منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المواطنة في الفكر الغربي الحديث

حميد نعيمي

0

المواطنة في الفكر الغربي الحديث

حميد نعيمي

يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:

”المواطنة بين الإسلام والغرب دراسة مقارنة”

المطلب الأول: المواطنة عند بعض المفكرين الغربيين

1 – المواطنة عند نيكولا ميكيافيلي

توصل ميكيافيلي إلى استنتاج بأن خير نظام يمكنه تحقيق وحدة الدولة هو ذلك النظام الذي يستند إلى سلطة مركزية مطلقة قوية، لا تقف في سبيلها الاعتبارات الدينية والدنيوية والأخلاقية، فمصالح الدولة العليا وخاصة وحدتها، تبرر للأمير جميع السبل: كاستخدام القوة والقسوة والاغتيال وخيانة العهد والتضليل والرشوة والكذب والنفاق، أي أن الغايات السامية تبرر الوسائل أيا كانت.[1]

من الصحيح أن نقول أن ميكيافيلي في عصره لم يحمل أفكارا كثيرة عن المواطنة، لكن ما يمكن قوله هو أنه كان مجددا كبيرا في الفكر السياسي الحديث ولعل من أهم ما أسس له هو فصل الدين عن السياسة، إذ قام بتحييد الدولة في الشؤون الدينية ووضع الوعي الأخلاقي فوق الوعي الغيبي، بهدف استمرار الأمير في الحكم، وإعطائه الحق في اختيار السلوك المناسب، وبذلك أرسى ميكيافيلي مفهوم التماسك السياسي على أسس وضعية وليست مقدسة.[2]

2 – المواطنة عند توماس هوبز

هو أحد أهم فلاسفة القرن السابع عشر، صاحب كتاب “الليفياتان””Léviathan”، تأثر بالنظرية السياسية لميكيافيلي وكان مناهضا لسلطة الكنيسة، وأهم فكرة يطرحها في فكره الفلسفي قضية الإنسان في حالة الطبيعة ووصفه بأنه ذئب أخيه الإنسان، يقول هوبز: “الناس لا يستمتعون برفقة الآخرين ما لم تكن هناك قوة قارة على ترهبهم جميعا”.[3]

فهو يرى أن البشر متساوون في حب الحرية والرغبة في البقاء وفي السيطرة على الآخرين، فكل واحد يريد أن يزيد من قوته على حساب الآخرين، فإن العلاقة تصبح علاقة حرب مستمرة، وبالتالي يغيب التعاون، ولا يمكن قيام أي صناعة أو تجارة أو علم أو فن أو حضارة، لكن مادام الإنسان بطبعه متعلق بحب البقاء والسعادة فإن قوانين الطبيعة تدفعه إلى تأسيس المجتمع السياسي لتحقيق الاستقرار، وأول قوانين الطبيعة البحث عن السلام، وثاني هذه القوانين هي رغبة الإنسان في التنازل عن حقه الطبيعي على أشياء والاقتصار على قدر من الحرية يتساوى فيه مع الآخرين، والقانون الثالث هو إتمام التعاقد مع الناس، أو ما يسمى بالعقد الاجتماعي، وبمقتضى هذا العقد يتنازل الجميع عن إرادتهم لإرادة الحاكم، فيكون له بمقتضى هذا العقد السلطة المطلقة لكل ما يراه صالحا لرعاياه.[4]

لقد استطاع هوبز وضع تصور حول المواطنة وذلك من خلال الانتقال من حالة الطبيعة الفوضوية إلى المجتمع المدني مرورا بالعقد الاجتماعي وتأسيس سلطة قوية تضع حدا للصراع والإقصاء كما تساهم في المحافظة على الحقوق وتأطيرها بقوانين.[5]

إذا كان أرسطو يرى أن الإنسان اجتماعي بالطبع، حيوان مدني وسياسي فإنه عند هوبز غير ذلك، فالطبيعة لم تغرس في الإنسان غريزة الاجتماع، والإنسان لا يبحث عن أصحاب إلا بدافع المنفعة وبالتالي فإن المجتمع المدني السياسي هو ثمرة مصطنعة لعقد اختياري لأهداف قائمة على المنفعة، ويعتبر كتاب “في المواطن” جوهر النظرية السياسية عند هوبز، حيث يحذر فيه عواقب التمرد على السلطة وبالتالي على المواطن الطاعة، فليست كلمة مواطن سوى كلمة في قاموس الاستبداد عند هوبز.[6]

3 – المواطنة عند جون لوك

من خلال الفكر السياسي الذي أتى به جون لوك يمكن اعتباره فيلسوف اليبيرالية الأكبر، بحيث انطلق في اتجاه معاكس لسلفه هوبز، إذ يضحي بحرية المواطنين في سبيل استقرار المجتمع، ولم يشجع الحكم المطلق كما فعل هوبز من خلال كتاب “ليفياتان”، بل قرر من دون تردد أن السبيل الوحيد لضمان استقرار المجتمع وحفظ حقوق جميع المواطنين هو طريق الحرية والديموقراطية والحكم النيابي.[7]

وأفكار جون لوك جسدها في كتابيه “الحكم المدني” و”رسالة في التسامح”.

