منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تشريح ظاهرة المعتقدات والأفكار فرديا وجماعيا: قراءة في كتاب “الآراء والمعتقدات”

0
اشترك في النشرة البريدية

ترجم الكتاب إلى العربية ترجمات عدة، وطبع مرات عديدة آخرها طبعة 2019 بدار الفارابي، ونعتمد في هذا التعريف بالكتاب الطبعة الأولى 2014 الصادرة عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة القاهرة.

ويعد غوستاف لوبون من مفكري فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (1841- 1931م)، طبيب ومؤرخ له كتاب فلسفة التاريخ، ..)، ومهتم بفلسفة الحضارة وقضاياها حيث ألف كتاب: “حضارات الهند”، و”اليهود في تاريخ الحضارات”، و”حضارة العرب”،  ومهتم بالدين وقد ألف فيه كتابه هذا “الآراء والمعتقدات” وواحد من علماء الأنثروبولوجيا، ومن أبرز مفكري الغرب الذين تحدثوا عن الحضارة العربية الإسلامية بإنصاف وأن لها فضلا على الحضارة الأوروبية الحديثة. (كتاب «حضارة العرب” 1884م)، كما برز اهتمامه في الطب النفسي وألف فيه عددا مهما من الدراسات الرائدة (روح الجماعات، والسنن النفسية لتطور الأمم. الآراء والمعتقدات، سيكولوجية الجماهير…). وأخيرا يمكن عد غوستاف لوبون من المفكرين الفرنسيين الموسوعيين الذين تميزوا باستقلال الشخصية وقوة التحليل.

إشكالات الكتاب؟

يظهر بعد قراءة الكتاب أنه يسعى إلى محاولة الإجابة عن إشكالات عديدة منها:

ما طبيعة المعتقدات والأفكار وما خصائصهما؟ وما الذي يميز المعتقد عن المعرفة؟ وما هو المنطق الذي يحكم عالم المعتقدات والأفكار؟ أهو المنطق العقلي أم العاطفي؟ أم منطق الحياة؟ أم منطق الجموع؟ أم المنطق الديني؟ وهل هذه الأنواع من المنطق تتعايش في حياة الفرد أم تتصارع؟ لماذا لا يخضع المعتقد الديني أو السياسي أو الفكري للمنطق العقلي؟ وهل المعتقدات تقبل التدليل العقلي والبرهنة عليها؟ أم لا؟ وإذا لم تكن تقبل التدليل العقلي فلماذا يحاول أهل الاعتقاد تبرير اعتقاداتهم والبرهنة عليها بأدلة عقلية مع أنها لا تقبل ذلك؟ لماذا يتعامل أصحاب الاعتقادات بروح من التعصب والعمل الجماعي؟

 

المزيد من المشاركات
1 من 93

كيف ينشأ المعتقد عند الفرد؟ وما هي عوامل ظهوره؟ أهي عوامل باطنية ذاتية في الفرد أم عوامل خارجية واجتماعية؟ ولماذا تختلف المعتقدات من فرد لآخر، ومن مجتمع لآخر؟ ومن عصر لآخر؟ وكيف يتحول المعتقد الفردي إلى معتقد جماعي عام في الأمة؟ وما طبيعة المعتقدات الجمهورية الجموعية؟ وما العوامل المؤثرة في انتشار المعتقد اجتماعيا وترسخه إلى حد أن يحدد السلوكات والتوجهات العامة ويتحكم في السياسة والفكر والذوق العام …؟

 

وكيف تحيا المعتقدات وتثبت وتقاوم وتتطور؟ وما الأشكال التي تتطور إليها المعتقدات الدينية؟ وهل تحيا المعتقدات من غير نهاية؟ أم أنها تموت كما تموت كل الكائنات؟ وكيف تموت؟

وكيف يظهر التعصب لدى أهل المعتقدات إلى حد التضحية بالنفس؟ وتبرير قتل الآخرين؟ وما هو الأفضل؟ أهو المعتقدات الدينية التوحيدية أم الشركية القائمة على تعدد الاعتقادات في الإله وتعدد الآلهة؟

مضامين الكتاب وأطروحاته

انطلاقا من الإشكالات السابقة يبني غوستاف لوبون عددا من الأطروحات في سياق حجاجي قائم على نقد كثير من الأطروحات الفلسفية والدينية والنفسية والاجتماعية والأنتروبولوجية ومحاججتها لبيان تهافتها وإقامة -بدلا منها- تصوراته الخاصة في هذا المجال.

