منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تقرير ندوة دولية: المعارف الإسلامية: رؤى سياقية متعددة

ذ. ياسر صابير

0

الندوة الدولية: المعارف الإسلامية: رؤى سياقية متعددة.

الموسم الأول: المذاهب الفقهية: جذور النشأة المبكرة وسؤال النشأة.

الحلقة الأولى: الاتجاهات الفقهية المبكرة وسؤال النشأة

تقرير الجلستين: الافتتاحية والأولى:

إعداد: ذ. ياسر صابير
كلية اللغات والآداب والفنون ـ جامعة ابن طفيل/المغرب

       نظم مركز نماء للدراسات والأبحاث بالتعاون مع جامعة مونستر ألمانيا ندوة دولية بعنوان “المعارف الإسلامية: رؤى سياقية متعددة” للموسم الأول: المذاهب الفقهية: جذور النشأة المبكرة، في حلقتها الأولى المعنونة ب“الاتجاهات الفقهية المبكرة وسؤال النشأة”،

يوم الجمعة 15 ديسمبر 2023، الموافق ل02 جمادى الثانية1445ه، عبر تقنية “الزوم”

وبمشاركة مهمة لمتخصصين وأكاديميين وجامعيين وباحثين من جامعات عربية وعالمية؛ قدموا عروضا تعريفية موجزة عن بحوثهم ودراساتهم الأكاديمية في أربع جلسات علمية أحاطت بمواضيع وقضايا وإشكالات فقهية متنوعة ومهمة كلها اندرجت في صلب رهانات الندوة .

      استهل السيد مدير أكاديمية نماء للعلوم الإسلامية والإنسانية الدكتور عبد الغني سلطان الفقيه أصالة عن نفسه ونيابة عن زملائه في اللجنة المنظمة، كلمته الافتتاحية مُرحبا بجميع المشاركين والحاضرين في الندوة الأولى “الاتجاهات الفقهية المبكرة وسؤال النشأة”، والتي تأتي ضمن الموسم الأول من برنامج الندوات الدولية التخصصية في موضوع “المعارف الإسلامية: رؤى سياقية متعددة، مُشيرا أن هذه الندوات تأتي في إطار النقاش الأكاديمي بين الباحثين من خلفيات متنوعة حول موضوعات تتعلق بتاريخ الأفكار والمذاهب الفقهية والعقدية في المجال التداولي الإسلامي، وستعقد ضمن سلسلة ندوات موسمية تم اختيار لكل موسم عنوانا رئيسيا، وهي دعوة ضمنية للمهتمين والباحثين والمنشغلين  بهذه المواضيع للاستعداد والمشاركة بتقديم أوراقهم البحثية في الفعاليات القادمة.

     مُوضحا في نفس السياق، أن الموسم الأول من هذا البرنامج العلمي الطموح، جاء بتعاون مع جامعة مونستر بالجمهورية الألمانية الاتحادية ممثلة بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية، حيث التمس الفرصة لشكر طاقمها العلمي على تعاونهم المثمر، ممثلا في الدكتور عبد الرحمن زعتري، ومُستغلا المناسبة  لتقديم خالص الشكر إلى الباحثين الذين قدموا أوراقهم العلمية للمشاركة، متمنيا أن تكون نتائجها مغنية في بياناتها المنهجية وفوائدها العلمية، وأن تقدم الإضافة المنتظرة وتحقق الأهداف الأساسية لمشروع هذه الندوات، ليختم كلمته بتجديد الترحاب بالحضور وبكل من سيَنْظم إلى أشغال الندوة من مختلف بلدان العالم، في انتظار تفاعلاتهم ومشاركاتهم ونقاشاتهم التي ستثري هذه الندوة.

       وأُعلن عن افتتاح أشغال الندوة وتمت الجلسة العلمية الأولى بعنوان “مراجعة منهجية لطرائق التأريخ التي اتبعها الباحثون المعاصرون في التأريخ للفقه الإسلامي المبكر”، سيرها الدكتور عبد الرحيم زعيتري من جامعة مونستر بألمانيا، وقرر لها الباحث الأستاذ ياسر صابير من جامعة ابن طفيل، المغرب.

