منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يجوز تعجيل إخراج الزكاة قبل وقتها؟

الدكتور أحمد الإدريـــسي

0
اشترك في النشرة البريدية

بسم الله الرحمن الرحيم

من القضايا الملحة زمن انتشار فيروس كورونا، مسألة التعجيل بإخراج الزكاة، هل يجوز إخراجها قبل وقتها أم لا؟. ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز تعجيل الزكاة قبل وقت وجوبها، فقد صح: “أن العبَّاس رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخَّص له في ذلك” (من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم).

بخلاف الإمام مالك رحمه الله، لأنه يشترط مرور الحول، وبعض السلف، كابن المنذر، وابن خزيمة، وحجتهم؛ أن الزكاة عبادة لها وقت، فلا يجوز تقديم العبادة عن وقتها.

واشترط العلماء الذين جوّزوا التعجيل شروطا، ذكرها الإمام شمس الدين الرملي، في “نهاية المحتاج”، قال رحمه الله: (يجوز تعجيلها في المال الحولي قبل تمام الحول –يعني الذي يُشترط فيه مرور الحول- فيما انعقد حوله ووجد النصاب فيه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أرخص في التعجيل للعباس. ولأنه وجب بسببين فجاز تقديمه على أحدهما كتقديم الكفارة على الحنث. وشرط إجزاء، بقاء المالك أهلا للوجوب عليه إلى آخر الحول، وبقاء المال إلى آخره أيضا، فلو مات أو تلف المال أو خرج عن ملكه، لم يجزه المعجَّـل. وكوْن القابض له في آخر الحول مستحقا، فلو مات قبله أو ارتد لم يحسب المدفوع إليه عن الزكاة؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب). (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، 3/141).

وزاد بعضهم أنه يجوز التعجيل في عروض التجارة قبل بلوغ النصاب؛ لأن النصاب فيها معتبر آخر الحول.

المزيد من المشاركات
1 من 26

أولا: من أقوال الفقهاء المجيزين:

– قال الشربـيني رحمه الله: (أما زكاة التجارة، فيجوز التعجيل فيها بناء على ما مر من أن النصاب فيها يعتبر آخر الحول، فلو اشترى عرضا قيمته مائة فعجل زكاة مائتين، أو قيمته مائتان فعجل زكاة أربعمائة وحال الحول وهو يساوي ذلك أجزأه). (مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج ،2/ 132).

– قال الإمام الغزالي: (ويجوز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول خلافا لمالك). (الوسيط في المذهب، 2/ 446).

– قال ابن قدامى (حنبلي): (وجملته أنه متى وُجد سبب وجوب الزكاة وهو النصاب الكامل؛ جاز تقديم الزكاة، وبهذا قال الحسن وسعيد بن جبير والزهري والأوزاعي، وأبو حنيفة والشافعي وإسحاق وأبو عبيد). (المغني، 3/462).

– قال الكاساني الحنفي: (وأما حولان الحول، فليس من شرائط أداء الزكاة عند عامة العلماء، وعند مالك من شرائط الجواز، فيجوز تعجيل الزكاة عند عامة العلماء خلافا لمالك). (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج2/50).

– قال الحصكفي، الحنفي: (ولو عجل ذو نصاب زكاة لسنتين أو لنصب صح؛ لوجود السبب). (أنظر: الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، 2/27).

– قال الإمام الماوردي (شافعي): (إذا عجَّلَ بزكاة مالِه قَبل الْحَوْل، فَقَد مَلَكَها الْمَساكِينُ بِالْأَخْذ ويَسْتَقِـرُّ مِلْكُهُم عَلَيْها بِالْوُجُوب، لَكِنَّها في حُكْمِ مِلْكِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ حتَّى يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ ضَمَّ مَا عَجَّلَ إِلَى مَا بِيَدِهِ وَزَكَّاهُما مَعا. فلو كان مَعَه أَرْبَعُون شَاةً عَجَّلَ مِنْها شَاةً، ثُمَّ حَالَ الحول عليه تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ وَالشَّاةِ الْمُعَجَّلَة؛ لَزِمَتْه الزَّكَاة. ولو كان معه مائتا شاة، فعجل زكاتها شاتين، ظَنًّا مِنْهُ بِأَنَّهُمَا قَدْرُ زَكَاتِهِ، فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى نُتِجَتْ شَاةً، وَصَارَت مع التَّعْجِيل مِائَتَي شَاةٍ وَشَاةً، كَانَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ شَاةٍ ثَانِيَةٍ اعْتِبَارا بِقَدْر مَالِه عِنْد الْحَوْل). (الحاوي الكبير، 3/174-175).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

– قال الإمام النووي، نقلا عن الشيرازي قوله: (كل مال وجبت فيه الزكاة بالحول والنصاب لم يجز تقديم زكاته قبل أن يملك النصاب لأنه لم يوجد سبب وجوبها فلم يجز تقديمها كأداء الثمن قبل البيع والدية قبل القتل وان ملك النصاب جاز تقديم زكاته قبل الحول). (المجموع شرح المهذب، للإمام النووي، 6/ 144).

