منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“المسيرة الخضراء”

"المسيرة الخضراء"/ المهدي اليونسي

0

“المسيرة الخضراء”

بقلم: المهدي اليونسي

     الارتباط بالأرض والدفاع عنها شعبة من الإيمان، واستعمار الأرض وخدمتها جانب من الاستخلاف الذي وكله الله لأدم وبنيه من بعده، وفي شرعنا يعتبر الجهاد والذود عن تراب الوطن من المحتلين والمغتصبين فرض من فروض الإسلام الخالدة، أمام هذه المنظومة الإسلامية حج آلاف من المغاربة للمناطق الجنوبية لتحرير الأرض من المحتل الإسباني، سمي هذا الزحف بالمسيرة الخضراء..

      أفرز المسيرةَ الخضراء السياقُ العام الذي فرضه فشل الانقلاب على الحسن الثاني رحمه الله، وما تلاه من محاكمات واعدامات طالت كل المشاركين فيه، حتى سميت الحقبة بسنوات الرصاص، وللملمة الوضع والخروج من نفق هذه السنوات فكر الملك في أمر يجمع به أمر الفرقاء السياسيين والمناوئين له خصوصا اليسار منهم، فدعا إلى المسيرة الخضراء، والتي حصل حولها نوع من الاجماع، لأن المغاربة من طبعهم لا يفرطون في ثرى الوطن..، وهم في الآن نفسه يتطلعون إلى تحرير سبتة ومليلية وكل الجز ر المحتلة.. هذه الجِبِلَّةُ المغربية المرتكزة على حب وطنها،  ترتكز أيضا على كره المحتل ومواجهته وقتاله، وقد سطر أجدادنا رحمهم الله صولات من البطولات يشهد لهم بذلك التاريخ المبثوث في ثنايا الأرشيف الفرنسي والإسباني، رحم الله  موحى أوحمو  الزياني وعبد الكريم الخطابي وكل المقاومين المغاربة الأشاوس، كرهوا المحتل ويكرهونه أنَّى كان جنسه وأنَّى كان مكانه، عبَروا بإرادتهم وشموخهم عباب البحر وصولا إلى الأندلس لضخ الدم الإسلامي في تُخومها لمَّا استُنصر المرابطون، وحاربوا مع إخوانهم الجزائريين جحافل المستعمر الفرنسي، وهم يرنون اليوم بقلوبهم وعقولهم إلى أرض محتلة أخرى، أقدس الأماكن وأبرك المناطق، بنى فيه آباؤهم حيا يسمى اليوم باسمهم، سَمِّهِ أنت إن شئت باب المغاربة، أو حارة المغاربة، أو حي المغاربة، أسسوا هنا قاعدة خلفية، لكي يتواصلَها ويتواصى بها أحفادُهم، منطلقين من وصية نبيهم، ففي مسند الإمام أحمد رقم (21286) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِس)..

      إن المغاربة فاضلوا في تاريخهم بين أرض المقدسات وأرضهم لتقديس الله إياها لكن لم يألوا جهدا في الذود عن كل هذه الأراضي..

      إن لون الدم المشترك في كلا العَلَمين، يؤكد على وحدة المنطلق ووحدة الأسلوب ووحدة النتيجة، ويؤشر على أن القضية الفلسطينية قضية المغاربة أيضا، ولا زالت تجسد لحد الآن الإجماع الوطني على اختلاف المشارب السياسية والإيديولوجية..

       لكن ما لا تستسيغه العقول هو  هذا الانحدار الأخلاقي الذي يناقض ماضي الأجداد وأنفة المغاربة الآن، وقد مد بعض المحسوبين علينا يد الخيانة إلى أخزى قاتل على وجه البسيطة، مغتصب للأرض، مدنس للمقدسات، مجاهر بالفتك بكل العرب والمسلمين، زارع الفتن بين الدول العربية، موهما الحكومات والأنظمة العربية أن له اليد الطولى في هذا العالم  في فعل ما يريد يناصر ويعادي من أراد..

      انطلت على هؤلاء معادلة الاعتراف بصحرائنا مقابل التطبيع المخزي مع الصهاينة، فالقاعدة واضحة وجلية: “المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها”، فلم نعطي الدنية في ديننا ومقدساتنا، إن مبدأ معاداة المحتل مبدأ لا يتجزأ، فما تكره لنفسك يجب حتما أن تكرهه لغيرك، فماذا لو  كان المحتل إرهابيا كما ترى؟!!، والأرض مقدسة كما نعلم؟!!، ثم إنه ليس لأحد تفويض ان يستغل أحد ما ضَعف مقاومة المحتل، ليصطف مع المحتل مهما كانت قوته ومهما بلغت الحاجة له، ليس من الشرع ولا من الأخلاق  ولا من الإنسانية حتى، أن يتشابه البقر على دولة غائرة في القدم لتفرش البساط لحثالة من الشُذَّاذ القتلة..، بعضُ شجر الزيتون فيها أقدم من كيانهم، والأدهى والأمر  أن تفرخ هذه الحثالة بيضها في مفاصل الدولة وفي الإعلام ومجالات أخرى.

      إن مقاومة المحتل المغتصب الظالم يجب أن يبقى شعار كل حر  في هذا العالم، لا يفتنه وهم قوة المحتل ولا تزويقات باطله، لتبقى المسيرة خضراء بعمقها الإسلامي وبعدها الإنساني..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.