ومن أهم الأطروحات التي تضمنها الكتاب ودافع عنها لوبون ما يلي:

أولا: القول بأن المعتقد الديني يحكمه المنطق الديني ومنطق العاطفة وليس المنطق العقلي، فالعقل لا يحكم عالم المعتقدات والأفكار وإنما عالم المعارف والعلوم، يقول لوبون: “إن المؤثرات العاطفية والدينية التي هي أساس المعتقد — هي كما قلت غير مرة — تختلف عن سلسلة المعقولات التي تستند إليها المعرفة، فلا فحص ولا تحقيق في أمر المعتقد، وأما في أمر المعرفة فالتدقيق هو القاعدة، وعلى حكمه ينزل كل معترض. ومما تتصف به المعتقدات هو كونها تولد أوهامًا في النفوس، وترغم هذه النفوس على الخضوع لسلطانها، ثم إن الإنسان قد يتخلص من ربقة الظلمة المستبدين، ولكنه يعجز عن التحرر من سيطرة المعتقدات على الدوام” (ص. 186) ويقول أيضا: “المعتقدات تنضج في عالم اللاشعور؛ فلا سلطان للعقل، ولا للإرادة عليها، وهي نتيجة تلقين كالتلقين الذي يأتي به جميع المؤمنين في الوقت الحاضر” (ص. 187)

 

ثانيا أن آراء الأفراد ومعتقداتهم تنشأ لأسباب راجعة إلى عامل العرق والبيئة وعامل الانفعال والمنفعة الشخصية، والعدوى النفسية ووجود المثل الأعلى والأخلاق والاحتياجات.

 

ثالثا مصدر المعتقدات والأفكار نوعان:

-مصدر باطني وذاتي لدى الفرد،

– ومصدر خارجي اجتماعي.

 

رابعا أن المعتقد يختلف من فرد لآخر، ومن جماعة لأخرى، ومن عصر لآخر؛ لأسباب منها: اختلاف الأمزجة النفسية، والاختلاف في تأويل النصوص الدينية؛ يشير لوبون إلى هذه النقطة قائلا: “وسبب الانقسام في المعتقدات هو أن كل امرئ يميل فيها إلى مبادئ تؤثر فيه أكثر من البعض الآخر، وبفعل هذا التأثير يحاول المؤمنون الذين لهم مزاج الرسول أن يقيموا كنيسة صغيرة، فإذا نجحوا في مسعاهم يكونون قد أسسوا فرقة جديدة لا تلبث أن تنتشر بالعدوى النفسية. ومما يعين على انقسام الأديان إلى فرق هو ما في الكتب المقدسة من غموض والتباس، فلهذا الغموض والالتباس يقدر كل عالم لاهوتي على تفسيرها وتأويلها حسبما يرى” (ص. 191).

 

خامسا: أن المعتقد الديني ينشأ ويتطور ويموت، يبدأ فرديا ويتحول إلى قوة جمعية اجتماعية، وسياسية، وتقوى شوكة المعتقد كلما قويت شوكة الإيمان لدى المعتقدين به وكثروا عددا إلى حد أن يصبح المعتقد يلون روح العصر والأمة ويقضي على المعتقدات المخالفة، يقول لوبون: ” إذا كانت المعتقدات متباينة فالقوي منها يقضي على البقية، لهذا السبب استطاع الإسلام أن يهدي -عدا قبائل أفريقيا المتوحشة – أمم الهند العريقة في التمدن” (ص. 190)

 

سادسا أن المعتقد يدب إليه الموت كلما نقص عدد أفراد وضعفت روح الوحدة بينهم، وانقسم الروح العام إلى أرواح صغرى وجماعات متناحرة، وانحرفت أجيال المعتقدين عن الأصل الأول: يقول في هذا الصدد: ” بعد أن يتم النصر للمعتقد، ينقسم إلى فرق ومذاهب لا يحافظ كل منها على غير مبادئ المعتقد الأساسية” (ص. 190).

