منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سبح اسم ربك الأعلى

تفسير سورة الأعلى ـ بن سالم باهشام

0

في هذه الفقرة الأولى من سورة الأعلى أمر الله بتسبيح اسم الله الأعلى، وعرف سبحانه على ذاته بمظاهر من خلقه، من خلق وتسوية وتقدير وهداية وإخراج للمرعى، وتصييره إلى ما يؤول إليه، وفي ذلك تعليل لاستحقاق التسبيح، وتدليل على أنه الأعلى. الذي يجب أن يقدس ويعظم ويعبد ويخضع له دون غيره، ولا ترضى أن تخضع لأدنى، ومن الأشياء الدنية، والآلهة الدنية: النفس الإنسانية، والهوى، والرغبة، والشهوة التي يريد الناس أن يتحاكموا إليها، تحت مظلة دولة مدنية يشرعون لأنفسهم ما يريدون، إنما ينبغي أن يخضع الخلق جميعا للرب الأعلى.

قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

قل سبحان ربي الأعلى، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت: (اجعلوها في سجودكم). والمعنى: نزه ربك الأعلى عما لا يليق به، والتسبيح هو: التنزيه عن النقائص وكل ما لا يليق، وهو من الأسماء التي لا تضاف لغير اسم الله تعالى، فإذا قلت: سبحان الله، فالمعنى: إنني أنزه الله عن كل سوء وعيب ونقص، ولهذا كان من أسماء الله تعالى: (السلام، القدوس).

والمراد بالآية: نزه الله ربك عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه، مما يصفه به الملحدون.

والمراد كذلك: سبحه ذاكرًا اسمه تعالى بالقلب واللسان، على وجه التعظيم. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في ركوعكم »، ولما نزلت: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾.. قال: « اجعلوها في سجودكم». وذلك ليقرن أثر التنزيه الفعلي، بأثر التنزيه القولي.

المزيد من المشاركات
1 من 9

والافتتاح في سورة الأعلى بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسبح اسم ربه بالقول، يؤذن بأنه سيلقي إليه عقبه بشارةً وخيرًا له وذلك قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾.

وفي آيات أخر جاء الأمر بتسبيح الله تعالى؛ كقوله:﴿ فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [2]، وجاء أيضًا مقرونا بالضمير العائد إلى الله؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [3].

وهنا في سورة الأعلى لما ألحد في أسماء الله قوم، ونزَّهها آخرون، جاء التسبيح للاسم، كقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ[4]. ويكون تنزيه أسماء الله تعالى على وجوه:

1 – تنزيه اسم الله عمَّا ألحد فيه الملحدون: كتنزيه اسم الله تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله،

2 – تنزيه اسم الله عن إطلاقه على الأصنام: كاللات والعزى، واسم الآلهة.

3 – تنزيه اسم الله عن اللهو به واللعب والعبث: كالتلفظ به في حالة تنافي الخشوع والإجلال، أو وضعه في غير مواضعه، كنقش الثوب أو الفراش الممتهن.

4 – تنزيه اسم الله عن المواطن غير الطاهرة، أو غير اللائقة: كصيانة الأوراق المكتوب عليها لفظ الجلال من الابتذال صونًا لاسم الله، وعدم ذكره تعالى حال الغائط، وتجنب الحلف به كاذباً، أو من غير مبالاة. فإن المأمور به هو إجراء الأخبار الشريفة والصفات الرفيعة على الأسماء الدالة على الله تعالى من أعلام وصفات ونحوها؛ ولهذا يكثر في القرآن إناطة التسبيح بلفظ اسم الله نحو قوله: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ[5].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 35

وقد وصف الله الأسماء الحسنى بأنها بالغة غاية الحسن؛ لاشتمالها على صفاته الكريمة، كما في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[6]، وكما في قوله: ﴿ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [7].

فتسبيح اسم الله: النطق بتنزيهه في خاصة نفس المرء، وبين الناس، بذكر يليق بجلاله، من العقائد والأعمال، كالسجود والحمد، واستحضار الناطق بألفاظ التسبيح ومعانيها، إذ المقصود من الكلام معناه، وبذلك يتجدد تعظيم الله تعالى في نفس العبد، كما يتضمن التسبيح عبادة الله والخضوع لجلاله والاستكانة لعظمته.

أنواع التسبيح:

تسبيح الله على نوعين:

1 – تسبيح اسم الله تعالى:

وهذا ملاك التفرقة بين تعلق لفظ التسبيح بلفظ اسم الله نحو ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا[8]، ونحو ﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ[9].فإذا قلنا: ﴿ الله أحد ﴾ أو قلنا: ﴿ هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ[10]، إلى آخر السورة، كان ذلك تسبيحا لاسمه تعالى.

2 – تسبيح ذات الله تعالى:

تفكر العبد في عظمة الله تعالى، وترديد تنزيهه في ذهنه، هو تسبيح لذات الله، وليس تسبيحًا لاسمه.

فإذا نفينا الإلهية عن الأصنام، لأنها لا تخلق، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [11]، كان ذلك تسبيحا لذات الله لا لاسمه؛ لأن اسمه لم يجر عليه في هذا الكلام إخبار ولا توصيف.

ومآل الإطلاقين في المعنى واحد؛ لأن كلا الإطلاقين مراد به الإرشاد إلى معرفة أن الله منزه عن النقائص، ومما يدل على إرادة التسبيح بالقول، وجود قرينة في الكلام تقتضيه، مثل التوقيت بالوقت في قوله تعالى: ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[12]، فإن الذي يكلف بتوقيته هو الأقوال والأفعال دون العقائد، ومثل تعدية الفعل بالباء مثل قوله تعالى: ﴿ وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [13]، فإن الحمد قول، فلا يصاحب إلا قولا مثله.

