منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحرية المنشودة

0
اشترك في النشرة البريدية

      انشاد الحرية بغية الخلق، وتحقيق لغاية الخالق؛ إذ الأدمي خُلق حرا بالفطرة، والناس ولدتهم أمهاتهم أحرارا. فاستعبدت الأجسام البشرية بمقتضى الرق أو العبودية الإجبارية، نتيجة لتداول الأيام من خلال الصراع الحضاري المغمور، والاحتدام الاجتماعي المغدور، والتشنج الاقتصادي المغرور. ثم عبدت النفس الإنسانية إما بالإعجاب بالذات المتمثل في ادعاء الألوهية، أو بإثبات الذات والأنانية في تحقيق رغباتها.

      وللناس مذاهب شتى في فهم الحرية، ومقاصد جمة في بلوغها، وأساليب متنوعة وحيل ملتوية في تحقيقها. فهي عند البعض إجبار العباد الأحرار للخضوع لإرادة العبد المتحرر، كما قال الله عز وجل:﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ[1]، وعند الآخرين هي الخضوع الاختياري للعباد الأحرار لرب العباد، مصداقا لقوله تعالى:﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[2]. فالسياج السليم للشريعة، والإطار القانوني العادل كفيلان بإضفاء المشروعية على التصرفات الفردية السوية، والممارسات الجماعية القويمة. وهذا يجعلنا نتسأل عن هوية الحرية المنشودة، هل هي فطرة أم طفرة ؟   

أ- الحرية لغة: في لسان العرب كلمة الحُرُّ من الناس تعني:” أخيارهم وأفاضلهم، وحُرِّيةُ العرب: أشرافهم… ويقال هو من حُرِّيةِ قومه أي من خالصهم. والحُرُّ من كل الشيء: أعتقُه. وفرس حُر: عتيق، وحُر الفاكهة: خيارها … والحُرة: الكريمة من النساء”[3]، ويضيف ابن منظور “والحُرُّ، بالضم: نقيض العبد، والجمع أحرار وحِرار؛ الأخيرة عند ابن جني[4]. والحُرّة : نقيض الأَمة، والجمع حَرائر… وحَرَّره: أعتقه؛ وفي الحديث: من فعل كذا وكذا فله عَدِل مَحرّر، أي أجر مُعتق المحرَّر: الذي جُعل من العبد حرا فأُعتق. يقال: حَرَّ العبد يحر حرارة، بالفتح، أي صار حُرا”؛ الدلالة اللغوية للحرية، أخذت من الأضداد النابعة من البيئة السائدة للبنية المجتمعية حينئذ: السيد والعبد، السيدة والأمة، أي الحر والعبد، والحرة والأمة؛ فالمؤشر الحقوقي هو الفيصل بين (الحرية والرق) في مجتمع فيه غياب تام للمساواة.

ب- الحرية اصطلاحا: يعتبر الطاهر بن عاشور، الحرية”من مقاصد الشريعة الإسلامية، لزم أن يتفرغ على ذلك أن استواء أفراد الأمة في تصرفهم في أنفسهم، مقصد اصلب من مقاصد الشريعة، وذلك هو المراد بالحرية”[5]، ومن القواعد الفقهية ”الشارع متشوف للحرية”[6]، ونسب إلى الفيلسوف هيكل، جورج فيلهلم (1770-1831م) قوله” التاريخ هو قصة تقدم الحرية”[7]، لأن الحرية كانت دائما عنوانا ومعنى للحياة وقيمة الإنسان في الكون وغايته في الوجود، إلا أن الإشكال قائم في تحديد هذا المفهوم، بين النظرية الفلسفية والقانونية، فإذا كانت الأولى، ترتكز على الحرية الداخلية الوجدانية العاطفية، التي يفرغها الإنسان للتعبير عن الذات” الحرية الفلسفية أو الميتافيزيقية التي تعني الحرية الداخلية والروحية”[8]، فإن الثانية ترتكز على الحرية الخارجية السلوكية والمظهرية، المرتبطة بالفرد داخل كيانه: الدولة والمجتمع والأسرة أي أن الحرية عند القانونيين، هي حق كامل العناصر والأركان أو هي “قدرة الإنسان على إثبات كل عمل لا يضر بالآخرين”[9].

