منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

آثار منهج الجابري في الفهم، على تناوله لبعض المسائل الشرعية (2) -موقف الجابري من عقوبة المرتد-

0
اشترك في النشرة البريدية

لقد ارتفع الضجيج الإعلامي في هذه الأيام حول فتوى[1] للمجلس العلمي الأعلى تقول بأن حكم المرتد القتل، من لدن الحداثيين، بحجة أن هذا يتعارض مع كونية حقوق الإنسان التي تنص على حرية الاعتقاد، وهو ما وضع بعض الإسلاميين في حرج شديد دفعهم للبحث عن مخرج ما، فمنهم من راح يؤول الحكم الشرعي المستقر منذ زمان، ويصرح بأن المرتد لا يقتل إلا إذا اقترن ارتداده بخيانة عظمى للدولة التي ينتمي إليها، وهو أمر مقرر في جميع الدول تقريبا.

هذه الضجة الإعلامية التي يقيمها الهواة، يسندها محترفون، يزعمون أنه ليس هناك دليل في القرآن الكريم على أن حكم المرتد هو القتل، وهذا هو الذي فعله الجابري، ففي تعليقه على قول الله تعالى :” وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنَ اَزْوَاجِكُمُ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَئَاتُوا الذِينَ ذَهَبَتَ اَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي أَنتُم بِهِ مُومِنُونَ [2]” قال الجابري : » ويبدو أن هذه الظاهرة قد تنامت بعد الهجرة : رجال ينتقلون من مكة بعد إسلامهم إلى المدينة، ويتركون زوجاتهم اللائي لم يسلمن في مكة، ونساء يفعلن الشيء نفسه : يفدن على المدينة ليبايعن الرسول ويتركن أزواجهن في مكة، إضافة إلى رجال أو نساء مسلمين ومسلمات يعودون إلى مكة من المدينة، مع بقائهم على الإسلام أو الردة…لقد بينت هذه الفقرة كيفية معالجة هذه الظاهرة، فلم تحكم بالقتل على المرتدين والمرتدات « [3].

وقد أورد الجابري هنا مجموعة من المغالطات وكأنها حقائق لا تحتمل الشك، أما قوله بأن هناك رجالا ينتقلون من مكة بعد إسلامهم إلى المدينة، ويتركون زوجاتهم اللائي لم يسلمن في مكة، ونساء يفعلن الشيء نفسه : يفدن على المدينة ليبايعن الرسول ويتركن أزواجهن في مكة فحقيقة تاريخية ثابتة، والآية إنما نزلت لتعالج مشكلة أن الرسول صلى الله التزم للمشركين في صلح الحديبية بأن يرد إليهم من جاءه منهم مسلما، فلما جاءه النساء مسلمات صعب تنفيذ الأمر، مع العلم أن البند المذكور في صلح الحديبية لم ينص صراحة على دخول النساء فيه، فكان حكم الله – في النساء – أن يرد المسلمون للمشركين الصداق الذي أعطوه للنساء اللائي التحقن بالمسلمين، فعن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بأسفل الحديبية، حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاءه النساء نزلت هذه الآية، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى زوجها، وقال: ” وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ” وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: وإنما حكم الله بينهم بذلك، لأجل ما كان بينهم وبينه من العهد « [4].

أما زعم الجابري بأن هناك رجالا أو نساء مسلمين ومسلمات يعودون إلى مكة من المدينة، مع بقائهم على الإسلام أو الردة فالآية عندما تحدثت على أمر النساء بالخصوص تحدثت عنه بصيغة أقرب إلى الافتراض، يدل على ذلك قوله تعالى ” وإن ” وقد فطن المفسرون إلى هذا الأمر فجاء تفسيرهم لها أيضا بصيغة الفرض والتنزل، ودون ذكر أي شواهد على ذلك، لأنها لا تكاد توجد، قال ابن كثير رحمه الله تعالى : » فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأةٌ من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رَدّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العَقب الذي بأيديهم، الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرنَ، ثم ردوا إلى المشركين فضلا إن كان بقي لهم «[5] .

وهناك أمر آخر هنا يجب التنبه له وهو أن الآية تتحدث عن احتمال هروب بعض النساء إلى الكفار ” وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنَ اَزْوَاجِكُمُ إِلَى الْكُفَّارِ “، فكيف تصدر الآية حكما عن شخص رجلا كان أو امرأة فر من المسلمين إلى الكفار، وأصبح منهم، يعامل بما يعملون به، بينما الحديث هنا عمن يزعم أن الكفر والارتداد حق من حقوقه يفعله متى شاء، مع حقه في الاحتفاظ بكل الامتيازات التي يتمتع بها في بلاد المسلمين.

المزيد من المشاركات
1 من 61

هناك آية أخرى وقف عندها الجابري ليردد كلامه السابق بأنه لا يوجد في القرآن حكم يوجب قتل المرتد، هي قوله تعالى :  ” وَمَنْ يَّرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئكَ حَبِطَتَ اَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنيَا وَالاَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [6]“، والجابري يحتج بهذه الآية لأنها لم تذكر عقوبة دنيوية محددة، وإنما توعدت المرتد بحبوط عمله وبالعقوبة الأخروية، وفي ذلك يقول الجابري : » واضح أن هذه الآية لا تنص على أية عقوبة دنيوية لمن ارتدوا عن الإسلام، وإنما تؤكد أن ما قاموا به من أعمال صالحة حين إسلامهم ستصبح باطلة بعد كفرهم، ولا يكون عليها ثواب في الدنيا ولا في الآخرة، وأن مصيرهم جهنم يوم القيامة « [7]. وبعد هذا الذي ذكرناه عن الجابري من نفيه لوجود أي دليل في القرآن على أن حكم المرتد القتل. يرد علينا السؤال التالي : من أين جاء العلماء بهذا الحكم؟.

