منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ديالكتيكية الأمن في المنظور الإسلامي والاجتماعي:

0

مقدمة:

يعد الأمن من النعم العظيمة التي يمن بها الله تعالى على عباده وأقوامه، واختلال الأمن اختلال في كيان المجتمع وزعزعة في استقراره، والإسلام قد دعا إلى الأمن والسلام وحرم كل باعث يبعث الخوف وعدم الاستقرار ..

 إن الغرض من هذه الدراسة الوقوف عند معنى الأمن والخوف والجدلية الواقعة بين الأمن والخوف من منظور الشرع الإسلامي والعقد الاجتماعي، وسيتم تقسيم هذا البحث إلى محورين جوهريين؛ الأول في معنى الأمن والخوف، والثاني في الجدلية الواقعة بينهما.

المحور الأول: مفهوم الأمن والخوف والعلاقة القائمة بينهما:

المزيد من المشاركات
1 من 68

الأمن مأخوذ من أمن أمنا ومصدره الأمانة والأمان وضده الخوف، وقد عرف الراغب في مفرداته الأمن بأنه طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن في سياق النظام يقصد به قدرة المجتمعات والدول على الحفاظ على كيانها المستقل، وتماسكها القوي ضد قوى التغيير التي تعتبرها معادية[1].

وقد يتخذ مفهوم الأمن أبعادا عدة (سياسي، اقتصادي، قومي، اجتماعي، بيئي…( ومنه فالأمن هو الطمأنينة والاطمئنان بعدم توقع مكروه في الزمن الحاضر أو المستقبل، وضده الخوف؛ والخوف لغة هو الفزع ومنه خاف يخاف خيفة وخوفا، وقد يطلق أيضا على الذعر، قال الجرجاني “الخوف توقع حلول مكروه أو فوات محبوب” [2]، ومنه فالخوف غريزةٌ فطرت عليها النفوس البشرية وضده عدم حصول الاطمئنان.


وحاصل التعريف أن الأمن يراد به الاطمئنان وانتفاء الخوف، إذ أن الأمن لا يتحقق إلا مع زوال أسباب الخوف ، وهو من مطالب الحياة وشمولية له، ولا يقتصر الأمن على أمن حياة الفرد فقط بل يتعداه إلى ما هو أشمل، إذ يحتاج إلى أمن عقيدته وهويته الفكرية والثقافية والأمن على مختلف موارد حياته، والمجتمع بدوره يحتاج إلى الحفاظ على أمنه الداخلي والخارجي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي بعيدا عن أي خوف أو اضطراب يحل بزعزعة كيان المجتمع وأطرافه، والأمن لا يتحقق إلا بأمرين اثنين هما: تطبيق شرع الله تعالى مع السمع والطاعة لولاة الأمر.

المحور الثاني : ديالكتيكية الأمن والخوف :

القرآن فيه من المواعظ والقصص ما لا يعد ولا يحصى، وفيه من الإشارات والقصص ما وقع للأمم السابقة والذي نعيشه في حاضرنا هذا، خاصة ما تعانيه البلدان العربية من تراجع أمنها، وقد ورد لفظ الأمن وما يشتق منها في القرآن الكريم في مواضع عديدة، وذلك بالمعنى الذي نحن بصدده، بمعنى الاطمئنان وانتفاء الخوف والفزع على حياة الإنسان أو على ما يشمل أمنه وأمن مجتمعه قال تعالى: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾[3].
إن مسؤولية الأمن مسؤولية الجميع لا تقتصر على فئة أو على فرد معين، مسؤولية الأمن تبدأ من الفرد لأنه السبيل إلى وحدة الشخص وأمنه بينما الخوف هو سبيل إلى تشتيت الفكر وعدم حصول التآلف بين الأفراد، وإذا كانت الحضارات الأخرى قد أرست مقومات الأمن الاجتماعي في إطار حقوق الإنسان فإن الإسلام قد رفعها إلى درجة الضروريات التي لا يجوز أن يتنازل عنها  واعتبر من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت من أجل الحفاظ عليها إذ يقول علماء الشريعة أن تكاليف الشريعة الإسلامية ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق؛ المقاصد الضرورية والمقاصد الحاجية والمقاصد التحسينية، يقول الشاطبي “…فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي الدين، النفس، النسل، المال والعقل” وزاد مؤكدا على أن علمها عند الأمة ضروري .. وهذه المقاصد هي الباب الأوسع لضمان وحفظ الأمن[4].