 

سابعا: أن المعتقدات القائمة الاعتقاد في تعدد الآلهة أفضل من المعتقدات التوحيدية، وأسوق هنا نصا طويلا لكنه مبين في المقام يقول فيه لوبون: ” إذن فإنه كان أوْلى بالشعوب أن تبتدئ حياتها بالإشراك، وإني خلافًا للرأي السائد أقول: إنها تنال خيرًا عميمًا لو بقيت مشركة، فالتوحيد بدلًا من أن يكون سببًا للرقي قد أوجب وقوع حروب كثيرة خضبت الأرض بالدماء، وعاقت الفنون والفلسفة والآداب التي أينعت في العصر اليوناني الوثني عن التقدم.

 

ولا يُعترض علينا بالقول إن التوحيد -مع ما يوجبه من حروب وإحراق بالنار، والإخراج من الديار، والنفي من الأرض- يؤدي إلى وحدة المشاعر أكثر من غيره، فعبادة الوطن قد كفت لمنح الرومان المشركين أيام عظمتهم وحدةً في المشاعر لا يعلو عليها شيء. ولو جارينا كثيرًا من المؤرخين والفلاسفة مثل (رينان) فاعتبرنا التوحيد أفضل من أية عبادة أخرى؛ لكان الإسلام، وهو دين التوحيد الوحيد على وجه التقريب، أفضل الأديان، أقول على وجه التقريب؛ لأن الأديان التي تدعو إلى التوحيد لم تكن في غير الكتب، فلو نظرنا إلى النصرانية مثلًا لرأينا أنها لم تلبث أن أضيف إليها طوائف من الملائكة والقديسين والجن هي بالحقيقة مثل الآلهة الثانوية القديمة في تقديسها وخشيتها، ثم إن تلك الأرباب المتعددة التي تسربت في أديان التوحيد، وانقسام هذه الأديان إلى فروق ومذاهب تثبت لنا أن التوحيد مبدأ نظري لا يناسب احتياجاتنا العاطفية والدينية.” (ص. 193)

 

ثامنا:  أن الأفكار العلمية والسياسية قد تتحول عند أصحابها إلى معتقدات لا تقبل التبرير العقلي، وتؤثر نفسيا وعاطفيا في معتقديها من العلماء والساسة. كما الحال في المذهب الاشتراكي، يقول المؤلف في هذا السياق: ” أطنبت في بعض كتبي السابقة في بيان تطور الاشتراكية على شكل ديني، ولذلك لا أطيل البحث عن هذا التطور هنا، فالاشتراكية لو كان لها إله معين يعبده الناس لتم لها النصر بسرعة، وقد اطلع رسلها على تلك الضرورة بغريزتهم، ولكن لمَّا لم يجرؤوا على مطالبة الشعب بعبادة (كارل ماركس) اليهودي الذي هو حَبْرها النظري ولَّوا وجوههم نحو إلاهة العقل” (ص. 197)

تاسعا:  المعتقد لا يخص المتدين دون سواه بل كل الناس عامة وخاصة يسقطون أسارى المعتقدات ساسة كبارا كانوا أم وعلماء؛ فــ”لا يقدر عالم على الافتخار بأنه خرج من دائرة المعتقد خروجًا أبديًّا، فهو مكره في الحوادث التي لم تُعْرف تمامًا على إيجاد نظريات وفرضيات؛ أي معتقدات لا يسلم الناس بها إلا لما له نفوذ وتأثير.” (ص. 201) ويضيف قائلا: “وبما أن العلماء يضطرون إلى التسليم بكثير من القضايا العلمية كما يسلمون بالمعتقدات فإننا لا نعجب مما يبدو عليهم أحيانًا من السذاجة كما يبدو على الجهلة الأميين، فالعالِم قلما يكون أسنى من الجاهل في الأمور التي ليست من دائرة اختصاصه، وبهذه الملاحظات ندرك السبب في كون أفاضل العلماء يؤمنون بأشد الأوهام خطلًا.” (ص. 201)