       بدأت الجلسة، بكلمة الدكتور عبد الرحيم زعتري شكر فيها مدير أكاديمية نماء على ترحيبه الحار، ورحب بدوره بكل الزملاء والزميلات وكل الباحثين والباحثات، وسلم الكلمة للباحث محمد عبيدة من جامعة عبد المالك السعدي، المغرب، في المداخلة الأولى بعنوان “تفسير جورج طرابيشي لنشأة الفقه والسنة؛ مراجعة نقدية في ضوء نقاشات الفقهاء المبكرة، الرد على البشير الأوزاعي نموذجا”.

     قدم الباحث مراجعة نقدية لبعض تحليلات جورج طرابيشي التي قدمها، واختصر في مناقشته على موقفه من الفقه الحنفي، وانطلق من تحديد سياق مقاربة طرابيشي لنشأة الفقه الإسلامي، وهذه المقاربة ـ في نظره ـ تندرج في ضمن القراءات الحداثية للتراث، والتي ترمي إلى تأويل التراث ودراسته انطلاقا من أدوات معرفية “علمية” ومعاصرة، وترتكز على المسلمات الماركسية، ومن نواقص القراءة الماركسية للتراث العربي الإسلامي أنها تحصر العوامل المؤثرة في الحركة العلمية والثقافية في العوامل المادية وإلغاء إمكان الوحي المفارق، ومنها: تهميش أدوار الفاعلين الاجتماعيين ، أو حصرها في المنافع الاقتصادية والمادية، مع إهمال ما يدعوه فيبر بالعقلانية القيمية.

   لينتقل إلى فقه مالك وأهل المدينة، الذي اتسم تعامله ـ حسب الباحث ـ مع الآثار بنوع من الحرية، حيث أبقى باب التناقض مفتوحا، وسمح لنفسه حرية في الاختيار والأخذ بالرأي، ووجد في أخذه بعمل أهل المدينة مجالا للتحرر من الحديث، وكثيرا ما رد بعضها لتعارضها مع العمل المتوارث، وهذا الهامش من الحرية تم تضييقه بعد مالك، وكثير من آرائه وضعت أو مروياته المعلقة والمرسلة اخترعا لها أسانيد في القرن الثالث. ويعتبر حديث “لا وصية لوارث” أنموذج لتطور الحديث، وكاشف عن تطور الأسانيد ودورها في تبرير إنتاج الأحاديث.

    أما عن فقه العراق، من خلال حديثه عن أبو حنيفة، فأشار إلى أنه لم يترك أثرا مكتوبا حسب زعمه؛ وأن كل ما أثر عنه عبارة عن أقوال نسبها إليه تلاميذه خاصة أبو يوسف ومحمد بن الحسين، كما اعتبر أن المدونة الحديثية لم تكن قد تبلورت زمن أبي حنيفة؛ وهذا دافع للتشكيك فيما نسبه تلاميذه من أحاديث إليه، والثابت أن سيشتهر بأنه صاحب رأي كما أطلقه عليه ابن سعد لا صاحب حديث، وما في التراث الحنفي من نسبة مسند حديثي لأبي حنيفة دليل على انتصار إسلام الحديث والسنة وانحصار الرأي.

     أما التناقضات التي أبرزها الباحث في مسألة تقويم تفسير طرابيشي لتصوره عن علاقة أبي حنيفة بالحديث، منها: تناقض في إثبات صحة مالك بالحديث ونفيها عن أبي حنيفة، معللا ذلك، بكون مالك وأبي حنيفة من عصر واحد، ومن غير المنطقي أن يكون الحديث متاحا لمالك وغير متاح لأبي حنيفة، أيضا تناقضه حين ربط نشأة الفقه والحديث بطقة الموالي زمن الأمويين؛ وأبو حنيفة مولى من الموالي، فكيف يرى أن الحديث تشكل بعده وأنه كان سابقا على ثورة الحديث، وتناقض آخر حين رأى أن تهمة الرأي لم تطل أبا حنيفة وحده، بل طالت تيارا  من أتباعه وتلاميذه؛ فلماذا الفصل في استنتاج علاقة أهل الرأي بالحديث بين أبي حنيفة وتلاميذه؟ ولماذا بقيت صفة الرأي لصيقة بالتلاميذ رغم اشتالهم بالحديث؟

