منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإرث الحضاري الإسلامي لمسجد “آيا صوفيا”

0
اشترك في النشرة البريدية

مقدمة:

التاريخ دورة من دورات الزمن، ولم يتوقف بمشهد الشر والطغيان، فهو محكوم بسنن وقوانين إلهية، وسنة التداول من السنن الإلهية الحضارية الحاكمة على الواقع، وسيرورة الأفراد والأمم محكومة بهذه السنن والقوانين المطردة وهي محايدة لا تحابي أحدا- سننا جزئية- تعطي كل من يوظفها على قدرة سعيه في تسخيرها والتعامل معها قال الله تعالى: “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”. (آل عمران:140).

لقد شملت سيرة النبي ﷺ جل الحالات التي سوف تعرض لها الإنسانية في المجالات جميعا. فهناك صور وأحداث في عهده ﷺ كانت موازن القوى متفاوتة؛ فريق مشرك قوي مسيطر يملك كل شيء، وفريق آخر ضعيف مستعبد لا يملك شيئا،وكان موقف النبيﷺ فيها يتمثل في أمور منها:

– التبشير بالنصر والتمكين وبغلبة الحق وأهله، واندحار الباطل وجنده.

– دعوته عليه الصلاة والسلام عدم الاستعجال، وحثهم على التدرج وتلقين الصحابة رضي الله عنهم الصبر والتحمل مع العمل والجد والاجتهاد والجهاد.

المزيد من المشاركات
1 من 21

– وهناك مواقف نبوية جاءت تعبيرا عن سنة التداول في الأرض بين الحضارات والأمم؛ تداول بين الخير والشر، بين الظلم والعدل وبين السقوط والنهوض؛ بين الاستكبار والانتصار.

أولا: مسجد “آيا صوفيا” الإرث الحضاري العائد لدوره.

ورثت الأمة الإسلامية من الرسول ﷺ مبشرات وآمال أن النصر والتمكين حليف المسلمين، وأن مع العسر يسرا على الرغم مما سيصل إليه جسم الأمة الإسلامي من وهن وضعف وانتكاسة. ومن القضايا والأحداث التي تنبأ لها الصادق الأمين ﷺ للوراثة الحضارية الإسلامية مسألة فتح القسطنطينية في الحديث المشهور: (لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ)[1]. لذلك تنافس كل قائد عظيم من عظماء وملوك المسلمين، وكل زعيم من زعمائها؛ للظفر ونيل شرف فتحها ليكون صاحب بشارة رسول اللَّه ﷺ. فحاصرها المسلمون إحدى عشرة مرة، كانت أول مرة مع القائد الأموي يزيد بن معاوية رحمه اللَّه، ثم حاول السلطان الأموي سليمان بن عبد الملك بن مروان رحمه اللَّه الكرة مرتين على القسطنطينية.

انتظر المسلمون قرونا إلى عام 1453م لتتحقق هذه البشارة النبوية، وكان ذلك في عهد الدولة العثمانية زمن السلطان العثماني محمد الثاني الملقب بالفاتح، الذي تجسدت فيه شروط الوراثة الحضارية الإسلامية والدعوة النبوية الشريفة، فكان بحق كما وعد النبي ﷺ رجل الدولة والأمير القائد، وراعي الحضارة الإسلامية، فأمر برفع الآذان في آيا صوفيا إيذاناً بجعلها مسجداً جامعاً.

توجه الفاتح العظيم إلى كنيسة آيا صوفيا، “وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القساوسة والرهبان فاطمأنوا، وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم، وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة إلى مسجد وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة… وقد يجوز تحويل الكنيسة إلى مسجد لأن البلد فتحت عنوة والعنوة لها حكمها في الشريعة الإسلامية”[2] بعد أن أمر بتحويلها مسجدًا، أمر بإقامة مسجد في موضع قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري الذي كان ضمن صفوف المحاولة الأولى لفتح المدينة العريقة، وقرر اتخاذ القسطنطينية عاصمة لدولته، وأطلق عليها اسم (إسلام بول) أي دار الإسلام. والسلطان محمد الفاتح لم يظهر ما أظهره من التسامح مع نصارى القسطنطينية إلا بدافع التزامه الصادق بالإسلام العظيم، وتأسيا بالنبي الكريم ﷺ ثم بخلفائه الراشدين من بعده الذين امتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التسامح الكريم مع أعدائهم[3]. وانتهج سياسة متسامحة مع سكان المدينة، وكفل لهم ممارسة عباداتهم في حرية كاملة، وسمح بعودة الذين غادروا المدينة في أثناء الحصار إلى منازلهم.

