منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف نتغير ونغير؟

0
اشترك في النشرة البريدية

لقد أمر الله تعالى الإنسان بالسير في الأرض، والتأمل في تاريخ الأمم السابقة لإبصار السنن وإدراك القوانين، والتعامل معها بوعي للوصول إلى نهضة يُنشَد فيها التغيير إلى الأفضل. كما أن التغيير سنة إلهية ثابتة في الكون خصها القرآن الكريم اهتماما بالغا باعتبار أن الإنسان هو صانع هذا التغيير في الأرض، حسب إرادته؛ سلبية كانت او إيجابية قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[1]

فسنة الحياة منذ بزوغ فجرها والاستقرار غير دائم فيها، كل هذا تبلوره طريقة تفكيرنا وعملنا ووعينا وطموحاتنا ورؤيتنا للأمور في كل الجوانب؛ فالتغيير هو سنة الحياة التي خلق الله الكون عليها،﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍۢ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ ضَعْفٍۢ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعْدِ قُوَّةٍۢ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ، وكل الرسالات تؤكد حتمية التغيير وحتمية وقوعه في نفوس الناس، فإما تغيير إلى الأفضل، أو تغيير إلى الأسوأ، طبقا لطبيعة إرادة الإنسان. وتطبيقا لمقولة: “إذا أردت تغيير العالم فبدأ بنفسك، وكن أنت التغيير الذي تريده”؛ فإننا سنتحدث عن موضوع الحاجات البشرية إلى التغيير الإيجابي بداية من التغيير ما بالنفس و العمل على تجاوز معوقات وعقبات تحقق هذا التغيير الذي نريد.

إذن كيف نعيش التغيير الإيجابي في أنفسنا؟ وماهي طرق وسبل تحقيقه؟

إن فكرة التغيير مرتبطة بالعديد من المجالات في الحياة، فالإنسان يسعى إلى تحقيقه بشكل دائم سواء في نمط العيش أو في نمط التفكير، لذلك يعد التغيير جزء من حياته وإن لم يطبقه بشكل فعلي فقد يحدث باعتماده على تصرفات لا إرادية لأن طبيعة النفس البشرية تتوق لما هو جديد، وتنفر من الأشياء الروتينية المكررة.

يُعتبر الإسلام رسالة سماوية وحركة إنسانية في التاريخ، نشدت التغيير في الأقوال والأفعال لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، بعد سبات وظلم وجور طويل عرفته البشرية جمعاء.

المزيد من المشاركات
1 من 63

فكل فرد ينتمي إلى أمة الإسلام وجب عليه أن يكون ثابتا على مبادئ التكليف الإلهي في إعمار الأرض، وإقامة العدل فيها، أمام معيقات الحياة وتجاوز أسباب القصور والعجز التي قد تتسرب إلى نفسيته الطموحة، فقيمة الإنسان تتلخص بما يتركه من أثر إيجابي في هذا الوجود.

إن تحقيق وجود هذا الإنسان يرتبط بالتفاعل مع محيطه في كل وقت وحين، وتحدياته الاجتماعية، إذ أن هذا التفاعل لا يمكن أن يتم إلا بالتخطيط لمشاريع طموحة هادفة ومتنوعة بقدر تنوع مجالات الحياة، فكما قال مالكوم اكس: “المستقبل ملك هؤلاء الذي يعدون له اليوم”، فالتغيير صناعة الإنسان المهتدي بإرشاد إلهي الذي يحمل توجيهات صحيحة لتحقيق الأهداف المنشودة؛ وفي هذا الشأن يقول الدكتور علي مذكور:” إن التغيير الاجتماعي إنما يبدأ من الداخل، أي من النفس، وذلك بتغيير أنماط العقائدية والمعيارية والقيمية، والفكرية للإنسان، فإذا ما تغير ذلك فإنه ينعكس على السلوك الخارجي للفرد والمجتمع على السواء”[2]، ومعنى هذا ان مسألة تغيير المجتمع راجعة إلى تغير ما في أنفس أفراده، فإذا غير الأفراد ما في أنفسهم نحو الأفضل تغير المجتمع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فقد اقترن تغيير الأحوال بتغيير النفوس وهي سنة جارية وثابتة قوامها أن التغيير الاجتماعي رهين بتغيير الأفراد، أي بعدما يغيروا نواياهم و يبدلوا سلوكهم و يقلبوا أوضاعهم.

فالله يراقب عباده ويجازيهم بجزاء من جنس أعمالهم، فإن الله لا يغير نعمة ولا مكانة بعدما يغر الناس نواياهم وأعمالهم، ﴿ذَٰلِكَ ِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[3]، فالتغيير يبدأ من النفس ويشمل المجتمع ارتقاءً أو انتكاساً فكيفما كانت الأسباب تبعتها النتائج.

