منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

موقف الجابري من رؤية الله عز وجل يوم القيامة

0
اشترك في النشرة البريدية

رأينا في المبحث السابقل https://islamanar.com/effets-de-lapproche-jabri-5/ كيف انحاز الجابري إلى موقف الشيعة عندما ذهب إلى القول بضرورة تجويز نكاح المتعة بسبب الضرورات المعاصرة.

وفي هذا المبحث نقف مع أمر آخر ذهب فيه الجابري مذهب المعتزلة، في مسألة رؤية الله عز وجل يوم القيامة.

من المعلوم أن الخلاف في هذه المسألة قديم جدا، فقضية الرؤية وجوازها على الله أو عدم جوازها من القضايا المهمة التي ثارت بين المعتزلة وخصومهم، وقد أثارت جدالا ونقاشا طويلا عريضا.

فقضية التوحيد عند المعتزلة ونفي الجسمية على الله تعالى ترتب عليه نفي كون الله جل وعلا مرئيا، لأن رؤية الله تعالى – عند المعتزلة – تقتضي كون الله جل وعلا في جهة ومتحيزا في المكان، وهو جل وتعالى – عندهم – متعال عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس ، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة. وما ليس بجسم ولا عرض – وهو الله جل وعلا – فمحال أن يكون في جهة، ولذلك سعى المعتزلة إلى نفي كون الله جل وعلا مرئيا بأي صورة من الصور، وعمموا نفي ذلك عنه في الدنيا وفي الآخرة على السواء، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : » وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىا لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرِ اِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنُ انظُرِ اِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىا رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىا صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُومِنِينَ« [1]، وقوله تعالى : » لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « [2].

إلا أن نفي الرؤية في حق الله تعالى لم يكن سبيلا سهلا  أمام المعتزلة، لأن الاعتراضات عليهم كان كبيرة، ورغم أنهم وجدوا بعض الآيات التي قد تفيد ما ذهبوا إليه، فقد اعترضتهم آيات أخرى استشهد بها خصومهم في رد هذه الدعوى، فلم يجد المعتزلة ملجأ للهروب من هذا الإحراج إلا بتأويل تلك الآيات التي يستشهد بها الخصوم، تأويلا  يتفق مع وجهة نظرهم في التوحيد، وفيما يجوز على الله وما لا يجوز عليه، ونظروا إلى تلك الآيات التي استشهد بها الخصوم على أنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، ونظروا إلى الآيات التي تسند وجهة نظرهم على أنها من المحكم الذي ترد إليه آيات الخصوم المتشابهة.

المزيد من المشاركات
1 من 65

ومن أهم هذه الآيات التي أحرجت المعتزلة وألجأتهم إلى التأويل قوله تعالى : » وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَىا رَبـِّهَا نَاظِرَةٌ « [3]، فزعموا أنها تفيد معنى التوقع والرجاء، كقول الناس أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، وإلى هذا المعنى ذهب الجابري عندما قال – بعد أن لخص كلام الرازي في المسألة – : » أما نحن فنرى أن الذي أدى إلى الانسياق مع هذا النوع من ” الكلام ” هو الانغلاق في الألفاظ وإهمال السياق. ذلك أن قوله تعالى :  ” وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَىا رَبـِّهَا نَاظِرَةٌ “[4]، ليس قولا مستقلا معزولا، بل هو مرتبط بما بعده أعني قوله:” وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ” [5] فلفظ ” ناضرة ” يقابله لفظ ” باسرة ” أي ضد ) وهو كالحة (، كما أن لفظ ” ناظرة يقابله لفظ ” فاقرة ” بمعنى : عقاب. ونحن نرى أن انتظار العقاب ضده انتظار الثواب. وإذا فالسياق التقابلي يقتضي أن يكون مقابل ” أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ”، هو ” اِلَىا رَبـِّهَا نَاظِرَةٌ ” ” تنتظر ثواب ربها “. « [6]. وهذا الكلام الذي سطره الجابري هنا يعكس سطحية في الفهم، وتبسيطا للمسألة، وإعراضا عن السنة النبوية.

