منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

موقف الجابري من الآيات التي تتحدث عن خلق حواء

0
اشترك في النشرة البريدية

لقد ذكر الله عز وجل خلقه لآدم في عدد من الآيات من كتابه العزيز، كقوله تعالى :” وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُوا ءَلاَدَمَ فَسَجَدُوا إِلآَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ[1]“، وقوله جل وعلا :” وَإِذْ قَالَ رَبـُّكَ لِلْمَلآَئِـكَةِ إِنـِّي خَالِقُم بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيـْتـُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلآَئِـكَةُ كُـلُّهُمُ أَجْمَعُونَ[2]“.

وهناك آيات أخرى تتحدث بوضوح عن خلق حواء، كقوله تعالى :” يَـآ أَيـُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبـَّكُمُ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَّآءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [3]“، وقوله عز وجل :” هُوَ الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [4]“. فالله تعالى أمر خلقه في عدد من الآيات بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، وبين لهم قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، عليه السلام ” وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ” وهي حواء، عليها السلام، ف » النفس الواحدة : هي آدم والزوج : حوّاء، فإنّ حوّاء أخرجت من آدم، من ضلعه، كما يقتضيه ظاهر قوله : ” منها ” و ” مِن ” تبعيضية . ومعنى التبعيض أنّ حوّاء خلقت من جزء من آدم« [5]. وعن ابن عباس قال:” خُلقَت المرأة من الرجل، فجعل نَهْمَتَها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم [6]“.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” استوصوا بالنساء ، فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء [7]“. هذه نصوص شرعية واضحة من الكتاب والسنة لم يحتج العلماء بغيرها، لأن فيها كفاية وزيادة، إلا أن كل هذا الوضوح في هذا الأمر لم يقنع الجابري، فراح يتهم العلماء بأنهم إنما أخذوا مسألة خلق حواء من ضلع آدم من التوراة، يقول الجابري : » اعتمد معظم المفسرين على الإسرائيليات في تفسير قوله تعالى :” وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ” فقالوا إن ” الله خلق حواء من ضلع آدم “، وهذا مذكور في التوراة. ولكن ليس في القرآن ما يدل على أن الله خلق حواء من ضلع آدم « [8].

هكذا يغامر الجابري، ويجزم بأنه ليس في القرآن ما يدل على أن الله خلق حواء من ضلع آدم، فعلى ماذا تدل هذه الآيات؟

لقد رأينا آنفا كيف أن الجابري يحاول أن يفهم القرآن على ضوء بعض العلوم التي كانت سائدة في زمن النبوة، ولكن بعيدا عن الجزيرة العربية، وهكذا تصبح دلالة هذه الآيات مستمدة من العلم القديم الموروث عن أرسطو.

المزيد من المشاركات
1 من 62

فالجابري يتهم من جهة العلماء – دون برهان علمي – بالأخذ عن التوراة، ويفعل هو أسوأ من ذلك عندما يفسر كلام الله تعالى بعلم أرسطو، يقول الجابري : »ما يفهم من الآيات التي تعرضت لهذا الموضوع هو أن الله خلق آدم من طين…والمعنى : هو الذي خلقكم – خلق كلا منكم – من نفس واحدة، هو الرجل، أي من مني الزوج، وجعل من تلك النفس، أي من ذلك المني زوجها باختلاطه مع ماء المرأة. وهذا ما يقتضيه العلم القديم الموروث عن أرسطو والذي انتشر بين الأطباء القدامى، فقد كانوا يرون أن النفس ) وهي الصورة ( هي مني الرجل، أما ماء المرأة فهو مجرد ماء للتغذية« [9]، هكذا يفسر الجابري كلام الله عز وجل بالعلم  القديم الموروث عن أرسطو، ويضيف إلى كلام الله تعالى ما ليس منه – خلق كلا منكم – فهذه العبارة من وضع الجابري وليس عليها أي دليل.

والجابري يفعل هنا ما أنكره في حق غيره، فقد رد الجابري بشدة على الرازي عندما فسر قوله تعالى :” وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ اِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [10]” قال الرازي : » نزيد في اللفظ قيدا فيكون التقدير : وما كان لبشر أن يكلمه الله ” في الدنيا “…وزيادة هذا القيد، وإن كانت على خلاف الظاهر، لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات والآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة« [11]. فالرازي – رحمه الله تعالى – أضاف هنا قيدا ليس من عنده، بل مأخوذ من دلالات آيات أخرى من كلام الله جل وعلا من أجل الفهم الكلي لكتاب الله تعالى، إلا أن هذا الفهم الكلي الغائب عن الجابري – لعدم القدرة على الإدراك الكلي لأسباب موضوعية وهي كون الجابري بعيدا عن العلوم الشرعية – جعله يتهم الرازي بالزيادة في كتاب الله تعالى. فعلق الجابري على كلام الرازي بقوله: » لا مفر من القول إن الرازي يقترح الزيادة في لفظ القرآن حتى يصير إلى ما عليه مذهبه. وهذه الزيادة غير جائزة وغير مستقيمة… « [12].