لنعمل بجد واجتهاد وتركيز ونقرأ ونحارب الجهل، لنشعل شموع التغيير في طريقنا، ونعيد مجدا بعد ظلام حالك استوطن النفوس والعقول، فكل تحد نعنى به نحن، كقوله أبي القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، أي كل أمر عزمنا على تحقيقه إلا كان القدر حليفنا فيه، فالأفضل أن نجعل من أنفسنا تغييرا جميلا نستثمر فيه محتوى يخدم المجتمع، فهنا الشاعر يؤكد لنا أننا من نصنع قدرنا ونختار مصيرنا، وإن الله يستجيب حتما لتغيير شامل إذا اخذنا العزم وعملنا بالأسباب. يلزمنا إذن خطوات دقيقة وصبر على تنفيذها، ووقفة شامخة مع ذواتنا كي نعقل أهدافنا.

والحقيقة أننا لا نملك سوى أنفسنا وقلوبنا نتصارع معها خلال هذه الحياة القصيرة، لنصلحها عسانا نلقى الله بنفوس زكية وقلوب نقية تقية، فهناك من ندموا بعدما ظنوا أن الدهر لن يتغير أبداً، وأن الواقع الذي فرضته تصرفات الناس هو ما سيدوم، يقول مارثن لوتركينغ: “علينا أن نتعلم العيش معا كإخوة، أو الفناء معا كأغبياء”[4]، لصناعة أمة تبحث عن التغيير في نفسها ومجتمعها، عليها أن تبحث عن سبل تحقيق الأخوة الإنسانية بين الناس، وأن نجعل من أنفسنا ذلك التغيير الجميل الذي نريد أن نراه في العالم.

لكن المرحلة التي نقف عندها ولا نستطيع تجاوزها هي كيفية التغيير، فكثيرا ما نتكلم عن القيم والمبادئ والأفكار والتصورات الفردية والجماعية لمعنى التغيير، وننسى أن القرآن قد أجاب عن إشكالية الوسيلة التي سنغير بها أحوالنا على المستوى الفردي والجماعي يقول الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ[5]. فالقرآن الكريم دستور يهدي الإنسان إلى الطريق الواضح الصحيح حتى يكتمل نضجه ويؤدي وظيفته في الحياة.

لذلك يجب أن نتسلح باليقين التام عند اللحظة التي ننوي فيها تغيير سنجد أن الله معنا، فهو القائل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[6]. تأملوا معي هذه الآية كم تعطينا من قوة لنغير أنفسنا نحو الأفضل وبالاتجاه الذي يُرضي الله تعالى عنا، لأن الجهاد المقصود في الآية هو جهاد النفس وجهاد العلم وجهاد الدعوة إلى الله وجهاد الصبر على أذى الآخرين، لأن هذه الآية نزلت في مكة ولم يكن الجهاد بالسيف قد فرض، ولذلك هي تتحدث عن تغيير ينبغي علينا أن نقوم به في أنفسنا أولاً ثم في مجتمعنا وغير ذلك.

لا شك أن التحدي الذي يواجهه كل واحد منا هو انعدام الإيجابية وكثرة السلبية والاعذار، وضعف العمل وقلة الصبر على مراحل التغيير. هناك مقولة رائعة للمفكر احمد أوزيل يصف هذا الواقع يقول: ” الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا اغبياء هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح لكن نحن نحارب الناجح حتى يفشل”. الانسان باستطاعته تحقيق كل ما تصبو اليه نفسه، بالتخاذه القرارات الصحيحة لتقوى ثقته بنفسه أكثر، ليستشعر بالنجاح والقوة بعد كل قرار صحيح. ثم يحسّ بأنه بدأ يسيطر على حياته شيئاً فشيئاً، وسيشعر بأنه بدأت يسيطر على عملية التغيير وأنه بإمكانه أن يطور نفسه نحو الأفضل.

وأخيرا فإن التغيير مسألة ضرورية للفرد والمجتمع، فهندسة الطبيعة البشرية ثابتة في تفاعلاتها مع مختلف الذوات، تبدأ أولا بمقاومة القساوة القلبية، وموت معاني الأخوة الإنسانية، وتبلد الإحساس العاطفي عند جموع الناس المدعوين إلى المشاركة في التغيير والبناء. فكن أنت من تصنع التغيير حتى إذا جاؤوا بعدك قالو: “مر من هنا وهذا الأثر”.


[1]  – سورة الأنفال، الآية 53.

[2]  – علي أحمد مذكور. المفاهيم الأساسية لمناهج التربية الإسلامية الرياض، دار أسامة للنشر والتوزيع، ص: 141.

[3]  – سورة الأنفال، الآية 53.

[4]  – أقوال مارتن لوثر كينغ جونيور.

[5]  – سورة المائدة، الآية: 15/16.

[6]  – العنكبوت، الآية: 69.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.