ويقول الله تعالى ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾[5]

والقرية اسم للبلد الذي يكون قِرة لمن يمر –بلد الاستقرار- والقرية اسم لمكان ولكن إذا حدث عنها يحدث عن المكين فيها، والقرية المراد ذكرها في هذا الموضع عند جمهور المفسرين هي مكة، آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان لوجود الأمن فيها، لكنها حين غيرت من أحوالها وتنكرت لقضية الأمن عوضها الله وغير الله ذلك كله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، قال القرطبي في تفسيره “لباس الجوع والخوف سماه لباسا لأنه يظهر عليهم من الهزال وشحوبة اللون وسوء الحال ما هو كاللباس، بما كانوا يصنعون أي من الكفر والمعاصي “. ويقول الدكتور مصطفى بن حمزة ” الفقهاء يقفون عن لباس الخوف والجوع، أي هما كما يلبس الإنسان رداء وإزارا، ولباس الإنسان كما هو مكون أساسا من قطعتين: رداء وإزارا، فكذلك جعل الله الخوف والجوع كأنهما يحفان بهما الإنسان ويحيطان به، ولكن الله قال أذاقهما ولم يقل ألبسهما .. واللباس لا يذاق وإنما ليشير أن هنالك شيئا آخر، إذا كان هذا الأمر المعبر به هو الرداء، لكن هذا الأمر أكبر من الرداء لأنه أمر داخلي يذاق، والذوق هو التألم والإحساس بالألم والحسرة جراء إحاطة الخوف والجوع، لأن هنالك خوف وجوع وألم داخلي ..”[6]، ومنه قول الطبري في تفسيره فأذاقها الله لباس الجوع والخوف أي أن الله أذاق الله أهل هذه القرية لباس الجوع ، وذلك جوع خالط أذاه أجسامهم ، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لمخالطته بأجسامهم بمنزلة اللباس لها . وذلك أنهم سلط عليهم الجوع سنين متوالية بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أكلوا العلهز والجيف [7].

وإذا ما انتقلنا إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وجدناها زاخرة بالحديث عن نعمة الأمن والأمان، فقد أولها النبي صلى الله عليه وسلم من الرعاية والعناية ما يليق بها إذ أن كل مسلم مطالب بأن يكون على قدر كبير من اليقظة والحذر، فالمؤمن كفا به أن يكون أهلا للمسؤولية المنوطة له، ويؤدي دوره في الحياة وفق منهج دقيق منظم، وهذا يتطلب منه إحكام أعماله، وضبط تصرفاته، توخيا لدفع كيد أعدائه، والحس المني لابد منه لكل فرد من أفراد المة، في كل أمر من أمور حياته، الخاصة منها والعامة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن لكل ذي نعمةٍ محسود  (( هذا من الناحية الشخصية المادية للفرد الذي هو مطلوب، ومأمور به، فكيف بالحوائج العامة المتعلقة بمصير الأمة التي هي من باب أولى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنَّما حيزت له الدنيا (( [8]وغيرها من الأحاديث دال عن ذلك فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((لا يحل لمسلمٍ أن يروع مسلماً(([9]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنَّه لا يدري أحدكم لعلَّ الشيطان ينزغ في يديه فيقع في حفرة من النار(([10].