أما السطحية في الفهم فتتجلى في قياس الغائب على الشاهد بدون ضوابط، فقياس رؤية الله جل وعلا هنا على رؤية المخلوقات لا تصح إطلاقا، فنحن نؤمن بأن الله يسمع ويبصر ويتكلم دون أن يكون له حواس تشبه الحواس الموجودة عند خلقه، فكذلك يمكن أن يرى الله تعالى يوم القيامة دون أن يكون متحيزا لجهة أو مكان لمجرد أن كل مرئي من المخلوقات لا بد من تحيزه في جهة محددة ومكان معين.

أما تبسيط المسألة فيتجلى في هذه المقابلة التي وضعها الجابري بين قوله تعالى : » وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ اِلَىا رَبـِّهَا نَاظِرَةٌ « ، وقوله تعالى : »  وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذِم بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُّفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ « ، بحجة وحدة السياق، رغم اختلاف الأحوال، فالأولى تعد بالنعيم المقيم، والثانية تتوعد بالعذاب الأليم، فكيف يصح في العقول أن يكون النعيم انتظارا !!! والعقاب انتظارا ؟ وكيف يكون معنى فعل النظر المتعدي بإلى هو الانتظار؟[7] والناس تعلم أن الانتظار غمٌ وألم، وكم من شخص يكفيه من العقاب أن تجعله ينتظر لساعات طوال.

أما الإعراض عن السنة فعادة الجابري، ولو رجع إلى نصوص السنة النبوية الصحيحة لأغنته عن التكلف في الفهم والتمحل في التأويل، لأن السنة مبينة للقرآن الكريم مصداقا لقوله تعالى : »  وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِـتُـبَـيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ « [8]، وقد بين رسول الله صل الله عليه وسلم للناس – في هذه المسألة – بيانا شافيا كافيا، فعن جرير رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال: ” إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل الغروب فافعلوا ” ، ثم قرأ : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب [9]” .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال: ” هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ” قالوا : لا يا رسول الله ، قال: ” فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب ” قالوا : لا ، قال : ” فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة ، فيقول : من كان يعبد شيئا فليتبع ، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم ، فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا جاء ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا …[10]“.

وعن صهيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا دخل أهل الجنة الجنة ، قال : يقول الله تبارك وتعالى : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة ، وتنجنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل “، ثم تلا هذه الآية : ” للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ” [11]” .

وعن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملك ألفي سنة ، يرى أقصاه كما يرى أدناه ، ينظر في أزواجه وخدمه ، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله تعالى كل يوم مرتين [12]“.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 24

قال ابن كثير – رحمه الله تعالى – : » وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها«[13] .

فهل بعد هذه النصوص النبوية ذات الدلالة الواضحة والأسانيد المتواترة مجال للتأويل أو حاجة ” للتنزيه[14]” اللهم لا .

[1] سورة الأعراف ، الآية 143 .

[2] سورة الأنعام ، الآية 103 .

[3] سورة القيامة ، الآية 22 – 23 .

[4] سورة القيامة ، الآية 22 – 23 .

[5] سورة القيامة ، الآية 24 – 25 .

[6] فهم القرآن القسم الأول ، ص 152 .

[7] يقول الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية » إن النظر الوارد بمعنى الانتظار كثير في القرآن ولكنه لم يقرن ألبتة بحرف إلى كقوله تعالى : ” انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ ” « .

[8] سورة النحل ، الآية 44 .

[9] رواه الطبراني في الأوسط ، باب العين ، حديث : 8216 .

[10] رواه البخاري ، كتاب الآذان ، أبواب صفة الصلاة ، باب فضل السجود ، حديث : 785 .

[11] رواه مسلم ، كتاب الإيمان ، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى ، حديث : 292 .

[12] رواه أحمد ، مسند ابن عمر رضي الله عنهما ، حديث : 4486 .

[13] تفسير ابن كثير .

[14] سبب نفي الرؤية في حق الله جل وعلا عند المعتزلة هو تنزيهه عن الجسمية والسؤال هل المعتزلة أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل المعتزلة أكثر تنزيها لله جل وعلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.