منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مكتبة الحرم المكي الموجودة داخل المسجد

مكتبة الحرم المكي الموجودة داخل المسجد/الأستاذ الدكتور سعيد بن محمد حليم

0

مكتبة الحرم المكي الموجودة داخل المسجد

كتبه: الأستاذ الدكتور سعيد بن محمد حليم

لابد من التنبيه أولا على أن الحرم المكي، له مكتبتان اثنتان:
الأولى: موجودة داخل المسجد الحرام؛
الثانية: موجودة خارج المسجد الحرام، وهي مكتبة كبيرة تتألف من عدة طوابق.
هذه الحلقة سأخصصها للمكتبة الموجودة داخل المسجد الحرام. هذه المكتبة دخلتها يوم السبت، وهو اليوم الثالث من إقامتي بمكة المكرمة. تفاجأت عندما دخلت إلى المكتبة؛ لأنني وجدتها مكتبة صغيرة بالمقارنة مع مكتبة المسجد النبوي!!!!

عندما تدخل إلى المكتبة تجد مكتبا في الجهة اليمنى من المدخل يجلس فيه موظف أوأكثر. يطلب منك الموظف تسجيل اسمك وصفتك، وسبب الزيارة في دفتر.
تتقدم إلى الأمام تجد في الجهة اليمنى كتب: النفسير، وعلوم القرآن، والقراءات، وكل ما له علاقة بالقرآن العظيم وعلومه.
بعد ذلك تجد كتب علوم الحديث: شروح دواوين السنة، وكتب المصطلح، وكتب الرجال، وكتب الجرح والتعديل، وكتب العلل. ثم تجد كتب السيرة النبوية انطلاقا من سيرة ابن إسحاق، وسيرة ابن هشام ، إلى ما كتب في السيرة النبوية من كتب في العصر الحديث.
ثم بعد ذلك في الجهة اليسرى مما يحاذي كتب السيرة؛ تجد كتب الفقه على المذاهب الأربعة، ثم كتب علم الأصول، وكتب العقيدة وعلم الكلام، وكتب اللغة والمعاجم العربية، ثم كتب التاريخ العامة، وكتب التاريخ المتعلقة بتاريخ الحرمين الشريفين، ثم تجد بعض الكتب باللغة الإنجليزية، واللغة الفرنسية.
في المدخل من الجهة اليسرى للداخل إلى المكتبة؛ تجد نماذج من المخطوطات القديمة؛ من القرآن العظيم، وبعض الكتب في علوم مختلفة. النماذج قليلة؛ لأن الحيز الذي عرضت فيه النماذج ضيق جدا.

