منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معيقات الحرية في المشروع الحضاري عند مالك بن نبي: أزمة النخبة السياسية في العالم الإسلامي (2)

اشترك في النشرة البريدية

   أولا: النخبة السياسية في العالم الإسلامي وأزمة الثقة:

تعاني النخبة السياسية في العالم الإسلامي أزمة فكرية وأزمة تنظيمية وبنيوية، فهي غير قادرة على تأطير الجماهير لكون فكرها لا يستجيب لمتطلبات المرحلة، ولا يحقق آمال الشباب وطموحاته وتطلعاته في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

ولا تستطيع هذه النخب الحزبية أن تخلق توازنا بين السلط: التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، ولا أن تنهج طريقا لمحاربة الفساد والاستبداد.

فمهما حاولت النخبة السياسية السير على درب الاصلاح والتغيير لكنها سرعان ما يتم احتواؤها وإغراؤها بالمال والسلطة.

ومطالب الحرية وبناء الديمقراطية والدولة المدنية عبء ثقيل على الشعوب المسلمة، خاصة في ظل غياب قيادة ونخبة حكيمة وراشدة تستطيع تحمل مسؤولية التغيير ومسؤوليات المستقبل.

المزيد من المشاركات
1 من 54

يقول مالك بن نبي:” الحرية عبء ثقيل على الشعوب التي لم تحضرها نخبتها لتحمل مسؤوليات استقلالها “[1]

يقول مالك بن نبي عن أزمة النخبة الافريقية في مؤتمر باندونغ:

” ومن المؤكد، نستطيع أن نذكر هنا، ما لدى الإمبريالية من نوايا ميكيافيلية، ومناورات شيطانية. ولكن أهذا كل شيء؟ ألا يجب أن نذكر كذلك مسؤوليتنا نحن؟ في الواقع يعود تاريخ قشرة الموز إلى زمن بعيد. إن المستوى الذي هيأ الاستعمار عليه الانشقاق الإفريقي هو مستوى الأفكار. إذ تم العمل بادئ الأمر على الصعيد الفكري. وفصل رجال النخبة الإفريقية بعضها عن البعض الآخر… لقد انسحبت النخبة الإفريقية في هذه اللعبة “.[2]

وأمام فشل مؤتمر باندونغ، وتصاعد الصراع الفكري والإيديولوجي حول الهوية بين النخبة الافريقية، أدى ذلك إلى ضياع الوحدة الإفريقية ووأد الديمقراطية والدولة المدنية في العالم الثالث. هذا الانشطار في الفكر والنخبة نتج عنه الفشل والتخلف في كل ميادين الحياة المختلفة: سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا وحضاريا.

إن غياب الثقة والمشروع المجتمعي للنخبة السياسية في الوطن العربي وعدم التداول السلمي للسلطة، شكل عزوف الشباب عن السياسة وعن المشهد الحزبي والسياسي، وبالتالي لجأ إلى التعبير السلمي عن غضبه إزاء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية.

وأمام هذه الأسباب كلها تشكلت حركات شبابية احتجاجية رفعت مطالب اجتماعية، لكن العنف الذي سلط عليها من طرف بعض الأنظمة، جعلها ترفع سقفها إلى مطالب سياسية تجسدت في: إسقاط الفساد والاستبداد، وتحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. هذه المطالب التي وحدت صفوف الشباب وقادة النخب السياسية.

ولكن بعدما تنحى بعض الرؤساء عن الحكم تحت الضغط الشعبي، اختلف الفرقاء السياسيين في كيفية بناء الدولة المدنية الديمقراطية ، فبدأ التساؤل حول: الدستور أولا (نهج مختلف النخب اليسارية) أم الانتخابات أولا (نهج الحركة الاسلامية) وما لم يدركه فرقاء الميدان أن الثورة لم تبدأ بعد حتى يتم المسارعة إلى مائدة العسكر لاقتسام الكعكة والغنيمة، وحينها ارتضى الطرفان أن يكون العسكر حكما بينهما لغياب الثقة التي تحدثنا عنها، وبروز الصراع الفكري من جديد.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

وبعد أن فازت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية والمحسوبة على الحركة الإسلامية بالانتخابات ، وقفت ضدهم الدولة العميقة وأبت أن تسلم لهم مقاليد السلطة لإدارة الحكم، بل سعت إلى إفشالهم وتشويههم واتهامهم بأسلمة / أخونة الدولة والمجتمع.

وبهذه المخاوف و الاستقطاب الثنائي ظهر الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، والذي لعب على وتره العسكر واستغله للعودة من جديد إلى الحكم والسلطة، وذلك بعد أن باركت معظم الأحزاب العلمانية واليسارية واللبرالية تأييد الانقلابات العسكرية والإطاحة بالتجربة الديمقراطية الوليدة في الوطن العربي.

