منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في وقت الأزمات 

في وقت الأزمات / أشرف شعبان أبو أحمد

0

في وقت الأزمات 
بقلم: أشرف شعبان أبو أحمد

لكي يحقق الإسلام العدالة الاجتماعية ويحفظ التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع، ولكي لا تستفرد بخيرات المجتمع فئة قليلة، تنعم وترغد بينما سائر أفراد المجتمع يعانون شظف العيش، فقد أقر الإسلام مبدأ ألا يكون المال متداولا في أيدي الأغنياء دون الفقراء، والذي يقرره نص صريح في القرآن في قوله تعالى في سورة الحشر آية7 ( كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) وهذا المبدأ هو القاعدة الأساسية لتوزيع الثروة في الأمة الإسلامية، وكبح التفاوت بين مستويات المعيشة، وعليه فإن للدولة الإسلامية أن تتدخل لإعادة التوازن في توزيع الثروة بين أفراد المجتمع عند افتقار هذا التوازن وانحسار الثروة بين أيدي الأغنياء دون الفقر(1) وقد كان التطبيق العملي من جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما قسم الفيء من يهود بني النضير على المهاجرين، الذين فقدوا ملكياتهم وثرواتهم حين هجرتهم، وترك الأنصار لأنهم يقيمون في أملاكهم، ولم يعط إلا ثلاثة منهم فقراء، حتى لا يكون المال مقصورا على التداول بين الأغنياء، مكدسا في أيديهم، مع وجود طبقة فقيرة محتاجة إلى لقمه العيش ولا تجد المال.

كما أن للحكومة الإسلامية أن تأخذ من فضول أموال الأغنياء، فتردها على الفقراء، ولو لم يكونوا بحاجة إليها، واقتضت ذلك مصلحة عامة، وهذا مارآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قبيل وفاته، فقد أثر عنه أنه قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء. وكان عمر يرى هذا بالرغم من أنه فرض نصيب لكل شخص في بيت المال حتى الأطفال، فلم تكن حاجة الغير إلى فضول أموال الأغنياء هي التى تدعو عمر إلى القول برد هذه الفضول للفقراء، وإنما رأى عمر أن ثروات الأغنياء تضخمت وخشى عليهم الترف والبطر وخشي على الفقراء الحسد والفتنة، فود حسم الأمر كله(2) وهذا هو آخر الحصون ضد الفقر، أما إذا انتشر الفقر وعمت المجاعة والحرمان، فللإسلام تصرف آخر في ذلك، ففي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين حدثت المجاعة في سنة ثماني عشرة من الهجرة، واشتد الجوع حتى جعلت الوحش تأوى إلى الأنس، وحتى جعل الرجل يذبح الشاه فيعافها من قبحها، فآلى عمر على نفسه، أن لا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيى الناس، وكان يقول: لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل كل بيت عددهم فيقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحياة لفعلت فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم. وما قال ذلك ألا بعد أن كتب إلى أمراء الأمصار يستمدهم، فكان أول من قدم إليه أبو عبيده بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام، وبعث عمرو بن العاص في السفن وعلى الإبل فبعث عشرين سفينة وألف بعير محملة بالدقيق كما بعث خمسة آلاف كساء، وبعث معاوية ثلاثة آلاف بعير محملة كما بعث ثلاثة آلاف عباءة، وبعث سعد بن أبى وقاص ألف بعير محملة بالدقيق، وكل ذلك وزع على المحتاجين والفقراء ولكنه لم يسد حاجتهم، فرأى عمر أن يدخل على أهل كل بيت عدتهم من المحتاجين ليقاسموهم طعامهم ويعيش الجميع على أنصاف بطونهم، وقد استلهم عمر في هذا الاتجاه روح الإسلام وتأسى بما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وأنزل المهاجرين على الأنصار، حتى يسر الله للمهاجرين وأذهب عنهم الفاقة.