في وسط المكتبة طاولة طويلة مخصصة للجلوس للقراءة. نظام المكتبة على غرار نظام مكتبة المسجد النبوي. فليس هناك موظف يناولك ما تريد من الكتب. بل الباحث هو الذي يلج إلى حيث الكتب من الرفوف، ويختار ما شاء.
هذه الطريقة مهمة جدا، ومفيدة للغاية للباحث؛ لأنها تمكنه من جهة من معرفة عناوين الكتب في وقت وجيز، وتمكنه من جهة أخرى من معرفة مالم يكن يعرفه من قبل.
هذا المنهج ذكرني بقوة بمكتبة آل سعود بعين الذئاب بالدارالبيضاء. رجعت بالذاكرة الآن إلى بداية التسعينات من القرن الماضي، عندما كنت طالبا بدار الحديث الحسنية بالرباط.
كنا ندرس بالدار أيام: الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء. وكنت أنتقل يوميا من الدارالبيضاء إلى الرباط، خلال الأيام المذكورة عبر القطار، صحبة الأستاذين: الدكتور محمد رستم، وهو الآن أستاذ التعليم العالي بجامعة المولى سليمان ببني ملال، والأستاذ سعيد فرح.
كنا نقضي الأيام الثلاثة المتبقية من الأسبوع: الخميس، والجمعة، والسبت بمكتبة آل سعود. نظام المكتبة يمكنك من أن تلج إلى الرفوف، وتأخذ ما شئت من الكتب، دون إرجاعها إلى مكانها.
الموظفون هم الذي يرجعون الكتب إلى مواضعها بحسب اقامها، والعلوم التي تنتسب إليها.كان هذا المنهج مفيدا جدا جدا جدا؛ لأنك تستفيد إفادات جمة، وتطلع على أكبر عدد ممكن من الكتب كل يوم.
في حين أنني أتذكر عندما كنا نلج الخزانة الوطنية في موضعها القديم، أو الخزانة الملكية، فأنت مضطر للتعامل مع الموظف الذي تطلب منه الكتاب، أو الكتب التي تريدها. وهنا كان كثير من الوقت يضيع في أخذ الكتب، وردها، وانتظار تسلم الكتاب الموالية. زد على ذلك أن توقيت المكتبة بهذه الصيغة، يبتدي من الساعة الثامنة والنصف إلى الحادية عشرة والنصف. ثم تخرج لتنتظر الحصة المسائية، التي كانت تبدأ من الساعة الثانية والنصف، وتنتهي على الساعة الخامسة والنصف.
لا بد أن أسجل للتاريخ، أنني استفدت كثيرا من مكتبة آل سعود استفادة عظيمة، غيرت مساري في البحث العلمي، ومكنتني من الاطلاع على عدد كبير من الكتب.
وكنت أسجل كل شيء أولا بأول في دفتر من الحجم الكبير. فإذا ملئ عن آخره، انتقلت إلى دفتر آخر. استفدت كثيرا من صحبة الأستاذ الالمعي المتميز: الدكتور محمد رستم في مرحلة الدراسة بدار الحديث الحسنية في معرفة الكتب، وطريقة التعامل معها.
فجزى الله تعالى خير الجزاء واوفر القائمين على هذه المكتبة المتميزة؛ التي ما زال عطاؤها مستمرا إلى اليوم بشكل أفضل وأحسن وأقوى. كانت المكتبة في صيغتها القديمة، توجد فوف المسجد. أما الآن فقد استقلت المكتبة، وتطورت من حيث عدد الكتب؛ بأضعاف أضعاف ما كان فيها.
نظام مكتبة الحرم المكي الموجودة بداخل المسجد، أنها تشتغل24/24، بدون انقطاع. يخصص صباح يوم الثلاثاء والأربعاء إلى حدود صلاة العصر للنساء.
اطلعت في هذه المكتبة على كتب متعددة في الرجال:( تهذيب الكمال في أسماء الرجال) للحافظ المزي، وأصله:( الكمال في أسماء الرجال) للحافظ المقدسي، وكتب أخرى جاءت من بعد ك:( تهذيب التهذيب) للحافظ ابن حجر، وكتاب:( تذهيب التهذيب) للحافظ الذهبي. الذي يثير إعجابي وتقديري، هو العمل الجبار الذي قام به الحافظ المزي في كتابه المذكور. فهو عندما يذكر ترجمة من تراجم الرواة، يذكر شيوخ الراوي وتلامذته على سبيل الاستقراء.
اطلعت كذلك على بعض كتب فقه الحديث؛ ككتب غريب الحديث، وأسباب الورود، والناسخ والمنسوخ، ومختلف الحديث، وكتب شروح السنة، وتبدأ بشروح صحيح الإمام البخاري.، وشروح صحيح الإمام مسلم، وشروح موطا الإمام مالك، وشروح الكتب الأربعة، وغير ذلك.
طيلة الأيام التي قضيتها بمكة المكرمة، كنت أقضي معظم الوقت ليلا ونهارا بالمكتبة، لا أخرج منها إلا إلى الصلاة، أو إلى الأكل، وقليل من الراحة.
وكل ما قرأته، أو اطلعت عليه، سجلته بتفصيل في مذكرة خاصة، سأفصل القول في ذلك في الكتاب المخصص للرحلة. ما كنت أفتر عن القراءة لحظة؛ ولذلك تمكنت بفضل الله وقوته وحوله من قراءة كنب متعددة في وقت وجيز. فرصة ذهبية للانقطاع التام للعلم، والتعلم، والتكوين المستمر. كانت ساعات القراءة في مل يوم تزيد عن عشر ساعات متفرقة. ولولا المرض، لكانت ساعات القراءة أكثر وأكثر.
في مساء هذا اليوم، استدعيت لجلسة علمية بدار الأستاذ القاضي عبد العزيز، وهو رئيس محكمة بإحدى محاكم مكة المكرمة. الجلسة حضرها أساتذة حامعيون وقضاة.
الجلسة العلمية استحوذ عليها الدكتور عبد الله بن سعد الدخيسي وهو قاض، كان له إلمام تام ودقيق بقبائل الحجاز، ولهجاتهم، والفروق الموجودة بين الكلمات. يتكلم بدقة وتوسع، وكأنه تبارك الله ينظر في كتاب. مما ذكر ه الدكتور خالد أن القراءة التي نقرأ بها القرآن بالمغرب، وهي: قراءة نافع، من رواية ورش، موجودة عندهم في التحدث العادي عند الناس في بعض القبائل.
مما أثار إعجابي في هذا اللقاء الممتع، أنه كلما دخل ضيف جديد، يقف الجميع؛ حتى يسلم عليهم واحدا واحدا، ولا يجلس الجميع، حتى يسلم الضيف على آخر واحد.
من الأمور التي أفرحتني كثيرا كثيرا؛ التقديرالكبير والعظيم الذي يحظى به العلماء المغاربة في السعودية. فقد سألني بعض الأساتذة والقضاء عن الشيخ مولود السريري، والشيخ سعيد الكملي، والشيخ البيحياوي. وسمعت هذا الثناء في مجالس أخرى ومتعددة.
العلماء المغاربة لهم تقدير خاص في المشرق كله بدون استثناء.

مما لا حظته في الأساتذة الجامعيين هنا والقضاة؛ التواضع الكبير. يتكلمون بأدب كبير، لا يذكرون العلماء بأسمائهم إلا مقرونة لفضيلة الشيخ، وفضيلة الدكتور، والعالم، عير ذلك من الألقاب العلمية.

انتهت الجلسة العلمية، بوجبة عشاء على طريقتهم. جلوس في الأرض بلا كراسي. اللحم والأرز، وقليل من السلاطة. يأكلون بأيديهم مباشرة بدون ملاعق. لكنني طلبت ملعقة، وأكلت قليلا؛ لأن الأرز يرفع نسبة السكر في الدم بشكل قوي وسريع. ولذلك حرصت بعد الرجوع إلى الفندق، على المشي لمدة نصف ساعة؛ حتى أنزل السكر في الدم إلى الحدود العادية قبل النوم.

كان في رفقتي في بعض زياراتي، الأستاذ عبد العزيز، وهو رئيس محكمة. وقد كان جزاه الله خيرا في خدمتي بكل تواضع وتفان. فجزاه الله عني خير الجزاء، دون أن أنسى باقي القضاة الآخرين الذين جالستهم.

والحمد لله رب العالمين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.