إن نظرية العقد الاجتماعي الواردة في كتاب “الحكم المدني” تميزت بطابع ليبيرالي، حيث يريد كل مواطن الاحتفاظ بحريته وممتلكاته، ويتدخل العقد الاجتماعي لضمان هذه الحقوق الطبيعية، وكذلك للتقليل من الصراعات وليس لإقامة السلم أو السعادة كما هو الحال في العقد الاجتماعي عند هوبز.[8]

ويرى علماء السياسة أن وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي استلهمت الكثير من آراء جون لوك من خلال دفاعه عن حرية الفرد ضد سلطة رجل الدين والملك، وعموما يتميز الفكر السياسي لجون لوك بالعلمانية بالرغم من وجود مرجعية روحية في تأسيس الحكومة وطبيعة الإنسان، لكنه كان مؤمنا بأن السياسة هي إنجاز بشري، والحكم متعلق بالمصالح المدنية، لذلك أكد على أن الفصل بين الروحي والدنيوي.[9]

4 – المواطنة عند جون جاك روسو

يعد كتاب “العقد الاجتماعي” أبرز عمل قدمه روسو في حياته الفكرية وأبرز ما جاء في هذا الكتاب ما ورد في افتتاحيته حيث يقول: “يولد الإنسان حرا، ويوجد مقيدا في كل مكان، وهو يظن أنه سيد الآخرين، وهو يظل عبدا أكثر منهم”.[10]

ويحاول روسو التفكير في الوضع الذي قاد إلى تدهور المساواة في الوضع الطبيعي بتتبع تاريخية هذا التفاوت، فالبداية كانت مع نشأة القانون وقيام حق الملكية، وثانيا مع ظهور الحاكمية، وأخيرا مع ظهور السلطة الاستبدادية، وقد انتقد روسو الخضوع للحكم المطلق والملك الواحد ضد السيادة، ورفض النظريات التي تقول بأنه الحل الأمثل الضامن لحياة وحرية الآخرين، وللخلاص من هذه التحديات للحرية والإساءة للمساواة ويحاول روسو وضع حل مخلص للإنسان وهو العقد الاجتماعي.[11]

من خلال نظرية العقد الاجتماعي حاول روسو السعي إلى وضع تعريف جديد للوجود الاجتماعي الذي يتضمن نوع الحرية المدنية للمواطنة، وليس الحرية الليبيرالية الكامنة وراء مصالح الأفراد الشخصية، فالتمتع بالحرية والحفاظ عليها يتم عن طريق قيام المرء باحترام واجباته وبالتعاون مع أقرانه المواطنين، ولا يتم ذلك إلا من خلال الإرادة العامة وهي فكرة جوهرية بالنسبة لروسو الذي تصور أن الأفراد في الدولة أسياد وأحرار، فالناس هم بالتالي مواطنون وتابعون في نفس الوقت: مواطنون حيث يقررون الإرادة العامة، وتابعون في طاعتهم لنتائج هذه القرارات، لكنهم في كلتا الصفتين أحرار حقيقيون متحررون من أي سلطة، ومن هنا تظهر العلاقة المتينة بين فكرة العقد الاجتماعي وفكرة المواطنة، حيث يرعى هذا العقد المساواة بين المواطنين في أنهم خاضعون للشروط ذاتها، ويتمتعون بالحقوق كلها.[12]

لقد شكلت أفكار روسو السياسة مع غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي وفلاسفة الأنوار قطيعة جذرية مع التصورات الإغريقية لفكرة المواطنة من خلال إدراكه للنقص الموجود لدى الإغريق، بسبب اقتصار المواطنة على الحقوق السياسية دون الحقوق المدنية لبعض المواطنين، فلا فرق بين مواطن وإنسان فهما من طبيعة بشرية واحدة.[13]

المطلب الثاني: أهم المحطات التاريخية للمواطنة

سنعرض أهم المحطات التاريخية البارزة لمسيرة المواطنة في ثلاث مجتمعات غربية: بريطانيا وأمريكا وفرنسا.