ومثل آخر بطله أبو عبيده بن الجراح رضي الله عنه كان وثلاثمائة من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، في سفر ففنيت أزواد بعضهم فأمرهم أبو عبيده فجمعوا أزوادهم في مزودين وجعل يقوتهم إياها على السواء. وهكذا يحمل الإسلام الناس في الأزمات والمجاعات وعند الضرورات أن يسع بعضهم بعضا، فيما في حاجة إليه، وفيما يقيم أودهم، ويحفظ حياتهم، وفي هذا روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام قوله ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب “إلى الطعام” بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس )(3) وعن أبى سعيد الخدري أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال ( من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له ) وقال فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل(4) وحسبنا أن نعلم أن المسلمين في جيش العسرة “غزوة تبوك” بعد أن نفذ زادهم في طريق العودة اشترك العشرة منهم في امتصاص التمرة الواحدة. والرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي قال ( أن الأشعريين قبيلة من اليمن كانوا إذا أجدبوا أو أرملوا أي افتقروا وأصابهم الجدب والقحط جمعوا ما عندهم من زاد واقتسموه بينهم بالسوية فهم منى وأنا منهم )(5) فعلتهم هذه استحقوا بها شرف الانتساب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وشرف انساب رسول الله عليه أفضل الصلوات والسلام إليهم، وياله من شرف يتمناه كل مسلم، ويحبو إليه بصنيعة مثلها، وهذا هو الإسلام وهؤلاء هم المسلمون حقا الذين يسعون بعضهم بعضا، ويستكفون حاجاتهم بإمكانيتهم، يتقاسمونها فيما بينهم، لا يخفي أحد بعض أو كل ما عنده، ولا يستغل أحد أزمة ليثرى من ورائها، ولا يتنازلون عن عقيدتهم من أجل حفنة قمح أو قبضة شعير يستجدونها من دول الكفر والإلحاد.

حمى عمر بن الخطاب أرضا قرب المدينة يقال لها “الربذة” لترعى فيها دواب المسلمين، ومعنى حمايتها أي جعلها ملكا عاما وشركة بين الجميع، ولكنه لم يكتف بذلك، فجعل هذا الحمى لمصلحة الطبقة الفقيرة وذوي الدخل المحدود قبل كل شيء، ليكون هذا المرعى المجاني مصدرا لزيادة ثروتهم الحيوانية وزيادة دخلهم منها ليستغنوا بذلك عن طلب المعونة من الدولة. وهذا الهدف واضح في وصية عمر لـ هنى الذي ولاه على هذا الحمى للإشراف عليه، فقد قال له: يا هنى أضم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة “الإبل القليلة” والغنيمة “الغنم القليلة” ودعني من إبل ابن عفان ونعم ابن عوف “أي إبل الأثرياء وغنمهم” فإنهما إن هلكت ماشيتهما رجعا إلى نخل وزرع “أي لهم ثروات ومصادر أخرى للدخل” وأن هذا المسكين “يعنى رب الصريمة والغنيمة” إن هلكت ماشيته جاءني ببنيه يصرخ: يا أمير المؤمنين: أفتاركهم أنا لا أبالك؟! فالكلأ أيسر علي من الذهب والورق “النقود الفضية”. وهذه الوصية العمرية تقرر وتؤكد جملة أحكام هامة يهمنا منها هنا:

أولا: وجوب عناية الدولة المسلمة بذوي المال القليل والدخل الضئيل، وإتاحة الفرصة لهم ليكسبوا ويغنوا ولو كان ذلك بالتضييق على ذوي الثروات الكبيرة، وتفويت بعض الفرص عليهم وحرمانهم مما أتيح للفئات الضعيفة من وسائل الكسب وتنمية الدخل، كما تجلى ذلك واضحا في قول عمر لعامله: وأدخل رب الصريمة والغنيمة ودعني من نعم ابن عفان ونعم ابن عوف.

