منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الوساطة الأسرية بين تحديات الواقع ومقاصد الشريعة

هاجر حسناوي

0
اشترك في النشرة البريدية

تعتبر الأسرة نواة المجتمع والدعامة الأساسية في بنيته فهي تؤمن بالاستقرار واكتساب المعرفة والقيم الضرورية، لتثبيت أسس المواطنة الكاملة، والملاحظ في زماننا أن الأسرة أصبحت تواجه مجموعة من التغيرات والتحديات السوسيو اقتصادية والثقافية نتيجة مجموعة من العوامل جعلت الأسر تواجه الكثير من الرهانات الأمر الذي يدعوا إلى تعميق النقاش حول نوعية الخدمة والمساعدة الاجتماعية لتستعيد الأسر توازنها واستقرارها، ومن هنا جاء التفكير في آليات ومناهج وقواعد تساعد الأسر على حل المشكلات واسترداد الدور الفعال في بناء المجتمع وتحقيق الوحدة والتماسك، وبهذا اتسع مجال الوسائل البديلة لحل النزاعات الأسرية في المجتمع المغربي وذلك لحل كثير من الخلافات التي لم يسلم منها أي مجتمع بل حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم  وقبله من خلال الأعراف والعادات كانت هناك خلافات أسرية تتعدد وتتباين بحسب الظروف والأحوال وكان هناك وسيط صلح بينهما بمعنى أن آلية الوساطة ليست أمرا جديدا مستحدثا وإنما برز صيتها أكثر وأكثر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، مصداقا لقوله -عز وجل-“لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا” (النساء، الآية: 114).

أصبحت الحاجة إلى الوسيط الأسري أكثر وأكثر إلحاحا كوسيلة للحد والوقاية من النزاعات داخل الأسر عبر الوقاية وتعزيز التواصل بين الزوجين وتتحقق فاعليتها في كونها مفاوضة غير ملزمة يقوم بها طرف ثالث محايد يهدف إلى مساعدة أطراف النزاع للتوصل إلى حل النزاع القائم بينهم وذلك من خلال استخدام فنون مستحدثة في الحوار لتقريب وجهات النظر وتقييم المشكلة والخروج بنتيجة ترضي الطرفان، لكن الإشكال والنقطة التي دفعتني إلى اختيار هذا الموضوع بل بالأحرى لفتت انتباهي كون هذا الموضوع وهذه الوسيلة التي تفضي في الأخير إلى السلم والتسامح والتصالح تحتاج إلى أرضية خصبة لتفعيلها وكسب رهان إدماج الوساطة الأسرية في المجتمع المغري وهذا يقتضي البحث عن مدى إمكانية تقبل هذا الأخير لهذه الوسيلة البديلة وكذلك الأساس الذي سيبنى عليه والمغرب كبلد إسلامي تجده قائما على مبادئ الصلح، والذي يجدر ذكره هنا  أن كثرة القضايا وقلة الأطر وغيرها بمعنى أن عدد القضاة بالمغرب لا يتجاوز 4700 قاضي أدى إلى التفكير بعمق في إيجاد بدائل للقضاء أو مساعدة له لحل أزمته فتم إحياء هذه الطرق التي كانت متجدرة في عمق التاريخ والثقافة الإسلامية منذ قرون غابرة، ومن هنا يتضح أن أرضية كسب الرهان موجودة، ويتأكد ذلك من خلال الإطار المرجعي للوساطة الأسرية في المغرب ففي نص الفصل 32 من الدستور على أن الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع وأن واجب الدولة العمل على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الأسر، بمقتضى القانون بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها، والبرنامج الحكومي: فالبرنامج الحكومي 2012/2016 يهدف إلى تقوية وحماية الأسرة وذلك من خلال وضع سياسة أسرية مندمجة تحرص على تماسك الأسر وتعزيز أدوارها الوقائية، ثم المرجعية القانونية للوساطة الأسرية، بمعنى الوساطة الأسرية تستمد مرجعيتها من العديد من المقتضيات القانونية كمدونة الأسرة وقانون المسطرة المدنية وغيرها، فمدونة الأسرة تضمنت مؤشرات لتفعيل الوساطة في مجال قضاء الأسرة، وقانون المسطرة المدنية تم إدماج نظام الوساطة من خلال قانون 05-08 المعدل الباب الثامن منه، والميثاق الوطني حول إصلاح العدالة نص هذا الميثاق في إحدى توصياته على ضرورة مأسسة الوساطة الأسرية.

سيبقى الأمل على تحقيق برنامج وساطة أسرية في المجتمع المغربي وتعميمه في ثقافتنا معقود على مختلف الفاعلين في هذا المجال، علما أن المغرب لم يتبنى نظام الوساطة العائلية بمفهومه الدولي والجديد والذي أصبح نظاما معترفا به في المحاكم الفرنسية وذلك ابتداء من 2004 فالقطاعات حكومية ومؤسسات وطنية وجمعيات المجتمع المدني وخبراء مختصين كما لها الدور، لأنه كما هو معلوم أن هذا النظام تحققه جمعيات حقوق الإنسان وجمعيات محاربة العنف ضد النساء وكذا المجالس العلمية المحلية وغيرها إلا أنها ليست بالشكل المطلوب المرغوب فيه بحيث أننا في حاجة إلى تعميق النقاش ومراعاة خصوصية المجتمع المغربي في الأخذ بنظام الوساطة والاستفادة من تجارب الدول الأخرى كفرنسا وللولايات المتحدة الأمريكية… على اعتبار أن المدونة فتحت المجال أما قضاء الأسرة ليساهموا في تأسيس وتنظيم وساطة أسرية تتلاءم مع روح الثقافة المغربية والمرجعية الإسلامية وتستجيب لحاجيات الأسر المغربية في تطورها، ونرجع ونقول أننا نسترد هذا النظام من الغرب بصيغة ما يسمى بالوساطة الأسرية بحيث أنها تبقى مهمة وحيوية خاصة حين يكون هناك أطفال، فالمغرب أصبح ينفتح على هذا النظام من خلال الدورات التكوينية التي يخضع لها بعض أطر وزارة العدل من قضاة ومساعدات اجتماعيات وغيرهم.

وزارة العدل كمؤسسة رسمية خاضت ورشا في ميدان الوسائل البديلة لحل النزاعات ويأتي في هذا السياق عدة مبادرات لإدخال هذه الوسائل في النظام القانوني والقضائي من خلال سن مجموعة من القوانين وكذا مشاريع القوانين التي تتقدم بها خاصة في الميدان الزجري وقضايا الأسرة وقانون الشغل، كما تم توقيع اتفاقية بين جمعية جسور ملتقى النساء المغربيات وبين المركز الدولي للوساطة والتحكيم بالرباط يتم من خلالها إحداث مركز مشترك للإنصات والوساطة الأسرية وذلك إما للجوئهم إلى مقر جمعية جسور أو بالمركز الدولي للوساطة لأنه له دور مهم في التحولات الاجتماعية منها تعزيز دور المجتمع المدني وتحوله إلى شريك أساسي في كل برامج التنمية بالإضافة إلى الواقع الحالي للأسر المغربية ينبغي تعدد المتدخلين والتفكير في شركاء ووسطاء وفاعلين جدد، وتفعيل دور مراكز الإرشاد والجمعيات النسائية.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.