منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإسلام و التنوع الثقافي

علي المطهري

0

إن المتأمل في رسالة الإسلام، ليجد الله سبحانه وتعالى قد خصها بخصائص ومزايا عظيمة، لا تعد ولا تحصى، مثل العالمية والعمومية والخلود ، وغيرها كثير، وهذه الخصائص والمزايا لم تعط للديانات السابقة.
وإن المتأمل أيضا في دعوة الرسول الأكرم، صلوات الله عليه، ليجدها موجهة للإنسانية جمعاء، بل الأكثر من هذا، القرآن الكريم خاطب الجميع سواء كان متبعا لديانة ما، أم غير متبع، والقرآن الكريم ضم بين دفيته خطابا للجميع، يُراعي الخصوصية وما يتعلق بثقافة كل قوم، وهذا إن دل فإنما يدل على سعة احتواء الاسلام للناس جميعا، مراعيا في هذا الاحتواء اختلاف الأعراق والأجناس والحضارات، مؤكدا بما لا يدع مجالا للشك على أن موقف الاسلام من التنوع والاختلاف موقف صريح، يتجلى في الاعتراف بحرية الاعتقاد وعدم الاكراه على الدخول في دين الاسلام، ضامنا لهم كافة الحقوق.

اعتبارا لأهمية هذا الموضوع، وكونه أحد الركائز المستلزمة للدعوة إلى حوار فعال مع الآخر، حوار يعترف بالأساس بأهمية التنوع الثقافي، وأن هذا التنوع – الاختلاف – لا يصنع العداوة بقدر ما يفتح المجال لترسيخ منطق المشترك الانساني، ويوطد مبادئ القيم الانسانية التي يتقاطع فيها كل بني البشر، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعقدية و المذهبية والسياسية…، سوف نحاول إن شاء الله التطرق إلى النقاط التالية :

  • مفهوم التنوع الثقافي
  • أهميته
  • موقف الاسلام من هذا التنوع
  • نماذج مختارة من الحضارة الإسلامية في الأندلس و المغرب

مفهوم التنوع الثقافي في اللغة و في الاصطلاح :

  • مفهوم التنوع
المزيد من المشاركات
1 من 69

1 ـ في اللغة : يدل لفظ ( نوع ) و جمعه ( أنواع ) قل أو كثر على طائفة من الشيء مماثلة له [1]، و النوع من الشيء : الضرب أو الصنف . و النوع أخص من الجنس ،و يقال : ما أدري على أي نوع هو، أي على أي وجه . و يقال : هذا ليس من نوع ذاك . و يقال : تنوع الشيء أنواعا [2] .

و من جهة الصرف فإن  لفظ ( التنوع ) هو مصدر الفعل ( تنوع ) ، و هي صيغة دالة على التكلف [3]

2 ـ أما في الاصطلاح : يعرف الجرجاني النوع بأنه : كلي مقول على واحد  أو على كثيرين متفقين بالحقائق في جواب : ما هو؟ ، و النوع : اسم دال على أشياء كثيرة مختلفة بالأشخاص [4] . و خير مثال على ذلك هو الإنسان باعتباره نوعا حقيقيا واحدا يندرج تحته أفراد كثيرين كالذكر و الأنثى ، و الإفريقي و الأسيوي و الأوربي …  .

مما سبق نخلص من خلال هذه التعاريف التي سقناها توا، أن مصطلح التنوع يدل على وجود كثرة الأفراد الذين يشتركون في حقيقة واحدة هي نوع الإنسان .

  • مفهوم الثقافة :

عرف الباحثون والمفكرون الثقافة بالعديد من التعريفات اختلفت وفق المرجعيات و الاختصاصات التي ينتمون إليها ، و من أبرزها تعريف إدوارد تايلور في كتاب الثقافة البدائية الذي ذهب إلى أن الثقافة هي ذلك المركب من المعارف و العقائد و الفن والأخلاق و القانون و الأعراف و كل ما اكتسبه الإنسان باعتباره عضوا في مجتمع .[5]

 

أهمية التنوع الثقافي  :

انطلاقا من الآية الكريمة ( و لولا دفاع الله الناس بعضهم لفسدت الأرض و لكن الله ذو فضل على العالمين )[6]، يتبين لنا وبجلاء أن :