ومن تجليات أزمة النخبة السياسية وانعكاساتها السلبية في العالم الإسلامي ما يلي :

  • غياب النقد الذاتي والموضوعي بين قادة النخبة السياسية وقواعدها.
  • عدم احترام الآليات الديمقراطية في صناعة القرار.
  • المحسوبية الحزبية وغياب الشفافية في إدارة وتدبير العمل السياسي.
  • غياب الضمير الوطني، والسعي لتنفيذ املاءات وسياسات خارجية بهدف الحصول على مكاسب مادية وشخصية.
  • أن أزمة النخبة السياسية في الوطن العربي كرست عزوف الشباب عن العمل السياسي، وبالتالي تعطيل الطاقات الإبداعية لدى الشباب.
  • عودة الثورة المضادة ورموزها.
  • أن بعض النخب السياسية استغل الطائفية والقومية الثقافية لتفريق الثوار، والزج بالوطن في حروب أهلية، كما هو الشأن في سوريا واليمن وليبيا والعراق..
  • أن هذه النخبة قد أفرزت أجيالا من الشباب الذين يقفون حول ما يجري في أوطانهم، موقف الحياد والمشاهد السلبي من كل شيء حتى ولو تبين لهم الحق من الباطل، ولسان حالهم يقول:( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون).
  • فشل النخبة السياسية في إدارة المرحلة الانتقالية بعد الربيع الديمقراطي نتج عنه: الانزلاق إلى معترك العنف، وكثرة الاعتقالات وقتل الأبرياء والاعتداء على الأموال والأعراض وعلى الحرمات و الحريات والمقدسات…

إن بناء الثقة بين النخب السياسية وضرورة الإيمان بمبدأ الحوار وعدم إقصاء الآخر، وصياغة مشروع مجتمعي واضح المعالم تشارك فيه كل القوى السياسية، هو السبيل الأمثل لتحقيق النهضة الحضارية والنماء والرفاهية والسعادة للإنسانية.

 ثانيا: النخبة في العالم الإسلامي وأزمة الشرعية:

من تجليات أزمة الشرعية لدى النخبة في الوطن العربي هيمنة النظام السياسي للدولة المركزية على مختلف النخب السياسية في المجتمع، فهذه القوى الاجتماعية راهنت على إصلاح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وإحداث النهضة والتنمية الشاملة من داخل مؤسسات الدولة، إلا أن النظام السياسي في الدولة همش دور هذه النخب، ومارس العنف والسلطوية عليها، بل تغولت الأجهزة الأمنية والعسكرية فصادرت الإبداع والحرية والإرادة والقيم الاجتماعية. مما نتج عن ذلك أزمة الشرعية سواء في النخبة السياسية أو النظام السياسي القائم. أضف إلى ذلك أن معظم هذه النخب السياسية قامت بمحاكاة للنظم السياسية الغربية وحاولت تنزيلها في المجتمع، وهذه الازدواجية خلقت نوعا من التناقض وعدم التجانس بين مرجعيتها الفكرية ومتطلبات المجتمع. كما ساهم ذلك في تصاعد الأزمة وتفكك الروابط الاجتماعية بين النظام السياسي والمجتمع.

وينتقد مالك بن نبي سلوك النخبة السياسية التي في المعارضة ويدعوها إلى تحمل مسؤوليتها في البناء الديمقراطي ونقد الذات والوعي بالذات وبحقوق الآخرين والكف عن التآمر.

يقول مالك بن نبي:” وننسى العارضة التي في أعيننا. إن نقدنا لذاتنا لا يبدأ بوعي الآخر بل بوعي الذات، وليس علينا أن نطلب تحمل مسؤولين بيتنا من الآخرين، بل من أنفسنا، إن الأجنبي – ولو كان مشبوها – لا يستطيع أن يفعل الضرر في بيتنا إلا إذا وجد فيه من يحابيه ويتآمر معه “.[3]

ثالثا: النخبة السياسية في العالم الإسلامي وأزمة الهوية:

تسعى الدولة المركزية لبناء هوية وطنية موحدة بالجبر تارة وبالاختيار تارة أخرى، فأضحى المواطن يعطي انتمائه للدولة المركزية الوطنية، إلا أن الإثنية والعصبية والشعوبية والعرقية والطائفية والدين يخلق أحيانا صداما واضطرابا بين المجتمع والدولة، فيصبح المواطن غير قادر على الاندماج في المؤسسات السياسية والاجتماعية الحديثة، مما ينتج عن ذلك أزمة الهوية في الوطن العربي.

وفي ظل تنامي أزمة النخبة السياسية في العالم الإسلامي نتيجة فقدان الثقة وغياب الشرعية والمشروع المجتمعي، تبقى اشكالات الهوية والصراع الايديولوجي تزيد في تأزيم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

والحل هو التأسيس لميثاق وطني وتعاقد رضائي تكون فيه السيادة للشعب. وتعزيز الاصطفاف والوحدة الوطنية، والتوافق على مشروع وطني، وانتخاب لجنة تأسيسية لصياغة الدستور، وفصل السلط، والتداول السلمي على السلطة.