ثانيا: تقديم فرص الكسب للفقراء قبل الأغنياء وبالتالي تقديم مصلحة الفقراء عن الأغنياء.

ثالثا: أن كل إنسان يعيش في كنف الدولة الإسلامية من حقه إن هلك مصدر دخله وضاع مورد رزقه أن يصرخ في وجه الحاكم المسئول مطالبا بحقه وحق بنيه في مال المسلمين أي في خزانه الدولة، وأن المسئول عن الدولة لا يسعه إلا أن يجيب طلبه ويكفيه حاجته وحاجة من يعول، وفي هذا يقول عمر: وأن هذا المسكين إن هلكت ماشيته جاءني ببنيه يصرخ: يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أبالك؟!.

رابعا: أن السياسة الراشدة هي التى تعمل على توفير العمل وتيسيره للقادرين من الفقراء، وتعمل على تنمية مصادر الدخل لصغار الملاك، ليستغني هؤلاء وأولئك بجهدهم الخاص عن طلب المعونة من الدولة، وتكليفها عبء الإنفاق عليهم من خزانتها، وهذا يظهر في قول عمر: فالكلأ أيسر علي من الذهب والورق(6) ولما عاتب سيدنا عمر رضي الله عنه، عاتبه صحابي من بني ثعلبه، على تخصيص أرض المراعي المحمية لصغار ملاك الماشية، دون بقية الملاك الأغنياء، قال عمر رضى الله عنه: الضعيف أولى بحماية ولي الأمر(7) مؤكد على وجوب اهتمام الدولة بالفقراء وتيسير فرص الرزق لهم قبل الأغنياء. ومن الشواهد على أنه إذا كان الإسلام يعترف بالمصلحة الخاصة فإنه يعترف بالمصلحة العامة أيضا ويوفق بينهما بل ويقدم المصلحة العامة على كل مصلحة خاصة تتعارض معها ما يلي: كان لسمره بن جندب نخل في حائط “بستان” رجل من الأنصار، فكان يدخل عليه هو وأهله فيؤذيه، فشكا ذلك الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يلقاه من سمره، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لسمره ( بعه ) فأبى. قال ( فأقلعه ) فأبى. قال ( هبه ولك مثلها في الجنة ) فأبى. فقال رسول الله له ( أنت مضار ) وقال للأنصاري ( اذهب فاقلع نخله ). كما روى مالك في الموطأ: أن الضحاك بن خليفة، ساق خليجا له، من النهر الصغير، من العريض “واد بالمدينة” فأراد أن يمر به في أرض لمحمد بن مسلمة، فأبى محمد بن مسلمة، فقال الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب أولا وآخرا ولا يضرك فأبى. فكلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعا محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله فأبى، فقال عمر لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تشرب به أولا وآخرا ولا يضرك. قال محمد لا والله. فقال عمر: والله ليمرن ولو على بطنك فأمره عمر أن يجريه. وروى البخاري عن النعمان عن بشر رضى الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال ( مثل القائم في حدود الله “إقامتها” والواقع فيها “مرتكبها” كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا “فرجه لنصل إلى الماء بدل تأذي المرور” ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وان أخذوا على أيديهم “منعوهم من خرق السفينة” نجوا ونجوا الجميع ). نستدل من ذلك وجوب التوفيق بين المصالح الخاصة والمصالح العامة، فإذا تعارضت الخاصة مع العامة، وجب تقديم العامة على الخاصة، حيث إن الحقوق الخاصة تذوب في الحقوق العامة، وأن حق الكافة مقدم على حق الآحاد(8) وقد ذهب عمر بن الخطاب إلى أبعد من ذلك في احترام الملكية العامة، وتقديمها على الملكية الخاصة، مراعاة للمصلحة العامة، حيث أنه منع الجيش الفاتح من الاستيلاء على حقه في الغنيمة من أرض العراق والشام ومصر، مع أن توزيع هذه الأراضي على الجيش الفاتح من حقه، أي من حق الجيش، لأنها أرض غنيمة، والغنيمة توزع على الغانمين، كل واحد له نصيب فيها، سواء كانت منقولة أو ثابتة، بعد حجز خمسها، يتصرف فيه الخليفة في وجوهه، التى نص عليها القرآن الكريم في سورة الأنفال آية 41 قال تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم أمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ).