والفرق بين الجابري وبين علماء الإسلام هو أن علماء الإسلام يقيدون المطلق بدليل شرعي، أما الجابري فإنه يقول على الله بغير علم، فقط يفترض ويخمن ثم يطرح فكره – الغريب في كثير من الأحيان عن المنطق الشرعي – وكأنه الحق الذي لا يُقبل غيره. ففي قوله تعالى:”أَوَمَنْ يَّنشَأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ  [13]” يذهب الجابري إلى أن الفهم السليم لهذه الآية لا يتم إلا بالزيادة في كلام الله تعالى، قال الجابري : »وتتضح الصورة أكثر لو وضعنا قبل ” أَوَمَنْ يَّنشَأُ… ” كلمة : قائل ” أَوَمَنْ يَّنشَأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ”   « [14]. فالجابري يزيد في كلام الله بكل جرأة ليفرض فهما لا تقبله اللغة أو الشريعة أو المنطق، بينما يتهم علماء الإسلام بتهم ليس لها أساس سوى القصور المطبق في الإدراك الكلي للحقائق الشرعية.

لقد حاول الجابري – كعادته – أن يقرر فهمه لمسألة خلق حواء باعتماد منهج التخمين والافتراض والاتهام والإضافة إلى كلام الله تعالى ما ليس منه، كما رأينا آنفا، وهنا نقف على كلام آخر للجابري يسعى لتقرير فهمه بمنهج آخر، هو منهج القرآن يشهد بعضه لبعض. وقد قلنا سابقا بأن الجابري يخطئ في فهم القواعد التي وضعها العلماء ويسيء تنزيلها، وهذا نموذج آخر يدلل على ما قلناه آنفا، يقول الجابري : »أما قوله تعالى :” خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ” فلا شيء فيه يفهم منه أنه خلقها من ” ضلع آدم ” : والأقرب إلى الفهم الصحيح للقرآن ) الفهم الذي يعتمد مبدأ القرآن يفسر بعضه بعضا ( هو أن نقول : المقصود ب” النفس ” هنا هو النوع، كما فهمنا قوله تعالى في سورة النحل :” واللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنَ اَنفُسِكُمُ أَزْوَاجًا [15]” أي جعل لكم من نوعكم الإنساني أزواجا. وبالتالي فمعنى ” خلق منها زوجها ” ) أي خلق زوجها من نفس نوعها ( وهو كقوله تعالى :” إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنَ اَنفُسِهِمْ [16]” وقوله :” لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنَ اَنفُسِكُمْ [17]” أي بشر مثلكم من نوعكم الآدمي الإنساني، والنوع الإنساني هو ما يطلق عليه القرآن ” بني آدم “، فكما خلق آدم من تراب فواجب أن تخلق حواء أيضا من تراب، لأنها نوع واحد ” نفس واحدة ” « [18].

هكذا نلاحظ أن الجابري ينتقل من محاولة الفهم إلى القول بالوجوب، في زعمه أنه كما خلق آدم من تراب فواجب أن تخلق حواء أيضا من تراب، فمن أين له بهذا ؟.

إن منهج الجابري في تفسير القرآن بالقرآن لا علاقة له بما أثله علماؤنا رحمهم الله تعالى، بل هو أقرب إلى نوع من الإسقاطات البعيدة والمتعسفة، بحمل آيات تتعلق ببدء الخلق على آيات تتعلق بتطور هذا الخلق واستمراره، وأسوأ منها استشهاده بآية التوبة، لأنها في قراءة أخرى جاءت بلفظ من أنفَسكم ثم إن ” من ” هنا بيانية وهناك تبعيضية وشتان بينهما.

 

[1] سورة الأعراف ، الآية 11 .

مقالات أخرى للكاتب
1 من 23

[2] سورة الحجر ، الآية 28 – 30 .

[3] سورة النساء ، الآية 1 .

[4] الأعراف ، الآية 189 .

[5] التحرير والتنوير .

[6] تفسير ابن كثير .

[7] رواه البخاري ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ، حديث : 3168 .

[8] فهم القرآن القسم الأول ، ص 240 .

[9] نفس المرجع والصفحة .

[10] سورة الشورى ، الآية 51 .

[11] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 126 .

[12] نفس المرجع والصفحة .

[13] الزخرف ، الآية 18 .

[14] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 133 .

[15] سورة النحل ، الآية 72 .

[16] سورة آل عمران ، الآية 164 .

[17] سورة التوبة ، الآية 128 .

[18] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 201 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.