منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من وحي كورونا

محسن الدكني

اشترك في النشرة البريدية

إن ما تعيشه الإنسانية جمعاء اليوم من معاناة وألم، بسبب مخلوق مجهري، وما يواكبه من أحداث وتسارع من أجل اكتشاف اللقاح، في مقابل انتظارية الدول المتخلفة، يعيد طرح سؤال سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم إلى الواجهة، فلا خلاف حول المهانة التي أضحت تحياها الأمة، والجميع يدعو إلى ضرورة عودة الريادة، لكن تحويل ضعف الأمة إلى قوة وهزيمتها إلى نصر، مرتبط بإعداد العدة وبالأخذ بالأسباب، امتثالا للأمر الإلهي، “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”الأنفال 60. فما “القوة” التي تتوقف عليها نهضة الأمة من كبوتها وعودتها إلى مصاف الأمم المتقدمة؟

بعد تصفح عدد لابأس به من كتب التفسير واجتهادات العلماء، نحا معنى القوة في الآية الكريمة، إلى قوة السلاح وكل ماله علاقة بالحرب والقتال، فهل للمسلمين الآن القدرة على تحدي القوى الاستكبارية العالمية عسكريا؟ أليست جل أسلحتهم مستوردة من الخارج؟ إن هوان الأمة ماهو إلا نتاج طبيعي لفساد الحكم الذي جثم على صدرها قرونا، منع عنها نسيم العدل والحرية، لذلك فإن أولى أولويات المرحلة الآن، إعداد ثلاث قوى أساسية، الأولى سياسية والثانية علمية والثالثة نفسية.

القوة السياسية:

تعتبر قراءة تاريخ المسلمين واحدة من أهم مفاتيح الفهم للإجابة على الإشكال المطروح، حين تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضود، يوم وثب الأمويون على الحكم وبقي المسلمون تابعين ببلادة، وذلك لسببين:

– موقف العلماء المسلمين الذين برروا ذلك بعدم جواز الحديث عن معاوية بن أبي سفيان لانه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستدلين بحديث “لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه” أخرجه البخاري في صحيحه 3/1343 ، كما رأوا أن الحفاظ على وحدة الأمة وبيضتها أولى من الحديث عن مسألة الحكم، خصوصا وأن حكام بني أموية يحافظون على بعض الدين، بل ومن العلماء من دعا إلى التسليم للقضاء والقدر وبوجوب مبايعة الحاكم ولو بغى وظلم.

المزيد من المشاركات
1 من 37

إنها الأمية السياسية التي سادت في تلك المرحلة من تاريخ المسلمين ولاتزال للأسف.

– والأمر الثاني أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، جاء بغلبة السيف من أجل مبايعة ابنه يزيد، ولايزال هذا السيف مُصلتا على رقاب المسلمين إلى اليوم. حيث توالى حكام مستبدون، سجونهم أكثر عددا من المدارس والمستشفيات.

إن مكمن الداء ونقطة ضعف الأمة: “نظام الحكم الفردي” فالحاكم المستبد، صاحب الأمر كله في جميع مناحي الحياة (السياسة، القضاء، الاقتصاد، الحكم…)، فهو إله يعبد من دون الله لايسأل ولا يحاسب، ومن يرى غير ما يراه يعتبر مفارقا للجماعة خارجا عن الطاعة. وليعزز سطوته ويحمي أركان سلطته يحيط به صنف من الناس يختارهم من بين أجود المتملقين والوصوليين الأنانيين الذين باعوا دينهم وآدميتهم بحظ قليل من الدنيا ، من رجال السياسة والدين والفن والعلم….إلى أسفل هرم الذل من حراس لمواقف السيارات وغيرهم كثير ابتليت الامة بهم، وجميعهم شركاء في جريمة الاستبداد. هذا الداء العضال له أعراض تسببت في أورام شلت جسم الأمة فضعف إنتاجها العلمي وقل زادها الاقتصادي ، وتحلل نسيجها الاجتماعي، ونخر هيكلها السياسي، لذلك فالقوة السياسية أصبحت مطلبا ضروريا وكل محاولات الترقيع والإصلاح في غياب هذه القوة لن يكون إلا سرابا، يحسبه الظمآن ماء، لكن هيهات.

