منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

درس غزة

درس غزة / مينة كلخ

0

درس غزة

بقلم: مينة كلخ

 

كشابة في مُقتبل العُمر تتأثر بقضايا أمتها، كُنت أصبُّ الكثير من اهتمامي على ما يقع في فلسطين من ظُلم و تنكيل بشعبها. كانت ولاتزال الحرب على غزة و حصارها تصنع الفارق في حياتي.

 لم يكُن عقلي آنذاك يستوعب مصدر الوهن، و كيف لا تُحرك هذه الأمة الكبيرة ساكنًا لِتنصر هذا الشعب المُستضعف في غزة. كان منظر الاطفال الصِغار يحزّ في خاطري، قد أُحرم النوم بعد مشاهدة عدد الضحايا و حجم الدمار، و كيف هي أرواح الناس و حياتهم تحولت الى لُعبة بين يدي من يتحكم في أزرار الطائرات الحربية، أوعن بُعد من مكان مُريح لشخصٍ رُبما غير مُكترث لحجم الدمار الذي يُلحقه بأخيه الانسان، هؤلاء الذين تم شحنهم بمعتقدات من قبيل أنك تُحارب من يستحق الموت و إن كان طفلًا.

 كانت تعاليم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم تحضر في بالي، و أتسائل ماذا يُريد الإنسان أن يصنع بالحرب؟ ثم أتأمل في حجم الظُلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني برمته و خاصة قطاع غزة. ومع تتبع الأخبار أصبحت أعرف أغلب مناطق غزة، كانت المشاعر تغلبني، رُبما كُنت أكثر تأثرًا من الذين يعيشون داخل غزة، رسمتُ في مخيلتي صورة لهذا السِجن الكبير، و حجم الدمار داخل هذا السِجن، ثم مع مرور الأيام بدأت رويدا رويدًا أكتشف أن من هم داخل هذا السِجن الكبير من يزرع الأمل في نفوسنا نحن أكثر منا.

 ونظرت من زاوية أخرى فوجدت أن هذا الشعب الغزاوي بعد كل نكبة يصنع السعادة لنفسه من تحت الركام، يزرع ورودًا، يُزين بها سجنه الكبير، يُحول هذه البُقعة من الأرض منطقة مُنتجة تزرع الأمل، يصل صدى تأثيرها إلى أبعد الحدود، وبإيمان رجالها و نسائها وأطفالها فإنهم يصنعون الفارق في هذا العالم.

 الدرس الذي تُعلمنا غزة هو السعي ثم السعي و السعادة تُصنع و لا تُعطى، حتى لو كُنت تقبع تحت الظُلم. ثم بدأت أرى على النقيض من ذلك سجنًا حقيقيًا يعيشه جزء كبير من شعوب أخرى بشكلٍ اختياري، إنه سجن معنوي يبنيه الإنسان لنفسه حيث ويُدخل نفسه السِجن و يضع أغلال السلبية في يديه، فترى أناسا لا هُم يعيشون تحت الحصار و لا هناك طائرات حربية تُحلق فوق رؤوسهم، ومع ذلك هم في تأفف دائم من حياتهم يعتبرون أنفسهم ضحية، يعيشون تحت نظرية المؤامرة، فهم لا يُدركون أن أكبر مؤامرة هي التي نحبكها ضد أنفسنا، من قبيل التصديق بأنك مسلوب الإرادة و أن هُناك من يتحكم في مصيرك، فهذا لوحده سِجن للروح، هذه الروح العظيمة التي تحمل رسالة الاستخلاف في الأرض.

إننا إذا سمحنا للعقل المُشبع بمعتقدات سلبية ان يسجنها فستكون كذلك، ما تعلمته من درس غزة ان العدو الظاهر يُقويك و يدفعك للمواجهة، يُخلصك من الخوف، يوقظ داخلك الرغبة في العيش و الكِفاح، يجعلك تصنع السعادة من أبسط الأشياء، تُقدِّر ما بين يديك فتخترع و تبني و تُعمر و تزرع، لكن العدو الخفي الداخلي يُوهمك فقط بمعتقدات تتبناها بمحض إرادتك، فهو الأخطر. فلا أنت سجين في سجن حقيقي، و لا أنت إنسان مُنتج مُتطلع لغدٍ مُشرق، تنسج خيوط أشعته.

 حفظك الله يا غزة، فكم من درس علمتنا إياه، والله عز وجل غالبٌ على أمره و قادر على كل شيء، والدنيا امتحان، كُلما أعددنا له و فهمنا جيدًا المضمون، نستطيع بسعيٍ منا و توفيقٍ من الله تعالى أن نجتازه بتفوق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.