منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نقاش في فقه التبرع على ضوء جائحة كرونا

د. إبراهيم الهلالي

اشترك في النشرة البريدية

اجتاح فروس كورونا معظم دول العالم، فتهاوى اقتصاد العديد من الدول العظمى قبل غيره، فسجلت البورصات انخفاضا مدويا، وأعلنت البنوك المركزية تخفيض نسب الفائدة إلى أدنى مستوياتها، وتأزمت قطاعات حيوية مثل السياحة والخدمات والنقل الجوي والنفط…. ولمواجهة هذا الوباء تبرع عدد من مشاهير المال والأعمال والرياضة والفن بأموال طائلة.

وفي المغرب استحدث السلطات صندوقا لتدبير ومواجهة فيروس كورونا، وسارعت الجهات الرسمية للإسهام فيه، فأعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان بغرفتيه ومختلف المكاتب الوطنية والقطاع البنكي والمجالس العليا المختلفة….

والتبرع شرعا مندوب وهو غير لازم لكن الشرع حث على فعل الخير ورغب فيه، وهو آكد وقت الشدة والأوبئة والحروب، فالتبرع حالة الوباء باب من أبواب تفريج الكروب وإدخال السرور على النفوس، فالمسلمون مأمورون بالتعاون على البر والتقوى، وحق بعضهم على البعض أن يتواسوا بالمال والنفس كما تواسى سلفهم الصالح، فقد كانت أموال المسلمين تقسم عليهم من بيت مالهم بالأمانة والعدالة، ثم يشيع المال الخاص من الأيدي الرحيمة التي لا تمسك ولا تعرف إمساكا على البائس والفقير. روى ابن سعد عن أم درة قالت: (أُتيت عائشة بمائة ألف ففرقتها وهي صائمة فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري لحما تفطرين عليه؟ قالت لو كنت أذكرتني لفعلت).

في عصر الأنانيات ما أحوجنا أن نتخلق بأخلاق من ينسى فطوره ويعطي بلا حساب.

وفي زمن الأزمة والشدة والجهاد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يتبرعوا بما فضل عنهم. روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (بينما نحن في سفر إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له. فذكر من أصناف المال ما ذكره حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل.)

المزيد من المشاركات
1 من 18

كان الشرع الإسلامي حكيما حين ميز بين الواجب والتطوع في مجال الإنفاق المالي ورغب في العطاء دون مقابل، وتعددت أنواع التبرع فنجم عنها فقه متكامل: فقه التبرعات له أحكاما شرعية تتوخى تحقيق مقاصد الشريعة ومنها ترسيخ روح الأخوة الإسلامية والتربية على الانفاق في سبيل الله والتضامن والتعاون والتكافل بين الناس وتعليم القرآن ونشر العلم وتشييد المساجد.

والتبرع زمن البلاء والوباء آكد وأوجب شريطة أن يوضع في صناديق وأيادي أمينة وقوية وتنفق فيما جمعت له.

وقد أُثير غير ما مرة إلزام أرباب العمل ومسِؤولين حكوميين المستخدمَين والموظفين بالتبرع في مثل هذه الصناديق، ومن ذلك ما نقل عن المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية التي قالت أن الطبقة العمالية ستساهم في صندوق مكافحة كورونا بأجرة ثلاثة أيام تقتطع من المنبع على مدى ثلاثة أشهر.

وهذا الإجراء باطل لا يستند على دليل، فالنقابات وغيرها لا تملك التصرف في أموال المستخدمين والموظفين، فهي تتصرف فيما لا تملك، والمستخدمون والموظفون لم يعبروا عن رغبتهم في التبرع ولا في عدمه فإذن لا ينسب لساكت قول. ومن شروط العقود التبرعية كما هو منصوص في مظانها أن يكون المتبرع مختارا غير مكره وقد عبر عنها بعضهم بقوله: أن يكون العقد صادرا بإرادة حرة من المتبرع ولا يعتري إيجابه للتبرع أي من عيوب الإرادة.

فالتبرع مع الإكراه باطل سواء كان عقد التبرع إنشاء أو إقرارا لان المستكره مسلوب الإرادة ولا نية له ولا قصد له في الفعل. فالإكراه حمل الغير على ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته لو ترك ونفسه، وقد شاع عند السلف أن ما أخذ بسيف الحياء فهو باطل. وقد أفتى أهل العلم ببطلان التبرع مع الإكراه والحياء، ومنهم الفقيه العلامة أحمد بن محمد البعل وقد سئل عن تسليم الأخت لأخيها في الميراث على وجه الطلب والحياء، فأجاب: (إذا كان تسليمها لأخيها على وجه الطلب والرغبة والحياء والحشمة فتسليمها باطل مردود، وإن كان التسليم على وجه المودة والمحبة والرضى من غير حشمة ولا حياء فهو نافذ جائز، وإن لم يدر ما كان من ذلك حمل على عرف البلد.) النوازل الفقهية لمحمد العربي الزرهوني ج 2 ص 539.

فالمتبرعون لم يعطوا المال رغبة وطواعية وإنما أكرهوا على ذلك، ومنذ شهور قليلة أرغمت الحكومة أصحاب الدراجات والسيارات على المساهمة قسرا في صندوق الكوارث الطبيعية، وقد لقي الإجراء استنكارا عارما، وفي ثمانينيات القرن الماضي أرغم المواطنون على المساهمة والتبرع في بناء مسجد الحسن الثاني بالبيضاء.

البذل والتبرع من شعب الإيمان، يتدرب عليها المؤمن ويتربى عليها حتى تصبح سجية وخلقا دائبا، فيصبح عطاؤه

بلا حساب وإنفاقه إنفاق من لا يخشى الفقر، ومجالات التبرع في زمن هذه الجائحة متعدد ومتنوع فاليتامى والأرامل لا تعدمهم في أي حي من أحياء المدينة، وهناك فرصة الجمع بين التبرع وصلة الرحم لذوي القربى، والعمال والمياومون غير المهيكلون في أحد القطاعات…..فليسع المرء إلى المبادرة مع تجديد النية والإخلاص لرب العالمين، وليعلم أن المال لا ينقص بالتبرع والصدقة.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.