ثانيا: أدلتهم على جواز تعجيل الزكاة:

      أدلة الجمهور على جواز تعجيل الزكاة كثيرة، منها:

1- أنه مال وُجد سبب وجوبه قبل وجوبه، فجاز إخراجه.

2- أن اشتراط الوقت لا يمنع من تعجيل العبادة ما لم تكن عبادة محضة يشترط فيها الوقت كالصلاة والصيام، وذلك أن الوقت إذا دخل في الشيء رفقا بالإنسان، كان له أن يعجله ويترك الإرفاق بنفسه، مثل تعجيل أداء الدين المؤجل، فإنه يجوز أداؤه قبل وقته، وكأداء زكاة المال الغائب، وإن لم يكن على يقين من رده إليه، أما الصلاة الزكاة فالتوقيت فيهما غير معقول المعنى، فيجب أن يقتصر عليه، ويتوقف فيه.

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد: فإنكم تظلمون خالدا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباسُ فهي عليَّ ومثلُها معَها). (أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي).  قال ابن الأثير: (قيل: معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حق العباس: “فهي علي ومثلها معها؛ أنه أخرها عنه عامين، إذ قد ورد في حديث آخر: “إنا تسلفنا من العباس صدقة عامين” أي تعجلنا، ومعناه: أنه أوجبها عليه وضمنه إياها ولم يقبضها، وكانت دينا على العباس، ولهذا قال: إنها عليه ومثلها معها؛ لأنه رأى به حاجة إلى ذلك، وقيل: بل أخذ منه صدقة عامين قبل الوجوب استسلافا؛ لأنه قد ورد في إحدى الروايات: “فإنها علي ومثلها معها”). (جامع الأصول، 4/ 572).

4– في رواية للإمام الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسيدنا عمر رضي الله عنه: (إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام).

5- القياس على جواز تعجيل قضاء الدين قبل حلول الأجل، وأداء كفارة اليمين بعد الحلف وقبل الحنث، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق.

ثالثا: مدة تعجيل الزكاة.

أما مدة تعجيل الزكاة فقد اختلفت آراء الفقهاء:

الرأي الأول: لا يجوز تعجيل إخراج زكاة المال أكثر من شهر، وهو مذهب بعض المالكية.

الرأي الثاني: أنه يقتصر على تعجيل الزكاة لعام واحد، ولا يجوز لأكثر من عام، ولأن زكاة غير العام الأول لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز، كالتعجيل قبل كمال النصاب في الزكاة العينية. وهو المعتمد عند الشافعية.

الرأي الثالث: تعجيل إخراج زكاة المال لسنتين، ولا يجوز الزيادة على السنتين،  وهو رأي الحنابلة، ورأي عند الشافعية، وذلك لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين، ولما في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أما العباس، فهي علي ومثلها) يعني أنه أخذ منه سنتين مقدما، ولما روى أبو داود من  أن النبي صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس صدقة عامين.

الرأي الرابع: يجوز تعجيل إخراج الزكاة لسنين، وذلك لوجود سبب الوجوب.

خـــاتمـة:

الأصل أن زكاة الأموال تجب بعد مرور الحول، لكن الضرورة والحاجة الملحة تتطلب أن تُقَدَّم الزكاة، تحقيقا لمقاصد الشريعة. وإمامنا مالكا رحمه الله وإن لم يجز تعجيل الزكاة قبل حلولها، فإنه أجاز تعجيل الكفارة قبل الحنث، وهو تقديم للعبادة على شرطها، وأجاز بعض المالكية تقديمها بشهرين أو ثلاثة.

وختاما؛ إذا كان جمهور الفقهاء يجيزون تعجيل إخراج الزكاة في الأحوال العادية، فإن القول بالجواز أولى عند الضرورة وفي النوازل الطارئة ومنها نزول الأوبئة، والظواهر الطبيعية.

والحمد لله رب العالمين.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.