وقد فعل عمر رضي الله عنه ذلك، لأنه رأى في المنع، مصلحة عامة للمسلمين، فأبقى الأرض في يد أهلها، ملكا للدولة، وجعل عليها الخراج، وعلى الذين لم يسلموا منهم الجزية، والهدف أن تكون الأرض ملكا للدولة، تستغل ريعها لمصلحة المسلمين جميعهم، بدل أن تكون ملكا للأفراد وهم الفاتحون وذريتهم من بعدهم(9) علم عمر رضي الله عنه، أن الصحابي بلال بن الحارث المزني، لا يقوم بزراعة كل الأرض الطويلة العريضة التى أقطعها له الرسول صلى الله عليه وسلم، فاستدعاه إليه وبادره قائلا: أراك لا تطيق ما في يدك. فأجاب: أجل يا أمير المؤمنين. فقال عمر: انظر ما قويت عليه منها فأمسكه وما لم تطق وتقو عليه ادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين. فأبى بلال. فقام عمر بنزع ملكية جزء من الأرض، الذي عجز بلال طوال سنوات عن عمارته واستزراعه، معطلا بذلك حق المجتمع في الاستفادة من إنتاج الأرض، واستخدامها عمالة ودفع زكاة إلى أخره، ثم قام عمر بتقسيم الأرض المصادرة ووزعها على نفر من المسلمين المعدمين، القادرين على استزراعها، والإفادة منها وإفادة المجتمع. لقد كان عمر أمام خيارين إما أن يحترم الملكية الفردية وخاصة أنها تحققت لبلال من شخص الرسول عليه الصلاة والسلام، وأما أن يحترم حق المجتمع الإسلامي في ثمر هذه الأرض وزكاتها فيما لو عمرت واستصلحت وكان طبيعيا أن يبدي عمر حق المجتمع على حق الفرد(10)

مما سبق يتضح مدى حرص الإسلام على حماية مصلحة الفقراء ومصلحة عامة المسلمين وتقديمهم على مصلحة من غيرهم، وعلى العكس من ذلك ما نراه من قيام أصحاب رؤوس الأموال الكبرى، بمحاربة صغار المنتجين وتضيق سبل الرزق أمامهم، ليخلى سوق الإنتاج لهم وبالتالي يتحكمون في الأسعار ويغالون فيها لتحقيق أقصى ربح، وما يقوم به أصحاب المصالح الخاصة أمام أي منفعة للعامة تقلل من أرباحهم، فبمراعاة حقوق العامة وضمان ألا تمس مصالحهم ولو بالتضييق على الأغنياء وأصحاب المصالح الخاصة ستتسع سبل الرزق أمام عامة الناس وفقرائهم.


المراجع

(1) السلام العالمي والإسلام سيد قطب ص145

(2) الإسلام وأوضاعنا السياسية عبد القادر عوده ص60

(3) المال والحكم في الإسلام عبد القادر عوده ص66 –69

(4) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام يوسف القرضاوي ص116 – 117

(5) الحرمان والتخلف في ديار المسلمين نبيل صبحي الطويل ص17 وص43 – 44

(6) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام د يوسف القرضاوي ص106-107

(7) لا للفقر في ظل القرآن أحمد سعيد ص266

(8) عوامل الإنتاج في الاقتصاد الإسلامي حمزة الجميعي الدموهي ص144-146

(9) إسلام لا شيوعية د عبد المنعم النمر ص264

(10) لا للفقر في ظل القرآن أحمد سعيد ص265-266

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.