منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في غزة ينبت طفل الغمام

في غزة ينبت طفل الغمام/د. سعيد أصيل-المغرب

0

في غزة ينبت طفل الغمام

د. سعيد أصيل/ المغرب

 

نُعِدُّ الأكفان لكل غيمة

ونروي للرواة تاريخ العصافير المحلقة في سماء الضيق..

نعُدُّ الأكفان كي نرى..

فلا نرى سوانا..

لا بحر لنا،

لا نهر،

لا مكانا

سوى حزنٍ يذرف دمعه على لون الحصاد…

  • “لا أرض لنا بعد اليوم!”،

قال طفل التراب،

صاحت بطون الأديم:

  • هنا ينحني الزمن وينقى

كي بسمةُ الفجر النابت في ضوئه تبقى،

كي في جحر الخنافس المخبوءة في صمتها تشقى،

وجميعا من ثقب الباب نرقى

نفتح الغابات..

نفتح الآهات..

ونرمي باليباب خلف وراء الوراء…

فيا غصن ليلتي…

هنا سيمتد الفضاء

وتمشي الأيام حافية القدمين،

وقد نسيتُ نفسي في نفسي

وأشعلت بالماء نار الجحيم…

فأبصرتك،
يا أيها الطود الملثم بالشموخ..

أبصرتك في أسطورة الملحمة..

أبصرتك بين غيوم بيت حانون

بين نجوم لاهيا

فوق حروف جباليا

في شموس غزة وفوق كل رابية عاليا…

فيا غزةُ !…

ياغـ……زه

يا غزهْ

يا فجر الصابرين على حتفهم
يا تراب العاشقين
يا وجنة العزهْ
ويا نور الأحرار
وعيون التائهين في خيباتهم…
يا كحل الشهداء
يا مسرى الإباء
يا خيمة الساقطين في يمِّ الغواية
يا ذل الساقين من ثوب الوشاية
يا غزةَ النصر التي تهوي على ذل الهوان
تروي للحكايات أطفال الرجولة،

وتقول:
– سقياك يا قبر الهزيمة..
سقياك يا قميص العبث الممزق

على رصيف المغول

هديةَ إخوة يوسف لحائط المبكى وللأفول…

ولكنك، يا طفلَ الغمام،

ستنام بين نجيمات الحياة

وبلَّوْراتِ الأنفاق الزاهية

ستكتب لي ذكرياتِ عشب
سارت على لآلئه الشطحات
وأهدي إليك كتابي كي ترويني من جفاف الروح….

ستموت لكي نعيش

ستلون الموت بالبرتقاليِّ

وتخط الحياة بالرماديِّ

وتنشر العناقيد في فنائي..

تركب خيل الله

فنرى صهيل الأرض يعوي،

في ربوع غزة..

في نشيد الماء السائل تحت صرح بلقيس…

آه، يا بلقيس…

لا تكشفي ساقيك
فسليمان سملوا عينيه كي لا يقرأكِ
كي يفقأوا ساقيك من أخمصهما
ويمضوا…
وهم يصفقون بأرجلهم على فراش الضباب الوتير…

تُراكَ تراني
يا ولدي
من خلف الستار!
فهل ينبح السحاب في ظلام العيش
وينثني؟…

ضحكتْ عيناي من كلماتي
رسمتْ دائرةَ الحلم
تسخر من قِصَرِ الحرووووف
وقامت في غيمة السير…

جلستُ على ماء يسيرُ
في سماء الهوى.. بين الجليل وخانيونس

فشربْتُ يقطين الحياة على سُفْرة طفلي العاري من الأسماء غيرِ دمه

يسقي ليالينا…

ويلتقط بقايانا المتناثرة في هواء العيش الذليل…

يا طفل الغمام..

هاتِ يداك

التقط..

يمناك في يسراك

كي تدكَّ صمت الجدارْ

كي تفرش القلب قمحاً وغُبارْ..

اُركضْ نحو الموت

الهارب من ظله

ففي غزة

يفر الموت

وينسى قدميه

فيغدو حافي الوجه..

اُخرجْ أيها الهوان من بين أصابعي

وانشر إكسير العيون في خيام المدينة

فلا.. ولن يكون هناك، بعد اليوم، هراءُ..

سيكون صوتكَ،

سيرقى لونك،

وستَخْبِزُ فوق التل سنديانة العام الجديد

وتوزع نشوة الظلال على قيظِ صدإِ الحديد

على هدنة حلم أكثَفَ من غابات الحنين

فليس للقرابين نقع في قرى الزيتون

كي تنتظر مرور النبيذ المعتق بمسير العرايا…

هي لا تنام تحت الباب الخلفي للأيام…

هي غروب القمح في شتاء الروح

وشرفة الفؤاد نحو شارع الورود والحِمام…

هي طنين الرياحين في صمت التراب

وفي صحراء قلوب تغطي نفسها برايات الضفاف البعيدة…

هي غزة الدار والجدار…

هي فسيلة الجرح

عطشى ترويها طيور النبوءة

حتى مَلْقى الخلود…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.