برده إليه وإلا فهو هبة.

2 ـــــ على ناظر الوقف والصدقات أن يأكل من الصدقات والوقف بالمعروف أي حسب العرف، ولكن في وقتنا المعاصر لابد أن نشير إلى أن هناك وزارات تشرف على هذه الأمور، وتحدد رواتب مخصوصة للموظفين.

3 ــــ والعمل التطوعي من خلال القاعدة يتبين أن العمل التطوعي يرتبط بالعرف؛ فما عده تطوعاً فهو كذلك، وإلا لم يكن عملا تطوعياً ومن ثم ترتب عليه أجر أو الضمان أو رد الشيء إلى صاحبه.

4 ـــــ من المعلوم لدى مؤسسات الخيرية التطوعية، أنها تأخذ نسبة إدارة من التبرعات المدفوعة لها، نظير الإشراف على العمل الخيري، أيضا يكون مقدار هذه النسبة بحسب عرف المؤسسات الخيرية، ولا يحتاج لبيان تفاصيل ذلك للمتبرعين، لأن الثابت بالعرف، كالثابت بالنص. 

نخلص مما سبق أن قاعدة “المعروف عرفا كالمشروط شرطا” لها ارتباط وثيق بتأصيل قضايا العمل التطوعي، وترشيد مناهجه للوصول إلى حكم شرعي لكل ما يستجد من أمر في هذا المجال.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.