1 – في بريطانيا: [14]

لقد كانت للوثيقة العظمى “الماجناكارتا” التي عرفتها بريطانيا، والتي أجبر على توقيعها الملك عام 1615م عظيم الأثر في تحويل الحكم وتعطيل سلطة الفرد المطلقة، وإخضاعها لسلطة القانون واحترام الحريات الشخصية للأفراد، تلتها فترة أخرى كانت بمثابة بؤرة للتوتر بين البرلمان والسلطة الملكية الخارجة عن بنود الوثيقة السابقة، نتج عنها ثورة كان لها أعمق الأثر في تاريخ حقوق الإنسان عام 1688م، وقد توج حينها انتصار البرلمان بتوقيع “وثيقة الحقوق” لعام 1689م، والتي قضت بمسؤولية الملك أمام البرلمان وخضوعه لقوانين البلاد، ثم توالت المحطات التي توقف عندها تاريخ البشرية بكثير من الأحداث والإفرازات المتعلقة بحقوق الإنسان حيث صدر “قانون الإصلاح الانتخابي” لعام 1832م في بريطانيا، والذي أعطى حق المشاركة للطبقة الوسطى، ليعدل هذا القانون في فبراير 1918م ويعطي حق الاقتراع العام.

2 – في أمريكا: [15]

استطاعت مسيرة حقوق الإنسان تحقيق مكسب كبير مع نجاح الثورة الأمريكية و”إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية” لعام 1776م، حيث وجد القادة الأمريكان أنه لا يمكن أن يكتمل الدستور إلا بإعلان وثيقة تعلن حقوق المواطن القارة والتي لا تتغير بتغير الحكومات والأنظمة والدساتير، وقد تضمنت وثيقة الإعلان تلك ديباجة تعبر عن أفكار “لوك” و”روسو” ووضعت على إثر ذلك دساتير تتضمن لائحة بحقوق الأفراد (Bill of rights).

3 – في فرنسا: [16]

لقد مرت إعادة إقرار مبدأ المواطنة المفضي إلى الديموقراطية الليبيرالية بمراحل ثلاث تمثلت محطتها التاريخية الأولى في “الثورة الفرنسية” عام 1789م، وما أفرزته من قرارات صارمة و”إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي” الذي تصدر دستور 1791م، وإقراره لمبادئ الحرية والمساواة والملكية والسيادة والوطنية وفصل السلطات وضمان الحقوق، تلتها المحطة الثانية لعام 1848م والتي تضمنت وضع دستور 1848م، إثر “الثورة العمالية” وما أفرزته من إقرارات جديدة تتعلق بقضايا الحرية والأمن وحق التجمع وحرية التعليم والمساعدة الاجتماعية وما إلى ذلك لتتوج المحطة الثالثة بدستور 1946م والذي أفضى بجملة من الحقوق والحريات الجديدة كحق اللجوء وعدم التمييز تلتها فترة إعلان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.


[1] (ميكيافيلي)، أحمد ناصيف ومجدي كامل، ط2008، دار الكتاب العربي: دمشق، ص33.

[2] نفسه، ص48.

[3] (الفلسفة السياسية)، علي عبود المحمداوي، ص131.

[4] (الفلسفة السياسية من أفلاطون إلى ماركس)، أميرة حلمي مطر، ط1995، دار المعارف: القاهرة، ص61.

[5] (الفلسفة السياسية)، علي عبود المحمداوي، ص137.

[6] (من قضايا الفكر السياسي)، سهيل عروسي، ص131.

[7] (مدخل إلى الفلسفة السياسية)، محمد وقيع الله أحمد، ط2010، دار الفكر دمشق، ص166.

[8] (الدولة وإشكالية المواطنة)، سيدي محمد ولد يب، ط2011، دار الكنوز العلمية للنشر والتوزيع: عمان، ص95.

[9] (الفلسفة السياسية)، علي عبود المحمداوي، ص139.

[10] (العقد الاجتماعي)، جان جاك روسو، ترجمة عادل زعيتر، ط 2012، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة: القاهرة، ص24.

[11] (الفلسفة السياسية)، علي عبود المحمداوي، ص150.

[12] (من قضايا الفكر السياسي)، سهيل عروسي، ص148.

[13] (الدولة وإشكالية المواطنة)، سيدي محمد ولد يب، ط2011، دار الكنوز العلمية للنشر والتوزيع: عمان، ص95.

[14] (الوحدة والديمقراطية في الوطن العربي)، محمد مجذوب، ط 1980، منشورات عويدات: بيروت، ص 145-146.

[15] (المبادئ الأساسية في العلوم السياسية)،محمد طه بدوي وليلى مرسي، ط1: 2000، منشأة المعارف: الإسكندرية، ص84.

[16] (المواطن والدولة)، روبير بيلو، ترجمة نهاد رضا، ط3: 1983، منشورات عويدات: بيروت، باريس، ص53-54.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.