القوة العلمية

أمر الله تعالى عباده بأداء فروض عينية فردية، مما يلزم الفرد المسلم القيام به وجوبا إلزاميا، كالصلاة والصوم وغيرهما، كما فرض سبحانه فروض كفاية خاصة بفئة دون غيرها، إذا أدوها سقطت عن الآخرين، وإذا تركوها أثم الجميع، لكن فهم البعض حصر الكفاية في بعض العبادات والمعاملات، كصلاة الجنازة ورد السلام وجهاد السيف ضد الكفار.ونسوا الغرض والقصد منه وهو تحصيل المنفعة للنفس والغير. لذلك، ألسنا اليوم أكثر مما مضى، بحاجة ماسة الى تحصيل العلوم الطبيعية كالبيولوجيا والكيمياء والى تعلم التقنية والميكانيكا؟ أليست فروض كفاية؟ ألا يأثم الجميع بتركها ؟هل يجيرنا الاكتفاء بفنون الأدب والفقه واللغة عن تعلمها؟

فليعلم صاحب هذه العلوم أن له من الأجر والثواب أكثر مما لصاحب فرض العين، شرط أن يؤدي فروضه العينية. لأن حياتنا اليوم أصبحت أكثر مما مضى متوقفة على هذا النوع من علوم الكفاية. فالمصلي المخترع والمسلم الصانع لهما من الأجر أكثر مما للعابد ربه ليل نهار، لأن نفعهما يتعداهما إلى عامة الناس بل وقد ينفعان الإنسانية جمعاء. أما العابد فلا ينفع إلا نفسه. رغم أن للجميع قوة، قوة العابد الدعاء، ونحن لا ننكره ونحتاجه لكننا لقوة المؤمن الصانع البارع أحوج.

إن القوة العلمية من أهم ركائز التقدم ، وباعثة على التفوق والازدهار، وليس عجبا أن تكون أول آية قرآنية نزلت بصيغة الأمر، أي وجوب طلب العلم والمعرفة بل والاستزادة منه “وقل رب زدني علما” طه 114، بمعنى الاستمرار في الطلب وعدم القناعة مما في اليد الواحدة ، لأن القناعة قد تصبح حرمانا.

قوة التربية النفسية

إن كان الإحساس بالضعف وعدم الثقة في النفس يورث الهزيمة للفرد فإن وقعه على الجماعة أشد، فما أحوجنا إلى شحذ الهمم والرفع من معنويات الأمة لمواجهة التحديات والخروج من الشعور بالهزيمة والانكفاء على الذات إلى نشوة العزة والتمكين. لكن كيف السبيل والمثبطات تثني العزائم، فقرون الهزيمة والركود أثرت سلبا على نفسيات الشعوب وولدت لديها إحساسا باستحالة اللحاق بركب الغرب بالأحرى السبق، هذه المثبطات كثيرة ومتنوعة منها ماهو نفسي ومنها ماهو اجتماعي وهي لا تعدو أن تكون ضمن الثلاثة:

– النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل، وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر، ذهنية القطيع المطيع، مسلوبة الإرادة ، لاتدين إلا بدبين الأغلبية حقا كان أم باطلا، منهجها إن أساء الناس أساءت وإن أحسنوا أحسنت، تنتظر أن ينزل النصر من السماء وقلبها خواء إلا من حب الدنيا ومتاعها.

– الأنانية المستعلية أو المتمتعة: قوم ظلموا أنفسهم وظلموا الناس، يحبون لأنفسهم ما لا يحبون لغيرهم، لايقبلون صحبة النصيح ويحبون الشهرة والمديح، ويوطنون نفوسهم على حب المال والجاه والسيادة، والسبق إلى الظهور والريادة.

– العادة الجارفة للمجتمعات المسلمة في تيار التبعية للوضع السائد، تجرف الناس كما يجرف الطوفان القش والزبد، وهي نوع من تبذير الطاقات في سفاسف الأمور، وتشكل عقبة أمام كل تغيير جاد ومسؤول.

ثلاث مثبطات لابد من وضعها في الحسبان من باب فقه واقع الأمة حتى لا يكون العمل خبط العشواء، لأن القوة والنصر حليف الجد والمثابرة ، والقرآن الكريم ما فتيء يحذر، ” ولاتهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مومنين” آل عمران 139. لأن الوهن والحزن مقدمات الهزيمة.

إن قوة التربية النفسية مرتبطة ببث روح الطمأنينة في النفوس مع اليقين بأن الله ناصر عباده المومنين العاملين، “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفربعد ذلك فأولئك هم الفاسقون” النور55 وعد غير مكذوب.

لكن سؤال المرحلة يتعلق بمن سيتولى تحقيق هذه المطالب، ألسنا بحاجة إلى قوة تنظيمية تتكتل فيها جهود القوى الحية في شكل جبهة موحدة تتولى هذا الأمر؟ أم ننزوي مع بلادة المنتظرين مكتفين بلزوم الدعاء، راضين بهذا البلاء على أنه من القدر والقضاء؟

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.