  • التدافع سبيل للبناء و الإعمار
  • الاختلاف بين الناس تنشئة و تجربة و تعلما يفرز لنا غنى في الموارد
  • التنوع إقرار بوجود اختلاف بين الناس بناء على خصوصياتهم و تفاصيل تجاربهم ،و هذا الاختلاف يؤدي حتما إلى تعددية في الثقافات .
  • ( إن اختلاف الطبائع المنتهية إلى اختلاف البنى أمر لا مناص منه في العالم الإنساني … ذلك أن التركيبات البدنية مختلفة في الأفراد ، مما يؤدي إلى اختلاف الاستعدادات البدنية والروحية ، و بانضمام اختلاف الأجواء و الظروف إلى ذلك يظهر اختلاف السلائق و السنن و الآداب و المقاصد و الأعمال النوعية و الشخصية في المجتمعات الإنسانية التي لولاها لم يعش المجتمع الإنساني ).[7]
  • ( إن هذا الاختلاف و التنوع الذي فطر الله الناس عليه قد جاء لحكم إلهية بالغة ، لأنه هو الحافز ـ بالتعدد والتنوع ـ للفرقاء المختلفين على التنافس و التدافع و الاستباق ، انتصارا من كل فريق لما به يتميزون ، و ما فيه يختلفون عن الآخرين … و لو لم تكن هذه التعددية و هذا التنوع  و الاختلاف لما كانت حوافز الاستباق و دواعي التدافع و أسباب  التنافس بين الأفراد و الأمم و الأفكار و الفلسفات و الحضارات … فالإيمان بالتنوع و التميز و الاختلاف هو الحافز على الإبداع و التدافع في ميادين التقدم و العمران والارتقاء )[8]

موقف الإسلام من التنوع :

يخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ( و من آياته خلق السماوات والأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ). [9]

و يقول سبحانه : ( و لو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك و لذلك خلقهم )[10]

( لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا ، و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة و لكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) [11]

هذه الآيات الكريمات دلت على أن التنوع والاختلاف سنة من سنن الكون، وأن الغاية من خلق الخلق، هو تنوع مشاربهم واختلاف ألسنتهم، وفي هذا كله حكمة ربانية.

وفي السنة نجد مثالا يتناسب وطبيعة الموضوع:

عندما قدم الرسول صلى الله عليه و سلم في اجتماع عقد بمنزل “دمنة بنت الحارث” و هي يهودية، العقد الاجتماعي الأول : دستور المدينة ، الذي يحدد فيه كل العالقات داخل المدينة و خارجها ، و على ذلك فإن شعب المدينة يتكون من المهاجرين و الأنصار ، و من تبعهم ولحق بهم من أهل المدينة أو أهل الصحيفة كما نصت عليه هذه الوثيقة ، و هؤلاء منهم الوثنيون و منهم اليهود أهل الكتاب . و طالما ارتضى الجميع هذه الوثيقة فهي دستور ينظم روابطهم و عقد يقيم تحالفهم و تعاهدهم على بناء هذه الدولة الجديدة .[12]

وقد نصت على هذه الوثيقة على مجموعة مبادئ منها :

  • المؤمنون و المسلمون من قريش و أهل يثرب و من تبعهم ولحق بهم و جاهد معهم أمة واحدة من دون الناس … و أن يهود أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم و للمسلمين دينهم … و أن يهود أمة ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، و أن على يهود  نفقتهم و على المسلمين نفقتهم ، و أن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، و أن بينهم النصح و النصيحة و البر دون الإثم …و أنه من كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله و إلى محمد رسول الله

نماذج مختارة من الحضارة الإسلامية في الأندلس و المغرب :

قبل فتح المسلمين لشبه الجزيرة الإيبيرية ، كانت إسبانيا تعاني من الجور و العسف ، و كانت أقلية من الأمراء و النبلاء تسود شعبا بأسره و تستغله أشنع الاستغلال و تفرض عليه الرق و العبودية .[13]

إنه طوال مراحل تاريخ الدعوة و الدولة أسهم غير المسلمين في الحياة في المجتمع الإسلامي ، و كان من نتائج ذلك : تكوين الحضارة الإسلامية التي ازدهرت فيها العلوم و الفنون والآداب ، و كانت في جملتها خلاصة لعبقريات الشعوب التي انضمت تحت حكم الإسلام ، و عملت على الرقي بالمجتمع ، و سواء اقتنعت به و آمنت أم ظلت على عقيدتها الأصلية … [14]

يقول القرافي : إن من واجبنا تجاه أهل الكتاب الرفق بضعفائهم ، و سد خلة فقرائهم ، وإطعام جائعهم ، وإلباس عاريهم ، و مخاطبتهم بلين القول ، و احتمال أذى الجار منهم ، مع القدرة على الدفع ، رفقا بهم ، وإخلاص النصح لهم في جميع أمورهم ، و دفع من تعرض لإيذائهم ، و صون أموالهم و عيالهم و أعراضهم وجميع حقوقهم و مصالحهم ، وأن يفعل معهم كل ما يحسن بكريم الأخلاق أن يفعله .[15]