المزيد من المشاركات
1 من 124

      وقد ذهب مونتسكيو Montesquieu (1689-1755م)- في كتابه ”روح القوانين” الصادر له سنة 1748م- إلى اعتبار أن الحرية ” ليست في أن يفعل المرء ما يريد مطلقا، ولا يمكن للحرية في الدولة، أي في المجتمع ذي القوانين، أن تقوم على غير القدرة على صنع ما يجب أن يراد وعلى عدم الإكراه على صنع ما يجب أن يراد، ويجب أن ينقش في الذهن ما هو الاستقلال وما هي الحرية، فالحرية هي حق المرء أن يفعل كل ما تبيحه القوانين، فإذا ما كان لأحد أن يفعل كل ما تحرمه القوانين فقد الحرية، وذلك لا مكان لقيام الآخرين بمثل ما فعل”[10]. إلا أن البعض قد يتصيد ماسكت عنه الشرع بداهة، وما اعتبره القانون مسلمات، ليلوي أعناق النصوص الشرعية، ويتطاول على القواعد القانونية لتلبية رغباته النفسية، وتحقيق نزواته الشخصية؛ متهما القوانين بالجمود، والشرائع بالتأخر، والمجتمع بالتخلف. لذا تجدهم يُنصبون أنفسهم مصلحين اجتماعيين، ودعاة ناصحين، ومبشرين للحرية.

      ويرى البعض من الليبراليين في الحرية ” أن لا يتدخل أحد في فعل ما تريد حيث سكت القانون”[11]، ويفرق طه عبد الرحمن بين: التعريف السلبي للحرية، الذي أخذ به “التيار الليبرالي والتيار الجمهوري حيث إن “الحرية بالنسبة للأول هي: عدم التدخل وبالنسبة للثاني هي عدم التسلط”[12]، والتعريف الإيجابي للحرية والذي اخذ به ‘التيار الديمقراطي’ و’التيار الاشتراكي’، حيث إن الحرية بالنسبة للأول هي “وجود المشاركة السياسية وبالنسبة للثاني هي: وجود القدرة على المشاركة السياسية”[13].

     لا يكاد المفهوم النمطي التقليدي للحرية يخرج عن النطاق المخالف “للعبودية”، أي” أن يكون تصرف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرفا غير متوقف على رضا آخر، والثاني هو، تمكين الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض، ويقابل هذا المعنى الضرب على اليد أو اعتقال التصرف ….”[14]، هذا قريب من مفهومي الأهلية والمسؤولية. وقد أورد المستشرق فرانزا روزنتال (1914م-2002م)، في كتابه: مفهوم الحرية في الإسلام، تعاريف للحرية لدى رواد الفكر الإسلامي: فالواحدي (ت76هـ) في منهاج النووي، يقول:” يذكر اللغويون أن لفظ حٌر مشتق من حَر الذي هو ضد البرد، لأن الرجل الحر يمتلك كبرياء وأخلاقا حاثة تبعثه على طلب الأخلاق الحميدة، والعبد بخلاف ذلك”…فالجرجاني (ت816هـ) يلتزم في تعريفه للحرية، في كتابه التعريفات، بالمعنى الصوفي لها :”الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة: الخروج عن رق الكائنات، وقطع جميع العلائق والاغيار، وهي على مراتب: حرية العامة عن رق الشهوات، وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق، وحرية خاصة الخاصة عن رق الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلي نور الأنوار”[15].

ج- الحرية المنشودة:

    فالحرية المنشودة، في تقديري، ليست صنما يعبد، ولا نصبا يهاب، بل هي حق يصان، وكرامة تحفظ. وبالجملة فهي” التصرف المسؤول” إذ الفطرة تحفظ للإنسان كرامته من خلال مسؤولية تصرفاته فيما يملك وفيما يملك غيره، مما يفرض توفر الأهلية التي تجعل التصرف مسؤولا، في المجتمع وأمام الشرع السليم والقانون العادل، باعتبار أن” مبدأ الكرامة الإنسانية التي هي منهل حقوق الإنسان كلها”[16]. وأن للحرية المعيار النفسي الفطري، والأخلاقي الذي هو الأهلية. فعوارض الأهلية (منها: الصغير غير المميز، السفيه المبذر للمال، والمعتوه الناقص أو الفاقد العقل) لا تُعدم الحرية، التي قد تُمارس بالنيابة لا بالأصالة، وإنما تُفقد المسؤولية. فمن أسباب ”التصرف المعيب” النزوة الطائشة، ومن نتائجه الظلم والفساد.   