ويمكن أن يكون التسبيح هنا بمعنى الذكر والتعبد، كالتحميد والتهليل والتكبير، وفي السنة ما يشير لذلك، فقد روى الطبري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت، – أي سورة الأعلى – قال صلى الله عليه وسلم بعد أن قرأها: «سبحان ربي الأعلى»، وكذلك أمْره أن تكون في الصلاة بقوله: «اجعلوها في ركوعكم»، وقوله: «اجعلوها في سجودكم »، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تسبحون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وتكبرون ثلاثًا وثلاثين، وتختمون المائة بلا إله إلا الله»[14]. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ[15]، إلا يقول: «سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»[16]، وقالت: (يتأول القرآن)[17]، وقالت أم سلمة رضي الله عنها: «إنه كان يقولها في قيامه وقعوده، ومجيئه وذهابه صلى الله عليه وسلم» فيكون “سبح اسم ربك“: أي اذكر ربك، فوضع الذكر موضع التسبيح. أي نَزِّه ربك ومَجِّدهُ تعالى عمَّا لا يَليق به. وقل: سبحان ربي الأعلى، ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت: (اجعلوها في سجودكم).

في هذه الآية الأولى من سورة الأعلى، بدأ الله بتكليف للثقلين – الإنس والجن – إذ أمرهم بالتسبيح، لينتظموا في منظومة الكون، إذ أخبرنا سبحانه بأن الكل يسبح بحمد الله، قال تعالى في سورة الإسراء: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ، وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)[18]، وقال للإنسان الذي أعطاه الاختيار: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)، وهداه ودله وبيّن له وكلفه لاختياره دون سائر المخلوقات فقال: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى)؛ فالكل يسبح اسم ربه، فإن سبحت باسمه سبحانه وتعالى، سرت مع فلك المسبحين، فدارت دورتك الحياتية بسلام، لا تصطدم بشيء، كالذي يطوف مع الطائفين حول الكعبة، مهما كثر عددهم، ربما تحرك بغير جهد، إنما يفتح له من أمامه، ويدفعه من خلفه، غير أنه يحرك قدميه ويبدل رجليه فقط، ومهما سار وطال به المسير فلا يصطدم بشيء؛ لأن الكل يسير في اتجاه واحد، وانظر إليه حين استدار وأراد أن يطوف عكس الطواف لأمر ما، إنه لا يتحرك خطوة، ولا يبرح مكانه، من قوة الدفع التي تقابله وتواجهه، فالكون كله يسير نحو اتجاه معين رسمه الحق سبحانه وتعالى، فإذا أراد أي أحد من الناس أن يعاكسه، فلن تدور له حياة، ولن يصلح له أمر، قال تعالى في سورة طه: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[19]، وكم وجد ويجد وسيجد هذا المعاكس من الضيق في طريقه؟! لأنه يعارض الطريق في كل شيء. لهذا فمن مصلحتنا أن ندور مع الدائرين، وأن نسير مع السائرين: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى)، ولأن الإنسان كما ذكر خالقه حقيقته، بأنه أكثر شيء جدلا، يحب المجادلة، ويقول لك: أقنعني، دون أن يستحق ذلك، فنحن عبيد، والله رب أعلى، ولا نملك تجاهه إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا، وهكذا نقولها في الحج كلاما، ولا بد أن يكون في الحياة واقعا، ومع ذلك، فهو سبحانه وتعالى قد أقنعنا، أو أعطانا ما يقنع العقل السليم، أتدري لماذا تسبح باسم ربك الأعلى وحده لا شريك له، وليس أحد معه، ولا أحد يشاركه، ولا أحد غيره؟ لأنه سبحانه وتعالى وحده.

﴿ الْأَعْلَى ﴾ من العلو، وتفيد بصيغتها الزيادة في صفة العلو، ولم يُذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه، فلم يقل عز وجل (الأعلى) من كذا وكذا، بل الأعلى من كل شيء، فأفاد التفضيل المطلق. فله جل في علاه كمال العلو، فله علو الذات وعلو الصفات.

1 – علو الصفة:

أكمل الصفات لله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى[20].

2 – علو الذات:

هو أن الله تعالى فوق عباده مستو على عرشه، ولهذا كان الإنسان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى، يعني أنزه ربي الذي هو فوق كل شيء وليس فوقه شيء، فتسبح الله الأعلى بصفاته، والأعلى بذاته، وتشعر عندما تقول: سبحان ربي الأعلى، أن ربك تعالى فوق كل شيء، وأنه أكمل من كل شيء في الصفات.


[1] – سورة الأعلى، الآية 1.

[2] – سورة الروم، الآية 17.

[3] – سورة الإنسان، الآية 26.

[4] – سورة الصافات، الآية 180.

[5] – سورة الواقعة، الآية 74.

[6] – سورة الأعراف، الآية 180.

[7] – سورة الإسراء، الآية 110.

[8] – سورة الإنسان، الآية 26.

[9] – سورة الأعراف، الآية 206.

[10] – سورة الحشر، الآية 23.

[11] – سورة الحج، الآية 73.

[12] – سورة الأحزاب، الآية 42.

[13] – سورة السجدة، الآية 15.

[14] – أخرجه مسلم وأبو داود.

[15] – سورة النصر، الآية1.

[16] – أخرجه البخاري.

[17] – وهذه الزيادة، رواها ابن أبي عاصم.

[18] – سورة الإسراء، الآية 44.

[19] – سورة طـه، الآية 124.

[20] – سورة النحل، الآية 60.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.