منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أحكام قيام رمضان في زمن covid-19

د. محمد الناسك

1

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد فرض الله على عباده صيام شهر رمضان بقوله جل وعلا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[1]“، ووصفه بانه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، قال تعالى: ” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[2]“، وفي ذلك إشارة إلى العلاقة الوطيدة بين الصيام والقرآن، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فيشفعان[3]“.

حكم قيام رمضان:

المزيد من المشاركات
1 من 43

إذا كان صيام رمضان فرضا، فإن قيامه سنة نبوية، يشترط فيه ما يشترط في الصيام من التصديق والإخلاص، ويتحقق به ما يتحقق بالصيام من الغفران، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر شهر رمضان فقال: “شهر كتب الله عليكم صيامه، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه[4]“، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من يقم ليلة القدر، إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه[5]“.

كيف كان قيام رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان الصحابة –رضوان الله عليهم- يحرصون على الخير، ويتنافسون فيه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما بأمته، مشفقا عليها، ولذلك امتنع عن القيام بالناس في رمضان مخافة أن يفرض عليهم ولا يطيقونه، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: ” قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان[6]“. فاستمر الأمر على ذلك حتى توفي رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وفي خلافة أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، فعن أبي هريرةقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ” من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه”، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر على ذلك[7]“.

جمع عمر ابن الخطاب الناس على إمام واحد في قيام رمضان:

فلما مضى زمن من خلافة عمر –رضي الله عنه- وقد كان الناس يحرصون على القيام في المسجد جماعات ووحدانا، رأى أمير المؤمنين عمر أن يجمع الناس على إمام واحد، فعن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: ” إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل” ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: ” نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون” يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله[8]“. وكان الناس يقومون بثلاث وعشرين ركعة، فعن يزيد بن رومان أنه قال: ” كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة[9]“.

خصوصية المغاربة في قيام رمضان:

ولعل المغاربة انتبهوا لقول عمر: “والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون”، فأبدعوا شيئا خاصا بهم –فيما أعلم- فقسموا الثلاث والعشرين ركعة إلى قسمين، قسم يفعلونه في أول الليل بعد صلاة العشاء وهو عشر ركعات، وقسم يفعلونه في آخر الليل وهو ثلاث عشرة ركعة، فحققوا بذلك فائدتين عظيمتين:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 25

1– التخفيف على الناس، لأن الهمم ضعفت، وحمل كثير من الناس على ثلاث وعشرين ركعة أصبح عسيرا.

2– إحياء آخر الليل بالقيام فيه كالقيام في أوله، وتحصيل فضيلة وقت السحر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له[10]“.

قيام الناس في بيوتهم:

الأصل في قيام رمضان أن يفعله المرء في بيته، إذا قوي عزمه ولم يكسل، فعن زيد بن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة – قال: حسبت أنه قال من حصير – في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال: ” قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة[11]“.

القراءة من المصحف في القيام:

ألف الناس صلاة التراويح جماعات في المساجد، فلما حل بهم هذا الوباء، ونزل بهم هذا البلاء، وغلقت المساجد، وعطلت الجماعات، وجب التنبيه إلى أهمية قيام رمضان، وتحفيز الناس على صلاة التراويح في بيوتهم، يؤمهم أقرأهم وأحفظهم لكتاب الله، فإن لم يكن فيهم حافظ أمهم من يجيد القراءة من المصحف، تحصيلا لذلك الفضل، وطلبا لذلكم الأجر، فقد كان لعائشة عبد يؤمها من المصحف، فعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: ” أن عائشة كان يؤمها غلامها يقال له ذكوان” قال معمر: قال أيوب: عن ابن أبي مليكة: ” كان يؤم من يدخل عليها إلا أن يدخل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فيصلي بها[12]

فيجمل برب الأسرة أن يجمع أهل بيته في كل الصلوات طلبا لفضل الجماعة، فإذا أتموا صلاة العشاء قاموا لصلاة التراويح، فيصلون ما تيسر لهم، وينامون باكرا على أفضل العزائم حتى لا يفوتهم فضل القيام في آخر الليل، والاستغفار بالأسحار، وفعل سنة تأخير السحور، ثم صلاة الصبح.

عدد ركعات قيام رمضان:

روي عن عائشة أنها قالت ما زاد رسول الله في رمضان ولا في غير على إحدى عشرة ركعة، ورأينا أن عمر عندما جمع الناس على أبي بن كعب كان يصلي بهم ثلاث وعشرين ركعة، وروي أن في الناس في المسجد النبوي ومن ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة المنورة كانوا يصلون تسعا وثلاثين ركعة، ولعل في هذه الروايات المتنوعة إشارة إلى أن الأمر واسع، فلكل أن يصلي حسب وسعه وطاقته، فمن استطاع أيطيل القيام ويقلل عدد الركعات فله ذلك، وكذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن لم يقدر على طول القيام وكثرة القراءة فعليه بكثرة الركوع.

وأختم هذه المقالة بكلام جامع ونفيس لابن أبي زيد القيرواني في رسالته الماتعة، قال –رحمه الله-: “ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام، ومن شاء قام في بيته وهو أحسن لمن قويت نيته وحده، وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون، بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام، ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، وكل ذلك واسع، ويسلم من كل ركعتين، وقالت عائشة رضي الله عنها ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضنا ولا في غير على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر[13]“.


[1]سورة البقرة، الآية 183.

[2]سورة البقرة، الآية 185.

[3]مستدرك الحاكم.

[4]سنن ابن ماجه.

[5]صحيح البخاري.

[6]صحيح البخاري.

[7]صحيح مسلم.

[8]صحيح البخاري.

[9]رواه مالك في الموطأ.

[10]صحيح البخاري.

[11]صحيح البخاري.

[12]مصنف عبد الرزاق.

[13]الرسالة، ابن أبي زيد القيرواني، ص 73.

تعليق 1
  1. احمد باجو يقول

    جزاكم الله أحسن الجزاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.