رابعا: النخبة السياسية وأزمة العدالة الاجتماعية:

إن مطلب العدالة الاجتماعية مطلب تتبناه جميع النخب السياسية في الوكن العربي،

ولذلك رفعت هذه النخب شعارات مختلفة في الربيع الديمقراطي من قبيل:” تغيير- حرية- عدالة اجتماعية – كرامة إنسانية “.

والحاصل أن هذه النخب السياسية ظلت ترفع لعقود من الزمان هذه الشعارات دون أن تحقق منها أي شيء يذكر.

ولذلك فالعدالة الاجتماعية هي الحالة التي ينتفي فيها القهر والظلم والاستغلال والحرمان من الثروة أو السلطة، وهي الحالة التي يغيب فيها والإقصاء والتهميش والفقر والفوارق الطبقية بين الأفراد والجماعات، ويتمتع فيها الناس بحريتهم وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ويعتبر الحق في الحرية من الحقوق الأساسية

للإنسان التي لا تتم العدالة الاجتماعية في غيابه. فلا عدالة اجتماعية بالمعنى الشامل إذا حرم الإنسان من حريته. ومن العدل أن يكون الناس أحرارا.

إن النظام الاقتصادي في الوطن العربي وجد مرتبطا بالإدارة الاستعمارية، فهو تابع للسوق العالمي الرأسمالي، وهو ما جعل الاقتصاديات في الوطن العربي تتصف بالهشاشة والضعف والوهن. ولهذه العوامل تجد الدولة المركزية تسيطر على كل المشاريع التنموية، وتحتكر بذلك وظيفة الإدارة والاقتصاد. وتصبح جميع النخب أداة لتزيين هرم السلطة.

فالنخب التي لا تحقق الديمقراطية مع قواعدها من الصعب جدا أن تكون لبنة في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، ومن الصعب جدا أن تحقق حرية أو عدالة أو تنمية في المجتمع.

يقول مالك بن نبي في نقد نخبة المثقفين:” لقد أحدثت هذه الصدمة، عند قبيل من المثقفين المسلمين، شبه شلل في جهاز حصانتهم الثقافية، حتى أدى بهم مركب النقص أن ولوا مدبرين أمام الزحف الثقافي الغربي، وألقوا أسلحتهم في الميدان، كأنهم فلول جيش منهزم في اللحظة التي بدأ فيها الصراع الفكري يحتدم بين المجتمع الإسلامي والغرب، فأصبح هذا القبيل من المثقفين يبحث عن نجاته في التزي بالزي الغربي، وينتحل في أذواقه وسلوكه كل ما يتسم بالطابع الغربي حتى ولو كان هذا الطابع ليس إلا مظهرا لا شيء وراءه من القيم الحضارية الغربية الحقيقية “.[1]

يقول مالك بن نبي عن النخبة الجزائرية: “ولكن زلة العلماء عام 1936م كان لها أكبر الأثر في عودة البلاد إلى الأفكار الوثنية؛ فقد كان من آثار هذه النكسة تلك الزردة الكبرى التي أقامتها (النخبة) من رجال السياسة في بلدة (سطيف) ، حيث أمسكت بكلتا يديها المبخرة، ثم ألقت فيها العود الأخير من ” الجاوي ” المبارك الذي كان السدنة يعطرون به زواياهم. وما كانت تلك الزردة إلا ابتداء لدروشة جديدة، تذهب معها جهود الاصلاح هباء، وكأنها لم تكن؛ دروشة لا تختلف عن سابقتها إلا بأنها تبيع بدل الحروز والتمائم حروزاً في شكل آخر، هي أوراق الانتخابات، والحقوق السياسية، والأماني السابحة في الخيال”.[2]

وقد كان من آثار فشل النخبة التقهقر والعودة إلى الظلام والانقياد للتقليد الأعمى والدروشة وسيادة الوثنية وأصبحت البلاد تقودها أوثان. يقول مالك بن نبي: ” ولقد بدأنا بالفعل في التقهقر والعودة إلى الظلام؛ وبعثرة الجهود، وتحطيم المساعي والإسراف في إمكانياتنا القليلة التي تتطلب منا صرفها فيما يفيد تقدمنا. وختاماً فإن (الزردة) التي أقامتها (النخبة) من رجال السياسة يوم (سطيف) كانت لصالح الاستعمار. الذي تمكن على إثر تقهقرنا من قتل (المؤتمر) ، وتشتيت العلماء. وأصبحت الحركة الجزائرية منذ ذلك الحين لا ترأسها فكرة بل تقودها أوثان “.[3]

 

 مالك بن نبي، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، دار الارشاد، ط1،1969، ص: 10 [1]

 مالك بن نبي، شروط النهضة، ص: 32[2]

 مالك بن نبي، شروط النهضة، ص: 36[3]

[1]  مالك بن نبي، من أجل التغيير ص: 64

 مالك بن نبي، من أجل التغيير، ص: 81 – 82 [2]

 مالك بن نبي، من أجل التغيير، ص: 23[3]

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.