يقول الأستاذ بيرنيت ـ أحد الاختصاصيين في تاريخ العلوم ـ : في هذا العهد الخليفي وجد تسامح ديني وسياسي كبير ، و ظهر تعاون وثيق بين علماء ينتمون إلى أجناس و أديان مختلفة . [16]

ففي عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر تعايش في بلاطه كبار الأطباء و العلماء من أهل الملل الإبراهيمية الثلاث …فقد جمع البلاط الخليفي في وقت واحد بين العالم الطبيب المسلم أبي الوليد محمد بن حسين المعروف بابن الكتاني الذي كان محبوبا من العامة و الخاصة لسخائه بعلمه و مواساته بنفسه ، ولزهده في المال وعزوفه عن جمعه ، و قد أخذ الطب عن الحرانيين الوافدين من المشرق على الأندلس ، كما تتلمذ على الأسقف أبي الحارث .[17]  … و بين الطبيب اليهودي الشهير حسداي بن شبروط الذي كان وزيرا و سفيرا للخليفة ، و هو مثل مسلمة المجريطي و ابن جلجل من تلامذة الراهب البيزنطي نيقولا مبعوث إمبراطور بيزنطة إاى الخليفة عبد الرحمن بكتاب ديسقورديس … و بين النصراني ربيع بن زيد الذي نصبه الخليفة أسقفا مكافأة له على النجاح الذي حالفه في جميع المهمات الرسمية التي كلف بها كسفارته إلى ألمانيا و سفارته إلى بيزنطة … و كمجهوده الكبير في ترجمة كتاب هروشيش من اللاتينية إلى العربية بالتعاون مع العالم المحدث الكبير قاسم بن أصبغ .[18]

ومن معالم التنوع الثقافي كذلك: مشاركة عامة المسلمين للنصارى في أعيادهم و استعمالهم للرسوم الاجتماعية المعمول بها في الأعياد، وفي هذا دلالة واضحة لقيم التعايش السلمي.

و من المعلوم أن نسبة عالية من اليهود ظلت موجودة في بلاد المصامدة إلى وقت قريب، حيث أن الونشريسي تحدث عن يهود ( البلاد التواتية و غيرها من قصور الصحراء النائية ) ، و معنى هذا أن اليهود لم يكونوا ـ في عصر الموحدين و ما بعده ـ موجودين في مدن المغرب و قراه و جباله، و إنما كانوا منتشرين حتى في صحاريه النائية ، و كانوا يسهمون في تجارة القوافل مع التجار المسلمين . [19]

[1]  ـ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج 5 ص 370

[2]  ـ مختار الصحاح للرازي ص 322

[3]  ـ فقه اللغة و سر العربية للثعالبي ، تحقيق عبد الرزاق المهدي ص 285

[4]  ـ التعريفات للجرجاني ص207 و 208

[5]  ـ نظرية الثقافة ص 9 ، عالم المعرفة عدد223

[6]  ـ سورة البقرة، الآية: 251

[7]  ـ الميزان في تفسير القرآن ،محمد حسين الطباطبائي ، ج11 ص 60 ، طبعة بيروت 1972

[8]  ـ الإسلام و التعددية ، الاختلاف و التنوع في إطار الوحدة ، الدكتور محمد عمارة ص 26 طبعة 1 ، مكتبة الشروق الدولية القاهرة 2008

[9]  ـ سورة الروم، الآية: 22

[10]  ـ سورة هود، الآيتين:  118 ، 119

[11]  ـ سورة المائدة، الآية 48

[12]  ـ المسلمون والآخر، أسس لتبادل الحوار والتعاون السلمي ص 17 ،سلسلة فكر المواجهة عدد 20، رابطة الجامعات الإسلامية القاهرة 2006

[13]  ـ الدعوة إلى الإسلام  ص 155 عنان

[14]  ـ المسلمون والآخر ص 88

[15]  ـ الإسلام و الحضارة العربية لمحمد كرد علي ص 40 ـ 41

[16]  ـ حول التسامح الديني و ابن ميمون و الموحدين ص 20 ، الدكتور محمد بنشريفة ،ندوات أكاديمية المملكة المغربية عدد 12 ، سنة 1985

[17]  ـ طبقات ابن جلجل ص 109

[18]  ـ تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس  ص 30 ، د. حسين مؤنس

[19]  ـ حول التسامح الديني و ابن ميمون و الموحدين ص 31

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.