منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في طبائع بني البشر

د.أسامة حسن مصطفى حماد

1

لما خالطت البشر، وتمحلت العلل في سلوك دروب معنتة لكي أسبر غور نفوسهم، وأخبر مكنون ضمائرهم، عرفت أن بينهم من التفاوت والتباعد مثل ما بين أجرام السماء في تنائيها، وبينهم من التخالف والتفارق مثل ما بين الملائكة المقربين والشياطين الممقوتين !!
فيهم الندي الوفي، الذي يضاهي بنجابته نفاسة الذهب وفي قداسته لألأة النجوم !!
وفيهم السمح الوقور، الذي يربأ ببشاشة روحه وطهر قلبه فوق زمرة الملائكة الأطهار والمتقين الأخيار !!
وفيهم الحيي العفيف الذي يبلغ بعفته وصلاحه مبلغ الطهر المحتشد في صدر فتاة في خدرها !!
وفيهم النجي الأبي والمقتصد التقي، الذي تخاله من رجولته وإبائه تاريخ أمة مجيدة تبوأت ذروة مكارمها ومشت بفخامة وكبرياء فوق البطولة والمجد والتاريخ !!
وكل أولئك – وإن عز وجودهم وقل نظيرهم – فالأرض لا تخلو منهم، ولا تحرم من مكارمهم، لأنهم وإن صح التعبير “هم شمس الحياة” التي تبث نورها ودفأها في أعصاب البشر فتستبقي فيهم أثر الرجولة وتغذي منهم شيم إنسانيتهم وتاريخ فضائلهم المذخورة في الدم والكامنة في الضمير !!
وهذا النوع من الرجال هم أصل الإنسانية وثمرة شجرتها الشريفة، وهم الذين يملكون في نفوسهم القدرة على ضبط مسار الحياة، وملأها بما يسعد أهلها ويبعث فيهم الأنس والسرور !!
ومن البشر من خلق وفي نفسه طبيعة التخريب والتدمير، وفي جو روحه تنعق غربان الشؤم وتحوم عقبان اللؤم !!
خلق وفيه طبيعة الإفساد والإتلاف، لا تقر له عين حتى يذيق الحياة مر طعمه، ويلبس العباد ثوب شقائه !!
راحته في إتعاب الناس وتعذيبهم، ومتعته في تجريعهم كؤوس الحسرة والشقاء !!
واحدهم طاعون مدمر ينتقص الحياة في أهلها، ويبلوهم بدائه الوبيل بأكثر مما يبلوهم به عدوهم اللدود، ويلحق بهم من الأهوال والشرور ما لا يستطيع جيش من شرار الخلق أن يأتيهم بمثله !!
والمعضلة جلها في هيئة الروح وسلوكها سبيل العرفان أو الكفران في نفس صاحبها !!
فهي قائد سفينة نفسه إلى هناها أو شقاها، وهي – بما منحها الله من منح، أو بما امتحنها به من محن – ماضية لتحقيق نفسها في صورة حسية تبلو الحياة برخائها أو بشقائها؛ بعقل إنسانها المفكر، وقلبه المتدبر !!
وطائفة البشر ممتحنة بشر وبلاء واقع بها يقينا، لتتهيأ نفوسهم للظهور في قالبها النفيس أو الخسيس حسبهما يسر لها قدر الله الحق، وأعان عليه قضاؤه المحتوم !!
والأخيار الطيبون نسائم عافية ورخاء، تهب ريحها غدقة مدرارة في سوق الحياة المبتلات بخيرها وشرها، تبعث الطمأنينة والسلام في نفوس الناس، وتربطهم بسر عميق يقرؤون سطوره بأرواحهم كأنها وحي يتلى، وكلما هبت عليهم تلك النسائم الناعمة أيقظت فيهم الأمل الناعس، وجددت فيهم عهود الوفاء، وجعلتهم يتنسمون عطر الجنة والنعيم المقيم خلف هذا العالم المكدود، ووراء طبيعة ناسه المعذبين !!
إن أولياء الله خلق من خلقه، لهم سمتهم الذي يميزهم عن غيرهم، لكن هذا السمت الوضاء لا يتكشف نوره ويسطع حضوره إلا للأطهار الأبرار، وهم وإن كانوا ناسا من الناس إلا أنهم أنوار تتجلى، وآيات تتحلى، وهم في جوهم الروحاني عهد متجدد بالولاء لله يتمثل في حب خلقه وبرهم والإحسان إليهم !!
أشواقهم منعقدة في آفاق السماء، تتجلى فيهم روح الله بسطوع يصلهم بالحقيقة التي هي فوق طوق البشر، ووراء آفاقهم المحدودة، لهم خصوصيات لا يبوحون بها لأحد من الخلق فيكذب الله ورسوله، إذ ليس كل حق يقال، وما هي حاجة الأمي الأبكم في عالم المثل والكمالات إلى ما تقدس من علوم، وما تنزه من معارف !!
إنهم يغترفون علومهم من كنوز الحكمة المكنونة في اللوح المجيد، ذلك اللوح العلوي المهيمن المحيط، والناس من حولهم كالدواب والسوائم العجماء، لا تعرف إلا بحواسها، ولا تسمع إلا بآذانها، فهم يتلمسون الحقيقة في موكبهم الدني المحفوف بضحالة نفوسهم، وضآلة تطلعاتهم، لكن أولئك الأولياء عوالم علوية تهيم أرواحها حول العرش، تستنزل الحكمة من الولي الأعلى، وتتشرب الحقيقة من أنهار الشكران وبحور العرفان !!
عيونهم ترمق الحقيقة التي تحوي بين جانبيها العالم كله من أزله إلى أبده، وقلوبهم تهيم في أشواقها تبتغي الكمال من صرح الشريعة الكامنة في الكون الفسيح، وأرواحهم تحفهم بأنوار تكشف عنهم المحجوب، وتصلهم بالممدود، وتريهم ما لا يراه عالم ولا عبقري ولا فيلسوف !!

تعليق 1
  1. عبد الرحمن بن محمد يقول

    مقال أكثر من رائع، أسلوب أخاذ، لغة أنيقة وجميلة، توظيف جيد للمحسنات البديعية.
    مقال يروح عن النفس ويريح الفكر وينفذ إلى أعماق الوجدان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.