 

عاشرا:  بعد تشكل المعتقد في نفسية الفرد يمارس سلطة قهرية لاشعورية تحدد تصرفاته، وبعد ترسخه في المجتمع وانتشار الاعتقاد به يصبح قوة جمعية قاهرة: “- فللمعتقد على المرء، أيا كان، سلطانٌ قاهر تتعذَّر مقاومته، والمعتقدات دائمة كانت أم مؤقتة هي أكثر العوامل تأثيرًا في حياة الشعوب، والشعب لا يتم حكمه بمبادئ حقيقية، بل بمعتقدات يؤمن بأنها حقيقية.” (ص. 197)

 

خاتمة: ملحوظات نقدية:

بالنظر إلى طبيعة المعلومات الواردة في الكتاب، وبالنظر إلى قيمة المؤلف، يمكن أن نسجل ما يلي:

– يصح عد كتاب “الآراء والمعتقدات” لغوستاف لوبون من الكتب التي تدخل ضمن مجال فلسفة الدين، وعلم النفس الديني، وعلم الاجتماع الديني، وعلم النفس السياسي، نظرا لتنوع موضوعاته التي تدخل ضمن اختصاص هذه الحقول المعرفية، ونظرا لتعدد مهام لوبون فهو فيلسوفُ التاريخ ومؤرخُ الحضارات ومتخصصٌ في الأنثروبولوجيا، وعلم النفس، ودارسٌ للأديان، كل هذه الاهتمامات تجد لها ظلالا كثيفة في الكتاب.

 

– بهذه الزوايا المتعددة للنظر في مسألة تكوين المعتقدات ونشأة الأفكار لدى الأفراد وشيوعها لدى الجموع يمكن عد الكتاب متعدد الجهات التي يخاطبها ويمكنها الاستفادة منه: فالكتاب في تقديري يصلح للسياسي ولرجل الشرطة والإدارة، كما يصلح بنفس القدر للمفكرين ورجال الاقتصاد والتسويق، ولرجال التربية من المدرسين والآباء، ولأصحاب الدعوة إلى المذاهب الدينية والفكرية والحزبية والنقابية، والتجارية…، وللمتخصصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية لما يوفره من إمكانات معرفة نفسية أصحاب المعتقدات والأفكار ومختلف العوامل المؤثرة في سلوكهم الفردي والاجتماعي سواء بهدف دراستها وتحليلها أو بهدف ممارسة الإصلاح وتغيير الأفكار والتصورات، أو بهدف صناعة الرأي العام وتوجيهه والتحكم فيه.

 

– يعد لوبون واحد من علماء الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس الذين نظروا للدين نظرة إيجابية وأنه مكون ضروري من مكونات الثقافة الإنسانية ومقوم من مقومات الإنسان وأنه يلبي حاجات نفسية واجتماعية ويؤدي وظائف مهمة في هذه المجالات.

 

– لكن رغم هذه التقدير للدين عند الإنسان وفي المجتمع إلا أن تفسير نشأة الدين وتطوره عند لوبون لم يختلف عن تفسير علماء الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، فهو يعتبر الظاهر الدينية لم تنشأ إلا عن عاطفة لا شعورية، وأن المعتقد دينيا كان أو غير ديني إنما هو مجرد أوهام نفسية وليس عن وحي، إلى جانب هذا فهو يغلب عليه التشكيك في قابلية الدين ومعتقداته للتعقل والاستدلال والبرهنة لأن الدين في اعتقاده معارض للعلم والعقل، الأمر الذي يسقط صرح علم اللاهوت كاملا عند المسلمين وعند غيرهم، فضلا عن أنه لا يميز بين الدين الصحيح من غير الصحيح فكلها عنده في ميزان واحد رغم تفضيله للإسلام وحضارته لاعتبارات معينة، إضافة إلى أنه يرد أسباب انتشار الدين إلى عوامل اجتماعية وحاجات عامة وهو هنا أيضا لا يختلف عن التفسيرات المادية لانتشار الدين كالتفسير الماركسي (المادية الجدلية)، والتفسير الاقتصادي والتفسير النفسي والتفسير الاجتماعي…