    ولم يعلل الطرابيشي ـ حسب الباحث ـ سبب نكوص أبي حنيفة عن سبيل الموالي، خاصة أنه فقيه؛ والفقه عند جورج طرابيشي مشروع سياسي ـ قانوني بالأساس؛ فما الذي دفع أبي حنيفة إذن لترك طريقة الموالي والسلوك بالفقه منحى آخر بعيدا عن الحديث؟ ودافع الباحث في مسألة المحدثون في سجالهم مع أهل الرأي، أنهم يقدمون على الأخبار القياس والرأي. وكون مالك يورد الأحاديث التي ظاهرها الاختلاف لا يعني إقراره بتناقضا، وما قدمه الشافعي ـ تلميذه ـ من منهج في التعامل مع هذه الأخبار وتأويلها، دليل على أن مالك وطبقته من الفقهاء لم يكونوا يعدون الاختلاف والتناقض مقبولا، ولم يكونوا يعدون الأخبار على درجة واحدة في الثبوت، وهو آلية تأويلية أيضا مشتركة بين مختلف الفقهاء.

      فافتراض أن الاسناد ظهر لتبرير الاختلاف ـ حسب الباحث ـ لا يمكن تفسير الجهد الكبير الذي بذله علماء الحديث، وأن دعوى اختلاف الاسناد تفترض أمرين لا يمكن قبولهما بسهولة: أن يزعم مختلق الرواية لقاءه بشيخ، وتحديثه عنه، وهو لم يلتقه؛ وان يقبل الناس هذا الاختلاف دون رد فعل، وأن يصمت الباحثون عن الحديث الصحيح، إما لكونهم لم يوجدوا أصلا، أو لأنهم تحروا وفضحوا عملية الاختلاق، ولكن نقدهم لم ينشر ولم يبال بها التلاميذ والناقلون رغم تجشمهم العناء الشديد في طلب الحديث.

     وأكد الباحث في ختام ورقته البحثية، أن تفسير طرابيسي للفقه الإسلامي شابته مجموعة من الثغرات المنهجية؛ وتتجلى في ارتكازه على الدافع السياسي والمصلحي، وإهماله للدوافع القيمية رغم أهميتها في تفسير الأفعال وتأويلها، وأن مقاربته لم تستطع تفسير مجموعة من الممارسات المعرفية للفقهاء في الحقبة المبكرة، كاشتراطهم شروطا صارمة في قبول الأخبار؛ وبذل المحدثين جهودا كبيرة في نقدها، وانتهاج آليات تأويلية للتعامل مع اختلاف النصوص الحديثية والجميع بينها وبين الرأي رغم أن هذه النصوص مختلفة، ورغم أنها قيد إضافي لم يقر القرآن بشرعيتها أصلا.

    وفي هذا الإطار، قدم الدكتور زعيتري ــ مسير الجلسة ــ إضافات علمية بخصوص ما خلص إليه الباحث، من بينها أن جورج طرابيشي يرتبط بالمدرسة الكلاسيكية في الاستشراق؛ لذلك لديه هذه التصورات عن الحديث، بالإضافة إلى أنه منهجيا في مقاربته للتاريخ، إنما يصدر عنه يتم صياغتها في علاقة الخلفية بالصراع الطبقي والسياسي.

     وفي موضوع آخر يهم موقف الاستشراق من الحديث النبوي، أبرز الباحث مروان الحابشي من جامعة الحسن الثاني ـ المغرب، في ورقته البحثية بعنوان “مراجعة نقدية لمنهجية هارالد موتسكي في إثبات صحة الرواية الفقهية للمذاهب المبكرة”، نقطتين أساسيتين؛ الأولى؛ أن منهج هارالد موتسكي عرف نوعا من الشهرة في أوساط الباحثين في الدراسات الحديثية في الغرب خاصة.

أما الثانية؛ أن موتسكي يعتبر من أهم الباحثين الغربيين الذين أعادوا النظر في العديد من المقولات الاستشراقية القديمة، بمنهج يعتبر أنه منهج حديث مقارنة بمن سبقه، ولابد من التأكيد على أن هذا العمل الذي قام به، يقوم على إثبات صحة الرواية الفقهية، فهو يثبت هذه الرواية الفقهية التي عرفت نوعا من التقليل والتبخيس في بعض الاستشراقية القديمة، وكما أشار إلى أن المقصود بالرواية الفقهية هي الأحكام والأقوال الفقهية التي رويت. فالمدرسة التي اهتم الباحث بها في ورقته البحثية، هي المدرسة المكية بشكل خاص.