    وعليه فإن الأهلية الشرعية، بل الحرية تقتضي- علاوة على مراعاة الأحوال وتقدير الخصوصيات- الحزم في مواكبة “أجيال حقوق الإنسان”، باعتبار أن “تطور مدلول حقوق الإنسان، وشمله لمجالات جديدة لم يفكر فيها من قبل (كالبيئة والمعلوميات والتكنولوجيا…) يجعل هذه التقسيمات قاصرة عن استيعاب العديد من مجالات حقوق الإنسان”[17]. كما أن المسؤولية السياسية تقتضي، الحسم في مسلمة كونية حقوق الإنسان من حيث ” إنها مرتبطة بالذاتية، وبالإنسان كفرد ينتمي إلى النوع البشري برمته”[18]. يرجع قرار الحزم والحسم إلى:

  • استقلالية النظام القائم من قيد التبعية السياسية، وربقة الغلبة الحضارية.
  • جرأة النخب الصادقة في فضح المخططات التي يدبرها الأغيار ضد الشعوب.
  • وعي المجتمع بالمؤامرات التي تحاكى ضد خصوصيته.
  • يقظة الفرد بضرورة التوازن بين القيام بواجباته العامة، والمطالبة بحقوقه الخاصة.
  • بذل اللذة الفردية الزائلة، بالعفة الدائمة لصالح المنفعة العامة. بدلا من ابتداع الطرق الملتوية، والحيل الخبيثة لإشباعها، والعبث بقواعد النظام العام وضوابط الأخلاق.
  • ألا تتحول مسألة حرية الأفراد إلى مأساة الحقوق العامة، فلا ينبغي الميل إلى الفروع لإهمال الأصول؛ إذ الحرية المنشودة بمنزلة البنت بالنسبة للحق، لا الضرّة للقانون.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

[1] – سورة المؤمنون: 71.

[2] – سورة البقرة : 256.

[3]ابن منظور، جمال الدين، ” لسان العرب” ، ط6 ،1997م، دار صادر، بيروت. مادة حرر،ج4،

[4]– ابن جني، أبو الفتح عثمان(322هـ-392هـ)، عالم نحوي مشهور.

[5]– ابن عاشور، محمد الطاهر: مقاصد الشريعة الإسلامية. تحقيق محمد الطاهر الميساوي، ط 2، 2011 م، دار النفائس، الأردن. ص 390.

[6]– المصدر نفسه. ص 391.

[7]– الفحصي، المهدي: الحريات العامة. ط2، 2011م، مطبعة اشرف، أكادير المغرب، ص12.

[8]– المصدق، رقية: الحرية العامة وحقوق الإنسان. ط1، 1999م، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص6.

[9]ـ عطية الله، أحمد: القاموس السياسي. ط3، 1968م، دار النهضة العربية، القاهرة، ص471.

[10]-مونتسكيو: روح الشرائع. ترجمة عادل زعبتر،ج1، ط 2، 2005م، بيروت. ص 270.

[11]ـ طه، عبد الرحمان “سؤال العمل: بحث عن الأصول العلمية في الفكر والعلم”، ط1، 2012م،  المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص144.

[12]– المصدر نفسه. ص 150.

[13]– المصدر نفسه، ص 150.

[14]– المصدر نفسه، ص 390 -391

[15]– روزنتال، فرانزا، مفهوم الحرية في الإسلام، ط2، 2007م، ترجمة معن زيادة ورضوان السيد، دار المدار الإسلامي، ببيروت، ص.48 وما بعدها بتصرف.

[16]– الزحيلي، وهبة، “حق الحرية في العالم“، ط1، 2000م، دار الفكر، دمشق، ص 18.

[17]– سييلا، محمد، الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان، ط1، 2010م، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ص 11 .

[18]– المصدر السابق، ص. 109 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.