إن قرار تحويل آيا صوفيا مسجدا من قبل محمد الفاتح لم يكن عنوة أو إكراها فالسلطان من مميزاته أنه كان عالما، وحافظا، ومحدثا، وفقيها، ويتحدث سبع لغات منها اللاتينية، وتعامل بالتزامه هذا الإرث الحضاري متقدم بقرون على الهمجية الأروبية السائدة آنذاك. وهدفه كان رساليا تحقيقا لموعود الله ورسوله، ورسالته كانت رسالة إقناع، عنوانها لا إكراه في الدين. وكان الشيخ آق شمس الدين أول من ألقى خطبة الجمعة في مسجد آيا صوفيا[4]، ثم ظل هذا المسجد مركزا إسلاميا يحظى برمزية كبيرة، مُرتبطا في الأذهان بـالبشارة النبوية لفتح القسطنطينية. إلى أن قدّر الله وسقطت الإمبراطورية العثمانية، لتسقط معها آيا صوفيا من أيدي المسلمين.

ثانيا: آيا صوفيا تتجاذبها المعتقدات:

من الأسباب التي أدت إلى سقوط آيا صوفيا من يد المسلمين؛ هو ما اقترفته أيديهم بسبب معاصيهم وبعدهم عن القيم الإسلامية والمبادئ الأخلاقية واستبداد الحكام العرب والمسلمين وقابلية شعوبها للاستعمار. ففي عام 1931م منع مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، ورئيس الجمهورية آنذاك، وبمعية دول الاستعمار إقامة الشعائر الدينية في المسجد قبل صدور مرسوم حكومي عام 1934 بتحويله إلى متحف فني والهدف بزعمهم إهدائه إلى الإنسانية. لكن كما قال عمر عبيد حسنة “الوراثة الحضارية ليست أماني وأحلام يقظة ومكوث في غرفة الانتظار، وعدول عن السنن الجارية في الحياة والأحياء إلى السنن الخارقة، وترك ما نملك والتطاول إلى ما لا نملك، والتطلع إلى المنقذ الذي يهبط من السماء ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا وظلما”[5]. لذلك فالأتراك لم تتوقف تظاهراتهم واعتصاماتهم مدة 86 عاما لاسترجاع مسجدهم الجامع، بل الجامعة التي كانت تحوي مئات حلقات طلبة العلم، من أرجاء الأمة خاصة بلاد الثغور، “وكان جوهر برنامج البروفيسور نجم الدين أربكان الانتخابي استعادة المسجد المغدور”[6].

إن قضية “آيا صوفيا” بالأساس قضية حضارية، ثقافية، سيادية، ولها جذور قومية، ووطنية، ودينية، فالقوميون الأتراك تحمسوا للقرار أكثر من الإسلاميين، لا بل إن خصوم أردوغان أصدروا بيانات قوية للإشادة بالخطوة، وكان شبه إجماع وبقوة على الخطوة التي قام بها الرئيس، “فالقضية ليست قضية مسجد، وكنيسة، ومتحف، القضية أن تركيا تسيدت العالم لقرون، ثم أهينت في عقر دارها مرارا، وحاولت 22 دولة أوروبية مع استراليا، ونيوزلندا، اجتياح اسطنبول لأجل أيا صوفيا، في معركة استمرت لتسعة شهور على بوابات مضيق الدردنيل عام 1915 م، حيث انتصر العثمانيون في “جناق قلعة” بعد ما فقدوا ربع مليون شهيد منهم آلاف من الأردن وفلسطين، ولا زالت أسماؤهم على القبور مرسومة، وموسومة بحسب بلداتهم”[7].

ثالثا: الدروس والعبر المستفادة من استرجاع مسجد آيا صوفيا.

1- إن من سنة الله تعالى في خلقه أنه لا يخرج قائد رباني رشيد، وفاتح مغوار إلا كان ورائه بطانة صالحة ومجموعة من العلماء الربانيين المخلصين يساهمون في تعليمه وتربيته وترشيده، وقد كان للشيخ آق شمس الدين دور في تربية محمد الفاتح على معاني الإسلام والإيمان والإحسان.

2- سنة التداول وغيرها من السنن سارية في كل زمان ومكان فهي -السنن الإلهية- مزيج من النجاح والفشل، والانتصارات والانتكاسات، والمسلمون في تجربتهم ليسوا بمعزل عن هذه القاعدة، فهذه سنة من سنن الله في الاجتماع البشري؛ والمسلمون لابد وأن تجري عليهم هذه السنن، كما تجري على غيرهم من الأمم بغض النظر عن الإيمان والكفر! فإن سنن الله قوانين لا تُحابي مسلما ولا غير مسلم، فمَن حفِظها حفِظته، ومَن تجاوزها تجاوزته.

3- أظهر هذا الموروث الإسلامي -آيا صوفيا- كما المواريث المتعددة للأمة منها القدس الشريف المغتصب صغار ودناءة النخب السياسية في المجتمع العربي ومدى انسلاخها تماما من أي ثقافة سياسية محترمة، وانغماسها في أوحال الاستبداد وعدم استعدادها للتخلي عن الحومان حول المستبد سبب وجودها.