   ثم ينتقل بنا الباحث في حديثه عن الخلفية التي جعلت هارالد موتسكي يقوم بهذا البحث؛ وتتأتى بالقيمة العلمية لعمله، حيث أنه خصص كتاب ضخم أسماه ببدايات الفقه الإسلامي وتطوره في مكة حتى منتصف القرن الهجري الثاني الموافق للثامن الميلادي، ومن أسباب هذا العمل؛ قلة الاهتمام بالمدرسة المكية المبكرة سواء من العلماء المسلمين أو غيرهم، والرد على مزاعم مؤسس المدرسة الذي ابن عباس شخصية خرافية من قبل شاخت، ومناقشة الصورة التي انتشرت الغموض في تاريخ المذاهب الفقهية المبكرة، تميز فيها الفقه بالضعف والضئالة، والتي يعتبرها مبنية على أحكام سابقة، ومبنية أيضا على تصورات غير دقيقة، وعموميات لا يمكن أن تقبل في البحث.

   وليعالج كل هذه الإشكالات المطروحة، رجع هارالد موتسكي إلى مصنف عبد الرزاق “126 ـ 211ه” الذي يعد أقدم المؤلفات التي تضم روايات جميع الأجيال السابقة؛ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وروايات عن الصحابة والتابعين وغيرها، فاعتبر أن هذا النص يعتبر أهم نص في التعرف على المدرسة المكية في قدومها وفصولها وتجلياتها نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني. كما يعتبر أن الرواية التي حققت متطابقة مع رواية عبد الرزاق بشكل متكامل، وأن العمل جمع من مصادر قديمة ترجع إلى ما بين 144ه و154ه، وهؤلاء العلماء الذين أخذ عنهم عبد الرزاق هم أصحاب مؤلفات أيضا.

    لكن موتسكي ـ حسب الباحث ـ لم يعمد إلى دراسة مصنف عبد الرزاق بشكل كامل، بل اختار لذلك رواية بن جريح في رواية عن عطاء وعن عمرو بن دينار، ويؤكد موتسكي أنه سيقتصر في دراسته على كتاب “الزواج” وكتاب “الطلاق”، ولم يعتمد كل الروايات التي جاءت في مصنف عبد الرزاق، بحكم أنه يرى أن ذلك مضيعة للوقت.

     فحينما بدأ دراسة هذه الروايات، درس المرويات ولم يتحدث بشكل مفصل عما نقل حول هؤلاء الأعلام في كتب التراجم، وانتقد الباحث عمل موتسكي من خلال قفزه مباشرة لدراسة مرويات عمرو بن دينار، ولم يدرس شخصية هؤلاء الأعلام بشكل مفصل نهائيا، فهو أشار فقط إلى أن أبو شعتاء يمكن اعتباره أستاذا مباشرا لعمرو بن دينار، وأن أغلب المرويات التي توجد في مصنف عبد الرزاق هي تأتي من أبي شعتاء إلى ابن عباس.

     ثم ينتقل الباحث في ورقته للحديث عن معايير هارالد موتسكي في التدليل على صحة الرواية الفقهية من خلال روايتين هما: رواية ابن جريح عن عطاء ورواية ابن جريح عن عمرو بن دينار، فموتسكي يزعم أن معاييره في التدليل على صحة الرواية الفقهية المكية أكثر موضوعية مما ضمته أعمال شاخت، حيث صنف الباحث هذه المعايير إلى: معايير شكلية خارجية للصحة من قبيل؛ اخلاف الحجم وتنوع النصوص، ومعايير شكلية داخلية للصحة من قبيل: دلالة تعاليق ابن جريج على صحة روايته ودلالة الآراء الفقهية الخاصة لابن جريج على  صحة روايته، والمعيار الأخير، نقاط أربع دالة على صحة رواية ابن جريج عن عطاء.

    أما عن أثر صحة رواية ابن جريج عن عطاء في دراسة الفقه المكي وإشكاليتها؛ استنتج موتسكي أن ما تضمنه مصنف عبد الرزاق من رواية ابن جريج عن عطاء يعد بالفعل صحيحا، ويعتبر أن رواية ابن جريج عبارة عن مادة موثوقة تاريخيا لدراسة التطور التاريخي للفقه في مكة في العقد الأول من القرن الهجري/ الثامن الميلادي.

