منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تطبيع تاريخي

تطبيع تاريخي/ محمد أبرعوز

0

تطبيع تاريخي

بقلم: محمد أبرعوز

كان أبو جهل قد ألقى بالرجل أرضاً، عارياً إلا من إيمانه، ممدودا إلا من أنفته، يلهب ظهره بالسياط تارةً، وحين تكَلُّ يمناه، يتوقف ليعرض كمشة من دولارات في يسراه بين عيني الرجل: “طبِّعْ ولك هذا وتنقذ نفسك من لهيب الرمال والسياط..”…وما يزيد الرجل على أن يقول: أحد أحد..أحد أحد..ينطقها متباعدةً على مهَل، مستعذبا طعمها في فمه ،مترنما بها سمناً على عسل..!
وحين أعيت أبا جهل الحيلة، أشار إلى أحد العبيد الجالسين على مقربة منه، أقبل مسرعاً مطأطئا رأسه في انحناءة أقرب من قوس بغير منزع، أو منجل صدئ منزوع الأسنان ،لم يعد ينفع لشيء…

– تعال ايها العبد وقع هنا..!
– أمرك….

يبصم العبد دون أن يقرأ حرفاً واحداً مما كتب على أوراق التوقيع، أو البصم، عاد العبد إلى الجلوس القرفصاء بعيدا عن الحلقة التي كان يشكلها وفد من يهود بني قينقاع، يتوسطهم ” شيلوك” الذي سيظهر لاحقا في بندقية شكسبير تاجرا مصاصاً للدماء..كانت الفرحة تغمر الوفد، يرقصون، يتغامزون، يتبادلون شنشنات كؤوس خمر الشام المعتقة..!

أخذ أبو جهل الكلمة، هلل لهذا اليوم التاريخي الذي سيضع حدا لعداء غير مبرر، مرحباً بشلام تجري بخيراته شِعاب مكة وما حولها من مضارب العربان..
أنهى كلمته المقتضبة المضمخة غزلا بقينقاع تحت تصفيقات وصفير طفوليين..

رفع يده اليمنى يطلب آذانهم، بالكاد خففوا من ضجيجهم:” لنكمل احتفالنا في دار الندوة…”وقبل أن ينطلق أمامهم، وقف، كأنه تذكر شيئا، خزر الرجل الممدد لا يزال على الأرض بنظرة تقطر حقدا، ثم التفت إلى عبدين غليظين شديدين قائلا: خذاه…!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.