منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العلوم الإنسانية في الحضارة العربية الإسلامية

0
اشترك في النشرة البريدية

تقديم

نسعى في هذه الورقة إلى مناقشة الرأي القائل بغياب العلوم الإنسانية في التراث العربي الإسلامي بدعوى أن الاستحواذ والغلبة كانت لعلوم الفهم والبيان والتلقي.

 سند الغياب

يزعم البعض ويدعي  بدون سند علمي أو بدون  مرجع  معرفي أن العلوم الإنسانية ظلت غائبة في التراث العربي الإسلامي ،وطال غيابها ليغطي هذا الغياب أمدا بعيدا ويستغرق مدة زمنية طوية  تحت دعوى أن الاستحواذ والقوة والهيمنة كانت للعلوم الدينية والبيانية  واللغوية والمعجمية على  حساب العلوم الإنسانية التي تشتغل على قضايا الإنسان وتستحضر مشاكل  هذا الإنسان.

فالمعارف التي اشتغل عليها علماء الإسلام اتجهت إلى الناحية اللغوية البيانية والمعجمية  أكثر من  اتجاهها وعنايتها بشخصية الإنسان.

المزيد من المشاركات
1 من 6

فالناظر في العلوم في  نسقيتها ، وفي بنائها لا سيما العلوم التي  اشتغل عليها علماء الإسلام  يلاحظ  بشكل كبير،و قوي مدى حضور جهة البيان  والتفسير والتلقي  في هذا الاشتغال  .

فرغم الاختلاف القائم بين العلوم الإسلامية في بنائها أو في مرجعيتها ،فان المشترك والجامع  بينها هو اشتغالها على الفهم للنص القرءاني ،فمنهج الفهم والتلقي للنص كان هو أول المناهج السائدة والمهيمنة على اغلب العلوم الإسلامية.

العلوم الإنسانية:الدلالة-الحقيقة

إن  العلوم الإنسانية في مضمونها العام هي علوم تستحضر الإنسان في جميع أبعاده المعرفية والمهارية والسلوكية والوجدانية والانفعالية ،فهي علوم في أصلها تقارب شخصية الإنسان،و تخاطب الإنسان بشكل مباشر من حيث هو كائن حي يتكلم وينتج ويتفاعل مع الواقع و المحيط به، له وظائف متنوعة ،ودوافع وحاجيات متعددة ،أحيانا تكون هذه الوظائف متشابكة و متداخلة.

ما  يعني هذا مبدئيا بأننا نعترف بشكل صريح وضمني بحضور الاشتغال بالعلوم الإنسانية ضمن المعارف الإسلامية، وباستحضار علماء الإسلام لهذه العلوم تأصيلا وتطبيقا وتنظيرا وممارسة، لان العلوم الإنسانية في مضمونها العام هي علوم تخاطب الإنسان مباشرة من حيث هو كائن حي يتكلم وينتج ويتفاعل مع الواقع المحيط به، له وظائف متنوعة وحاجيات متعددة ، أحيانا  تكون  هذه الوظائف متشابكة ومتداخلة.

ومن ابرز العلوم الإنسانية ذات الاهتمام والاشتغال المباشر بالإنسان :علم النفس بجميع فروعه، وعلم الاجتماع بمسالكه المتعددة ،وعلم الانتروبولوجيا -علم الثقافة- والاقتصاد وعلم اللسانيات العام .

فرغم أن العلوم الإنسانية تختلف فيما بينها، في موضوع دراستها أو في مقاربتها لشخصية الإنسان في أبعاده المتعددة  ، أو في مناهجها وطرائق حصولها على المعارف المتصلة بالإنسان أو حتى في مفاهيمها و لغتها المصطلحية ،فان المشترك والجامع  بينها هو استحضارها للإنسان في مختلف أبعاده وتجلياته النفسية والاجتماعية والثقافية والقيمية واللغوية والتربوية والتاريخية.

-الدعوى  في غياب في العلوم الإنسانية في التراث العربي الإسلامي

لتأكيد    ظهور العلوم الإنسانية  في الغرب ، استند القائلون  بأن  نشأة  العلوم الإنسانية  أملته   الحاجة الحضارية للغرب من حيث اتساع الطلب  على هذه العلوم لتكون خادمة للإنسان وملبية لحاجياته،ومستجيبة لأهم المشاكل التي أحدثها التقدم  ،وأفرزتها الحضارة الغربية في حياة الإنسان  .