   فالإشكالية التي طرحها موتسكي ـ حسب الباحث ـ تكمن في اعتبار أن رواية ابن جريج عبارة عن مادة موثوقة تاريخيا لدراسة التطور التاريخي للفقه في مكة في العقد الأول من القرن الهجري الثاني/الثامن الميلادي. فحسب موتسكي كانت هذه هي بداية المذهب في أكبر مراكز التعليم آنذاك في بداية القرن الهجري الثاني. وافترض أنه يمكن اعتبار رواية ابن جريج مادة موثوقة تاريخيا لدراسة التطور التاريخي للفقه في مكة في المنتصف الثاني من القرن الأول.

   وبناء على الخلاصات التي خلص إليها، أن أبو عباس يعتبر المؤثر الكبير في قيام هذه المدرسة، وأن رواياته حازت على مكانة مهمة، فافترض الباحث ان المعايير الدالة على صحة رواية عطاء عن ابن عباس هي دليل على أنه يمكن الرجوع إلى التأريخ لنشأة المدرسة المكية إلى المنتصف الثاني من القرن الأول، واعتبار أن ابن عباس هو المؤسس الفعلي للمدرسة المكية وليس فقط مؤثرا كما يقدمه موتسكي.

  ولتأكيد ذلك، أشار الباحث إلى المنهجية التي اتبعها موتسكي هي دراسة النصوص والمرويات، ولكن في نفس الوقت في نهاية كتابه يشير موتسكي إلى أن كتب التراجم يمكن اعتمادها كذلك لتسوية هذه المؤسسة أو وغيرها من المدارس، لكن كما أشار الباحث فيما سبق، يشير موتسكي إلى السمعة السيئة التي حازتها هذه الكتب عند المستشرقين، ويشير كذلك إلى أن كتب التراجم من الكتب المفيدة في دراسة هذه المسألة.

   وأبرز الباحث دور ابن عباس في قيام المدرسة المكية من خلال ثلاث نقاط؛ الأولى: ابن عباس بين الاستشارة السياسية والافتاء، باعتباره ممن حاز على مكانة عالية عند كل من الخليفتين عمر ابن الخطاب وعثمان ابن عفان، وكان نشيطا حتى أنه لما مرض جاءه عمر فقال له، أصر مرضك وافتقدناك، حيث أنه كان يفتي في زمنهما، إذن فشخصية ابن عباس كانت فاعلة في المجتمع المكي آنذاك، الثانية: مجلس ابن عباس، فمما تذكره التراجم أنه كان له مجلس ويحضره الكثيرون، الثالثة: المرجعية العلمية لخصها الباحث في مفهوم “شهادة الأقران وعدالة الرواة”، ولم تكتسي هذه الشهادات أهمية كبيرة بسبب الحكم السلبي الذي كان سائدا في الأوساط الاستشراقية عن كتب التراجم.

   فشهادة الأقران ـ حسب الباحث ـ آلية تاريخية في دراسة سند المدرسة المكية العام، وتساهم هذه الشهادات في تجلية حالة المجتمع العلمي آنذاك ورسم تفاصيله وملامحه؛ فتعرف بنوعية النقاشات التي كانت سائدة عن الروايات، وبالعلوم التي يزغ فيها عالم معين، وبالفنون التي شارك فيها، وبالسمعة العلمية التي كان يتمتع بها.

  ليختم الباحث ورقته باعتبار أعمال هارالد موتسكي من أهم الأعمال لتي زعزعت بعض المسلمات الاستشراقية التي بنيت على أحكام مسبقة وتصورات خاطئة عن المصادر الإسلامية وعلى رأسها كتب التراجم، وأن المعايير التي استخدمها موتسكي أكثر موضوعية من أعمال من سبقه من الدارسين الغربيين، ودراسة سيرة ابن عباس تبين عدم صحة التصور الاستشراقي عن غموض المدرسة المكية في القرن الأول، وابن عباس يعتبر المؤسس الفعلي للمدرسة المكية وتأثيره كان أكبر مما ذهب إليه موتسكي، ورواية ابن جريح قمينة بوصف ملامح المدرسة المكية في بداياتها المبكرة في القرن الهجري الأول وليس الثاني.