4- كما علمتنا اللحظة التركية أن حب الوطن ومعنى الوطنية ليست كلاما يلاك وشعارات تصم الآذان على أعتاب المستبد البليد، إنما هي روح تسري في دماء أبناء الوطن قيادة وشعبا لامتزاج الوطن والوطنية عندهم بمعاني العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والحرية السياسية[8].

5- أمرنا الرسول الكريم ﷺ أن نتعلم اليقين في الله كما نتعلم القرآن؛ بأن النصر والتمكين حليف المسلمين وإن طال الزمن.

لقد تمتعت الأمة الإسلامية بنوع من المناعة والممانعة الحضارية من الذوبان والاضمحلال بما تملكه من كسب وإنتاج بشري ضمن إطار معرفة الوحي. وكلما توفرت فيها شروط وظروف هذا الإرث الإسلامي نهضت من كبوتها واحتفظت بالإمكان الحضاري.

6- حدث تحويل متحف”آيا صوفيا” إلى مسجد، كما كان عليه زمن محمد الفاتح وإقامة أول صلاة جمعة فيه يومه 24 يوليوز من عام 2020م، هو بمثابة الطاقة الروحية المتجددة التي تشحذ الهمم، وتصوغ الأمة العربية والإسلامية صياغة أخرى. كما تشحذ جسم الأمة الإسلامية المريض ومحاولة تخطي هذا الواقع والدفع بعجلة التاريخ إلى الأمام.

7- إن الطاقة الروحية المتأتية من طبيعة الإيمان الذي تغذيه العبادة ويستجيب له السلوك هي التي تمنح هذه الأمة وهذا الجسم الإسلامي الصبر والتحمل والاحتساب، وتجدد الطاقات الشبابية من أجل القيام بدورها الحضاري تجاه أمتها في استشراف المستقبل. وعودة آيا صوفيا إلى الدور المنوط به في هذه الأيام المباركة من عام 1441هـ/2020م يجعلنا نعيش الأمل في تحويل شعارات القضايا الكبرى المصيرية التي تهم الإرث الحضاري للأمة الإسلامية، وتحويل الخطب الحماسية، والدروس والمواعظ  الباهتة، والكتابات العاطفية الزائفة؛ تحويل كل هذا إلى برامج وخطط عمل تأخذ في اعتبارها وحسبانها الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة والزمن المطلوب والموقع المناسب من السيرة، الذي يمنحها بصيرة الاقتداء والاستلهام والتنزيل على الواقع وتقويمه بقيم الإسلام.

خاتمة:

إن الأمة الإسلامية تملك عقيدة دافعة، وتجربة تاريخية حضارية قارة بالحجة والبرهان، وتملك مخزونا فكريا، وإرثا حضاريا زاخرا بالقيم والمبادئ الأخلاقية، يجعلها الأقدر على الشهادة على الناس، والشهود الحضاري، ومواصلة العطاء الإنساني من أجل السيادة المنشودة.

لا شك أن الرسالة الإسلامية وريثة النبوة، والأمة المسلمة وريثة الأمم، وهذا العمق الحضاري يؤهل الأمة كلما كانت في مستوى إسلامها، أن تقدم إسهاما حضاريا متميزا مستوعبا للموروث الإسلامي جميعه، محيطا بالواقع بكل أبعاده ومساحاته، قادرا على استيعاب سنة الاستخلاف والعمران، التي من أجلها كانت الرسالة السماوية ولأجلها خلق الإنسان تحقيقا لموعود الله ورسوله للخلافة الإسلامية إن شاء الله تعالى.

[1] –  رواه الإمام أحمد في المسند عن عبد بن بشر الخثعمي. ج:4/335. وصححه الحاكم والذهبي.

[2] – علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، (شركة الأمل للتجهيزات الفنية، ط1/1421هـ 2001م). الصفخة: 111.

[3] – علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، (مرجع سابق). الصفحة:112.

[4] – علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط، (مرجع سابق). الصفحة:115.

[5] – عمر عبيد حسنة، الوراثة الحضارية، (المكتبة الإسلامية، ط1 1424هـ ـ 2003م). الصفحة:31.

[6] – سعود أبو محفوظ، مسجد آيا صوفيا، مقال نُشر بمجلة المجتمع الإلكترونية، بتاريخ: 16/7/2020.

[7] – سعود أبو محفوظ، مسجد آيا صوفيا، مقال نُشر بمجلة المجتمع الإلكترونية، بتاريخ: 16/7/2020.

[8] – الدكتور محماد رفيع، “الدرس التركي يتقدم ويتجدد ولا يتأخر”، موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، بتاريخ: 19/07/2020.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.