فالسند في هذه الدعوى التي تختزل غياب العلوم الإنسانية  في التراث العربي الإسلامي هو هذا التوجيه الذي يستند  إلى شواهد و نصوص ونقول فكرية و فلسفية مأخوذة ومقتطعة من كتب اشتغلت على تاريخ العلم ،وهو أن الإنسان عبر التاريخ راكم معارف كثيرة تخص معرفة العالم المادي والطبيعي لهذا الكون  بتنوعاته وبتعقيداته ،ونجح وتفوق  بشكل كبير في فهم  وتفسير الظواهر الطبيعية ووقف على قوانينها وسننها و نواميسها  المسيرة لهذه الظواهر ،وحل كثيرا من المعضلات والمشاكل  التي ترتبط بالعالم المادي للإنسان ،وانتهى بهذا الإنسان المطاف إلى النجاح في امتلاك  كثير من النظريات الكثيرة والعديدة حول أصل الكون واصل الحياة ،لينتهي  به المطاف  في الفترة  المتأخرة  ليشتغل على شخصية الإنسان في جميع أبعاده الحيوية.

ولتعزيز و لتأكيد  اختيارهم في هذا الموضوع   المتعلق بغياب العلوم الإنسانية،اختاروا  هذه   المستندات:

السند الأول

إن النافين  لحضور العلوم الإنسانية في التراث العربي الإسلامي ، قالوا إن السياق التاريخي والحضاري للعلوم الإنسانية يكشف بحداثة هذه العلوم، ذلك بأن ظهور العلوم الإنسانية أملته  الحاجة الحضارية للغرب في  ازدياد و اتساع الطلب  على هذه العلوم ،لتكون  علوما خادمة وملبية  لأهم المشاكل  التي أحدثها وأفرزتها الحضارة الغربية في حياة الإنسان ، وهي مشاكل لم تكن معهودة ولا مألوفة   ولا حاضرة عند  للإنسان الغربي من قبل ،فهذا الإنسان  لم يكن متعودا  على كثير من المشاكل والاكراهات المادية  التي أفرزتها  الحياة اليومية في الغرب،وبالأخص  في انتقال هذه  الحياة من الحياة البسيطة إلى الحياة المركبة ،ومن  قيم الجماعة إلى قيم الفرد.

فهذا النوع من المشاكل والاكراهات التي مر منها الإنسان الغربي ، كانت من ابرز الأسباب  والدواعي في نشأة هذا النوع من العلوم  المسماة بالإنسانية التي جاءت ملبية ومسايرة لحاجيات الإنسان ومجيبة على مشاكله ،و مخففة  للاكراهات الحادة التي احذ يعيشها الإنسان المعاصر.

فالمؤشرات دالة أن ظهور العلوم الإنسانية  بما في ذلك علم النفس  وعلم الاجتماع، جاء نتيجة لمجموعة من المعطيات الحضارية والثقافية  والقيمية  التي فرضتها التحولات الحضارية التي مر منها الغرب في مساره التاريخي.

بحيث  اتسع  الطلب  على هذه العلوم لتكون علوما خادمة للإنسان وملبية لحاجياته النفسية والسيكلوجية ،ومستجيبة لأهم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية  التي أحدثها  التطور الكبير والتقدم السريع الذي عرفه التاريخ البشري  ،وأفرزته  الحضارة الغربية في حياة الإنسان بعد  الثورة الصناعية  التي شهدتها اوروبا.

-السند الثاني في غياب العلوم الإنسانية

إن ما يدل  ويعزز هذا الغياب للعلوم الإنسانية في التراث العربي الإسلامي أن  المشترك في العلوم الإسلامية  كان هو الفهم للخطاب  ،واستمداد المعنى ، وتحصيل المقصد من هذا الخطاب،وعليه فان المنهج الذي كان أكثر حضورا وسيادة  وغلبة في علوم التراث ،هو منهج الفهم والبيان والاستمداد . [1]

فالأهمية التي نالها النص في فضاء الثقافة العربية الإسلامية. جعل كثيرا من الدارسين والمشتغلين بمناهج تحليل الخطاب، نعت ووصف الثقافة العربية الإسلامية بأنها ثقافة نص  محورها النص

وهذا الوصف يعود أن الثقافة الإسلامية قامت في أصولها الكبرى على النص المؤسس الذي هو القرءان الكريم والسنة النبوية الشريفة..,..

تبعا لهذا المعطى العلمي، يؤكد عدد كبير من الباحثين الذي قرؤوا العلوم الإسلامية ، أن الغلبة والسيادة والهيمنة في التراث العربي الإسلامي كانت للمنهج المشتغل على الفهم و البيان و الاستمداد  ….[2]

وهو ما يعني صراحة بأن منهج الفهم للنص كان هو أول المناهج السائدة والمهيمنة على اغلب العلوم التراثية ….