وإذا اتجهنا منحى العقد الاجتماعي عند توماس هوبز، فقيام السلطة الحاكمة أو الدولة بحاجة إلى الأمن والسلام والحياة الطيية، بينما عند لوك هي الحاجة للمحافظة على الحياة والحرية والملكية، وهي حقوق مهددة بالتعدي والاستمتاع بها في حالة الطبيعة غير مؤكد[11]، ويعتبر الأمن هو العمود الفقري في سياسة أي دولة وهو مبرر وجود الدولة ككيان سياسي، ويعتقد أنه المهمة الأولى للدولة، أي تحقيق الأمن والخروج من حالة الفوضى وشريعة الغاب كما أشار إلى ذلك هوبز وجون لوك وروسو  وغيرهم فهو محور العقد الاجتماعي في الفكر السياسي التقليدي[12].

خاتمة:

إن إرساء قيم الأمن ونبذ الخوف وعدم الاستقرار من أجل الصعوبات في هذا العصر وذلك راجع إلى اعتبارات عدة ولعل أهمها طبيعة وخصوصية كل عصر وما واجبنا اليوم تجاه الأمن كأمة مسلمة أن نتحد في تحقيقه وإرساءه  فهو مسؤولية الجميع لا مسؤولية الفرد فقط وما يدل عن ذلك ما اتفقت عنه الأمم بما فيه من نهي عن المنكر وأمر بالمعروف وتعاون عن البر والتقوى وبما فيه كذلك من تحقيق لحفظ الضروريات الخمس، وتحقيقا للمصلحة العامة الداعية إلى جلب المصالح ودرء المفاسد وحفظا لمبدإ السمع والطاعة، وانعدام الأمن له آثار خطيرة على الفرد والمجتمع ففي ظل انعدامه تخلف وتقادم للمجتمع وتفرق لأفراده وتشتت لمجتمعه وهجر للوطن وفساد في الأرض واضطراب للعلاقات وإعاقة لتقدم المجتمع في مختلف مستوياته ومجالاته.

المراجع :

  1. الآية 81-82 من سورة الأنعام.
  2. الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية 1414هـ/1994م ج2، ص 38.
  3. سورة النحل، الآية 112.
  4. الآية 81-82 من سورة الأنعام.
  5. الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية 1414هـ/1994م ج2، ص 38.
  6. سورة النحل، الآية 112.

  • [1] تفسير الطبري، ج4 ص 310.
  • روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عبيد الله بن محصن الخطمي برقم (2346)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/274) برقم (1913).
  • رواه أبو داود (رقم/5004)
  • رواه البخاري واللفظ له ومسلم.

12.                 المجتمع المدنى عند توماس هوبز وجون لوك، تأليف الدكتورة فريال حسن خليفة، مكتبة مدبولى.

13.                 الإستراتيجية والدبلوماسية والبروتوكول بين الإسلام والمجتمع الحديث، تأليف محمد نعمان جلال، نشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص 93.


[1] باري بوزان، أحد أبرز المختصين في الدراسات الأمنية.

[2] التعريفات علي بن محمد بن علي الجرجاني، 1/ 137، دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ، تحقيق: إبراهيم الأبياري.

[3] الآية 81-82 من سورة الأنعام.

[4] الموافقات في أصول الشريعة للشاطبي، تحقيق عبد الله دراز، دار الكتب العلمية 1414هـ/1994م ج2، ص 38.

[5] سورة النحل، الآية 112.

[6] من محاضرة الدكتور مصطفى بن حمزة بميسور ” قضايا السلام والتنمية عند علماء المغرب” المنشورة بتاريخ 24 نونبر 2017 / https://www.youtube.com/watch?v=Orisbj-TcbQ

[7] تفسير الطبري، ج4 ص 310.

قال أبوجعفر: والعهلز الوبر يعجن بالدم والقراد يأكلونه .

[8] روى الإمام الترمذي في سننه من حديث عبيد الله بن محصن الخطمي برقم (2346)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/274) برقم (1913)

[9] رواه أبو داود (رقم/5004)

[10] رواه البخاري واللفظ له ومسلم.

[11]المجتمع المدنى عند توماس هوبز وجون لوك، تأليف الدكتورة فريال حسن خليفة، مكتبة مدبولى.

[12] الاستراتيجية والدبلوماسية والبروتوكول بين الإسلام والمجتمع الحديث، تأليف محمد نعمان جلال، نشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص 93.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.