      وتفاعلا مع الورقتين البحثيتين، تراوحت إجمالا الأسئلة والتعقيبات والإجابات العامة بين المشاركين والباحثين وباقي الحاضرين، وكانت الأسئلة؛ الأولى والثانية والثالثة والرابعة موجهة إلى الباحث محمد عبيدة، الأول: ما هو المنهج الذي استعمله جورج طرابيشي في الوصول إلى ما وصل إليه؟ وما تأثير ذلك المنهج في النتائج المحصل عليها؟ حيث تفاعل معه باعتبار جورج طرابيشي كما قال ــ في بداية ورقته ـــ اعتمد منهجية ماركسية، وبالتالي فهو يفسر نشأة السنة بالعوامل المادية، ويحاول أن يربط نشأة الفكر بالصراعات الطبقية والمصالح وغير ذلك، وعندما نتحدث أولا عن نشأة السنة، اعتبرها طرابيشي لم تكن واجبة في الاتباع، وأن الرسول “ص” عليه أن يبلغ القرآن وحده، ويقول أيضا أن من سيأتي بالفقه هم مثقفو الشعوب المفتوحة، وأن القرآن كان للعرب وحدهم، والمطامع السياسية للصحابة وغيرهم حولوا الإسلام من النبي الأمي إلى النبي العالمي، وغيرها.

     أما الثاني: ذكر الباحث محمد عبيدة أن طرابيشي لم يعتبر الوحي في تفسير الظواهر الفقهية ونشأتها؛ حيث تفاعل الباحث باختصار بأن منهجية طرابيشي ماركسية، والتدخل الإلهي مرفوض في المنهجية المادية.

       أما الثالث: مما ذكرتم أن جورج طرابيشي اقتصر على الجانب السياسي في تفسير الظاهرة، فهل من يخالفه من فقهاء ينفون التأثير السياسي، ومن يمكن اعتباره ممثلا جيدا لهذا التفسير الذي يشمل هذه الظاهرة من جميع الجوانب؟  يجب تفسير الأفعال بالنظر إلى ربط المقاصد أو الغايات أو الاعتقادات بالأفعال، لرؤية رد الفعل وهذا السلوك، فالسياق هو الذي يحدد هل كان جاريا على مصالحه أم كان جاريا على اعتقاده وإيمانه إلى آخره. فالسياق هو الذي يحدد العامل الأكثر تأثرا فيما ذكرت.

     أما الرابع: هل يمكن القول إن طرابيشي اكتفى بمصادر التراث كما هي، أم أنه تجاوزها تأثرا بالفلسفة الماركسية وسياقات وجودها؟ وجاء تفاعل الباحث على النحو التالي؛ طرابيشي انطلق من مصادر إسلامية أولا، ومن حيث آليات التحليل؛ اعتمد المناهج المعرفية الغربية.

 ومن المميز في حلقة النقاش، إغناءها بإضافات، حيث شارك مسير الجلسة بدوره في النقاش من خلال طرحه سؤالا موجها إلى الباحث مروان الحابشي، وكان على النحو الآتي: من خلال اشتغالك على هارالد موتسكي، هل هناك اهتمام عربي به، هل رأيت تفاعل الدراسات العربية حول موتسكي؟ لأنه في الشق الإسلامي غير الناطق بالعربية؛ ماليزيا، أندونيسيا، على سبيل المثال، تجاوزا مناقشة نظرية موتسكي إلى استعمال منهجه في تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وهناك المئات من الأوراق البحثية المتعلقة بهذا الغرض، فكيف تقوِّم التفاعل العربي مع نظرية موتسكي؟ مع العلم أن الكثير لا يعرف أن كتاباته مترجمة.

   وتفاعل الباحث، باعتبار أن هناك العديد من الدراسات الغير عربية بخصوص موتسكي، كان آخرها قيام الجامعة الأمريكية لدعوة للمشاركة في ندوة دولية عن موتسكي ومنهجه والمناهج التي وجدت في وقته، وبالتالي يكاد في العالم العربي يكون حضور موتسكي شبه منعدم، ولم نجد ـ حسب الباحث ـ إلى حدود علمه دراسة لموتسكي في العالم العربي، ما عدا حوارا كان له مع أحد الدكاترة، أما غير ذلك، يبقى في حدود ترجمة مؤلفاته.

   واختتم المسير الجلسة العلمية الأولى، بسؤال حول تمنيه لو كانت أوراق أخرى حول منهج ميشال فوكو الذي اعتمد عدد كبير من الباحثين ولازالوا يعتمدون نظريته في تفسير الإسلام وغير ذلك، بحيث أشار إلى أن الجلسة انتهت قبل الوقت المحدد لها، وذلك بسبب غياب المتدخل الأول، وأحال الكلمة إلى الدكتور عبد الغني سلطان الفقيه من أجل تسيير الجلسة الثانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.