وهذا يعود  أن  الوحي  كان دائما هو مركز المعرفة في التراث  العربي الإسلامي ، وعليه فقد نشأت جميع العلوم والمعارف الإسلامية انطلاقا من تفاعلها مع هذا المحور،الذي هو النص القرءاني.

فهذه المحورية للنص القرءاني في فضاء الثقافة العربية الإسلامية ،جعلت المحور المتعلق  بالفهم والبيان   هو  المحور المهيمن  والغالب في  بنية الثقافة العربية الإسلامية  .

وعليه كانت الوجهة والمستند  للقائلين  بغياب العلوم الإنسانية في  التراث العربي الإسلامي ،هي  أن المتابعة    لهوية علوم التراث العربي الإسلامي   في قضاياها   الكبرى، وفي  نظمها  المعرفية الأساسية تستوقفه ظاهرة حضور علوم  البيان و  الفهم في   العلوم  التراثية .

مناقشة الرأي

نقول ان  الأمر ليس كما يدعي المناصرون لهذا الاتجاه ،أو كما يزعم أصحاب هذا الاختيار لأنهم  استندوا في دعاويهم  ،وأسسوا مقدماتهم في الاستدلال على حجج واهية ، وعلى أدلة ضعيفة  و  ساقطة  تقتصر  على سرد  العناوين و أسماء العلوم الإسلامية بدون القيام بفحص شامل أو بتحليل  كلي تركيبي  للمضامين  أو للقضايا  التي تحملها  وتشتغل عليها  تلك هذه العلوم .

كما تجاهلوا النسق والبناء المركب للعلوم الإسلامية،  فالنسق المعرفي في   الحضارة العربية الإسلامية يكشف على اشتغال   واستحضار قضايا الإنسان في بحوث   علماء الإسلام…[3].

علما أن كثيرا من العلوم الإسلامية لا سيما علم  الفقه تحمل عددا من القضايا والإشكالات  التي تمس شخصية الإنسان مباشرة ،وان كانت تلك القضايا  يجتمع فيها النظري بالتطبيقي ، لكن معظمها   و مجملها  تلتقي في الاشتغال على الإنسان في جميع أبعاده ومكوناته.

فعلم الفقه الذي ينعت بعلم الأبدان هو  خطاب للإنسان، ومحوره الإنسان تفرع عنه علم الفقه التنزيلي ، وهو تنزيل الأحكام الشرعية على أفعال وتصرفات  المكلفين في الواقع والمجتمع الذي يعيشون فيه

بل إن القرءان الكريم بجميع  نصوصه هو خطاب  مباشر للإنسان،يحضر فيه الانسان بقوة في جميع سوره وآياته بدون استثناء[4].

خاتمة

على الرغم  من هذا الاعتراف  المبدئي بان العلوم الإنسانية  كانت علوما محتضنة ومضمرة  في علوم أخرى مثل  علم  الفقه، أو في العلوم التي سميت بعلوم الأبدان    ،فان  اغلب العلوم الإسلامية التي كان موضوعها ومحورها هو الإنسان  ،وهو ما تؤكده  مضامين و تثبته محتويات  هذه العلوم .

فالعلوم  في الثقافة العربية الإسلامية ترجع  في أصلها  خصيصا لخدمة الإنسان  في كل ما تعلق  بجميع المجلات والأبعاد  الحيوية  المتصلة مباشرة بهذا الإنسان.

إن النظرة العامة، والمتابعة الأولية لانساق العلوم الإسلامية في تركيبتها وطبيعتها في البناء الثقافي العربي الإسلامي،  يلاحظ  المتابع والدارس لها  مدى حضور الإنسان بجميع مجالاته وأبعاده  في هذه العلوم.

وبالتالي فإن النظرة العامة، والمتابعة الأولية لانساق العلوم الإسلامية في تركيبتها وطبيعتها في البناء الثقافي العربي الإسلامي،  يلاحظ  المتابع والدارس مدى حضور الإنسان بجميع مجالاته وأنشطته   في هذه العلوم.

وهو ما يدل  بلغة أكيدة أن  الإنسان  كان وسيظل  دائما هو المحور المشترك لجميع تلك العلوم التي نشأت في أحضان التراث العربي الإسلامي.

[1] – الخطاب الشرعي وطرق استثماره لإدريس حمادي:26.المركز الثقافي العربي السنة 1994.

 

[2] – التقصيد  الدلالي والتقصيد اللغوي  للدكتور عبد الحميد العلمي: 09

[3] -تاريخ العلوم في الإسلام أشغال الندوة العلمية للأكاديمية المملكة المغربية  يوم :27/02/2010

[4] [4] -الإنسان في القرءان الكريم  لعباس محمود العقاد:11

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.