لقد حرم الله عز وجل قتل النفس البشرية وإزهاق الأرواح الآدمية إلا بالحق، وجعل ذلك صفة راسخة من صفات عباده المؤمنين قال تعالى :” وَالذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا _اخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا [8]“، وهذا الحق الذي به تزهق النفس البشرية يحتاج إلى بيان، والبيان جاء به الشرع، مرة صريحا واضحا في القرآن الكريم كقوله تعالى :” فإِذَا انسَلَخَ الاَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [9]“، وقوله تعالى :” يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىا بِالاُنثَىا فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنَ اَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعُم بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ اِلَيْهِ بِإحْسَانٍ ذَالِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اِعْتَدَىا بَعْدَ ذَالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ اَلِيمٌ [10]“، وقوله تعالى :” إِنَّمَا جَزَآؤُاْ الذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا اَنْ يُّقَتَّلُواْ أَو يُصَلَّبُواْ أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ اَو يُنفَوْاْ مِنَ الاَرْضِ ذَالِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الاَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [11]“.

ومرة مستنبطا من كتاب الله تعالى، كما روى ابن أبي حاتم من طريق جابر المعلى، عن عامر الشّعْبي، عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: » يستتاب المرتد، ثلاثًا، ثم تلا هذه الآية: ” إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا”«[12] ، وبهذا أخذ المالكية – رحمهم الله تعالى – كما قال ابن أبي زيد القيرواني في رسالته : » ويقتل من ارتد إلا أن يتوب ويؤخر للتوبة ثلاثا وكذلك المرأة« [13].

ومرة يأتي هذا البيان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضحا كافيا شافيا لمن سلمت نيته وصح قصده، فعن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا يحل دم امرئ مسلم ، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والمارق من الدين التارك للجماعة [14]“. وقد بين هذا الحديث النفوس التي يجوز أن تقتل بحق على سبيل الحصر، ولذلك فسر به القرطبي رحمه الله تعالى الآية الواردة في سورة الفرقان في قوله تعالى : » ” إِلاَّ بِالْحَقِّ ” أي بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان… « [15].

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا يحل دم امرئ مسلم ، إلا رجل قتل فقتل ، أو رجل زنى بعدما أحصن ، أو رجل ارتد بعد إسلامه[16]“، وفي لفظ ” لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، أو رجل قتل رجلا متعمدا فيقتل ، أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله عز وجل ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض [17]“. وقد ذهب الشوكاني رحمه الله تعالى إلى » أن الردة من موجبات قتل المرتد بأي نوع من أنواع الكفر كانت، والمراد بمفارقة الجماعة مفارقة جماعة الإسلام، ولا يكون ذلك إلا بالكفر « [18]. وقد نقل ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى الإجماع على قتل المرتد، فقد قال في تعليقه على الحديث الأول الذي ذكرناه آنفا : »وهؤلاء الثلاثة مباحو الدم بالنص. وقوله عليه السلام ” يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ” كالتفسير لقوله ” مسلم ” وكذلك ” المفارق للجماعة ” كالتفسير لقوله ” التارك لدينه ” والمراد بالجماعة : جماعة المسلمين، وإنما فراقهم بالردة عن الدين، وهو سبب لإباحة دمه بالإجماع في حق الرجل، واختلف الفقهاء في المرأة : هل تقتل بالردة، أم لا؟ ومذهب أبي حنيفة : لا تقتل، ومذهب غيره : تقتل « [19].

وبهذا يتضح بطلان ما ذهب إليه الجابري بسبب منهجه البعيد عن فهم أئمة المسلمين، كما أنه قد صار مخالفا بقوله هذا للكتاب والسنة والإجماع.

[1] في الحقيقة هذه ليست فتوى وإنما إخبار بحكم شرعي مستقر منذ زمان .

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

[2] سورة الممتحنة ، الآية 11 .

[3] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 208 .

[4] تفسير ابن كثير .

[5] نفس المرجع .

[6] سورة البقرة ، الآية 217 .

[7] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 72 .

[8] سورة الفرقان ، الآية 68 .

[9] سورة التوبة ، الآية 5 .

[10] سورة البقرة ، الآية 178 .

[11] المائدة ، الآية 33 .

[12] تفسير ابن كثير .

[13] حاشية العدوي على أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد القيرواني دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت سنة 2003 ج 2 ص 315 .

[14] رواه البخاري ، كتاب الديات ، باب قوله تعالى : أن النفس بالنفس…حديث : 6498 .

[15]الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي .

[16] رواه أحمد ، مسند الأنصار ، حديث : 25253 .

[17] رواه النسائي ، كتاب تحريم الدم ، حديث : 4001 .

[18] نيل الأوطار مجلد 4 ج 7 ص 137 – 138 .

[19]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد تحقيق أحمد محمد شاكر دار الجيل بيروت الطبعة الثانية سنة 1995 ص 601 .

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.