 

– مع أهمية ما أدلى به لوبون من جهود علمية في الحجاج العلمي عن أفكاره بناء لها ونقدا للآراء المخالفة إلا أن مقولات الكتاب وأطروحاته تبقى في دائرة الفكر الفلسفي والإيديولوجي المتسلح بالأدوات المنهجية وادعاء الموضوعية في العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تعد إشكالية العلمية والموضوعية قاصمة ظهرها، لكون الباحث فيها يصعب عليه التخلص من خلفياته المعرفية والمذهبية كما هو حال غوستاف لوبون الذي تظهر خلفياته المذهبية في ثنايا الكتاب في مواطن عدة؛ منها:

  • – نقده المستمر للمذاهب الاشتراكية مما يدل على خلفيته الرأسمالية اللبرالية.
  • – نقده للنازية وأشباهها مما يدل على تحيزه للفكر الديمقراطي اللبرالي
  • – رده نشأة الدين للعوامل النفسية والاجتماعية، ورفض المصدرية الإلهية للدين والكتب المنزلة وبعث الرسل ومفهوم الوحي وعلاقة الإله بالإنسان، فهذه المصدرية ومتعلقاتها محل تشكيك ونقد ليس عند لوبون فقط بل في الفكر الغربي الحديث والمعاصر عامة لهيمنة الإيديولوجية العلمانية المادية وتوجيهها لتفكير لوبون في هذا الجانب بطريقة شعورية ولاشعورية.
  • – تفضيله لتعدد المعتقدات والأديان والفرق الدينية داخل الدين الواحد وحدة المعتقد ووحدة الدين داخل الأمة، تأثرا بالديمقراطية السياسية والمذهب اللبرالي في تقرير الحرية الفكرية والدينية من باب دمقرطة الحياة الدينية مثل دمقرطة الحياة السياسية…

وعموما فالكتاب دراسة معمقة في عالم الأفكار والمعتقدات وتحليل لكيفيات تشكلها وطرق هيمنتها على الفكر والمجتمع وتتبع لمختلف العوامل النفسية والاجتماعية العاملة في تشكل ظاهرة المعتقد لدى الفرد والمجتمع، وكيف تتحول إلى سلطة قهرية جبارة تحدد تصورات الناس من غير قدرة على تبريرها، وتوجه تصرفاتهم من غير استطاعة على الوعي بها وفهمها بله التحرر منها، وتحدد علاقاتهم بالأغيار موالاة ومعاداة من، سلما وحربا. لكن مع أهمية الكتاب ومؤلفه وقيمة ما تضمنه من مفاتيح لفهم ظاهرة المعتقدات والأفكار وتحليل لشخصية المعتقِد فإنه لا ينبغي إغفال المتحكمات الفكرية والشروط التاريخية والاجتماعية التي أثرت في المؤلف غوستاف لوبون وأسهمت شعوريا ولا شعوريا في إنتاج خطابه حول ظاهرة المعتقدات والآراء، وأثرت كثيرا في توجيه تفسيراته وتكوين مقولاته، إلى حد تجعلنا نتساءل: إلى أي حد كان لوبون عالما مستقلا في البحث العلمي متجردا من مسبقاته وثقل واقعه الأوروبي؟ وإلى أي حد يمكن عد خطاب لوبون عن ظاهرة المعتقدات خطابا علميا؟ ثم إلى أي حد استطاع الانفصال عن الإيديولوجي في خطابه بشتى تلويانته؟ ألم يكن تحليله للمعتقدات نابع من معتقد مخالف؟ وهي أسئلة يمكن أن تقودنا إلى رحاب نقد الفكر الغربي بنفس أدواته، وتفكيك خطاب المركزية الغربية في مختلف أبعادها وتجلياتها الحديثة والمعاصرة.

كتاب “الآراء والمعتقدات”

تأليف غوستاف لوبون-  ترجمة عادل زعيتر

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.