منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غزوة بدر الكبرى

بعض الحكم، والفوائد، والدروس المستفادة من هذه الغزوة ـ محمد فاضيلي

0
اشترك في النشرة البريدية

لقد كسب المسلمون مهارة عسكريّة، وأساليب جديدة في الحرب لم تكن معهودة من قبل بدر، حيث قاتل المسلمون بنظام الصفوف، وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن الكريم:( إنّ الله يحبّ الّذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنّهم بنيان مرصوص / الصفّ آية / 4 )، بحيث يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصلاة، فتكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصدّ هجمات الفرسان، وتكون الصفوف الّتي خلفها من أصحاب النبال لتسديدها من المهاجمين على الأعداء إذا اقتربوا منهم، لأنّ الرمي يكون أقرب إلى الإصابة في هذه الحالة، فعن أبي أسيد رضي الله عنه، قال:قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر:( إذا أكثبوكم فارموهم، واستبقوا نبلكم ) رواه البخاري في صحيحه كتاب المغازي ورقم الحديث ( 3685 )، وباقي القوّة مضافا لها القوّة الاحتياطيّة لحماية الأجنحة من خطر المشاة والفرسان، وأن لا تسلّ السيوف إلى أن تتداخل الصفوف، فعن مالك بن حمزة بن أبي أسيد الساعديّ، عن أبيه رضي الله عنهما، قال:قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر:( إذا أكثبوكم فارموهم بالنّبل، ولا تسلّوا السيوف حتّى يغشّوكم ) رواه أبو داود في سننه كتاب الجهاد ورقم الحديث ( 2290 ). يعدّ تطبيق هذا الأسلوب لأوّل مرّة في غزوة بدر، وهو ما تميّزت به المدرسة العسكريّة الإسلاميّة على غيرها منذ أربعة عشر قرنا من الزمان ونيّف، وعندما تقارن هذه التعليمات الحربيّة بالمبادىء الحديثة في الدفاع نجد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان سبّاقا إليها، من غير عكوف على الدرس، ولا الالتحاق بالكليّات الحربيّة، فالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يرمي من وراء تعليماته إلى تحقيق ما يعرف حديثا بكبت النيران، اي:اللحظة الّتي يصبح فيها العدوّ على المدى المؤثّر لهذه الأسلحة. كذلك يظهر للباحث في السيرة النبويّة أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يباغت خصومه ببعض الأساليب القتاليّة الجديدة، وخاصّة تلك الّتي لم يعهدها العرب من قبل، حيث كانت العرب تقاتل بأسلوب الكرّ والفرّ . – يقول محمّد محفوظ رضي الله عنه، في كتابه المدخل إلى العقيدة، والاستراتيجيّة العسكريّة، نقتبس منه:من جهة النظرة العسكريّة، فإنّ هذه الأساليب تدعو إلى الإعجاب بشخصيّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبراعته العسكريّة، لأنّ التعليمات العسكريّة الّتي كان يصدرها خلال تطبيقه لها تطابق تماما الأصول الحديثة في استخدام الأسلحة، انتهى الاقتباس. – يقول ابن خلدون رضي الله عنه، في مقدّمته، نقتبس منه:إنّ قتال الزحف أوثق وأشدّ من قتال الكرّ والفرّ، وذلك لأنّ قتال الزحف ترتّب فيه الصفوف، وتسوّى كما تسوّى القداح أو صفوف الصلاة، ويمشون بصفوفهم إلى العدوّ قدما، فلذلك تكون أثبت عند المصارع، وأصدق في القتال، وأرهب للعدوّ، لأنّه كالحائط الممتدّ والقصر المشيد الّذي لا يطمع في إزالته، انتهى الاقتباس. – لقد اكتسب المسلمون شهرة واسعة داخل الجزيرة العربيّة وخارجها، إذ أصبحوا قوّة يحسب لها حسابها في بلاد العرب، فهي لا تهدّد زعامة قريش وحدها، بل تهدّد زعامة القبائل العربيّة كافّة المنتشرة في مختلف الأماكن، بينما كانت هذه الغزوة المباركة خسارتها فادحة على قريش، حيث قتل أشراف زعمائها، فكانت الخسارة لها حربيّة ومعنويّة وتجاريّة في آن واحد، ذلك أنّ المدينة المنوّرة لم تعد تهدّد تجارتها فقط، بل أصبحت تهدّد سيادتها ونفوذها في الحجاز كلّه، فكان خبر الهزيمة على أهل مكّة المكرّمة كالصاعقة. لقد تركت غزوة بدر في نفوس أهل مكّة المكرّمة من المشركين كمدا وأحزانا وآلاما بسبب هزيمتهم ومن فقدوا وأسروا، فهذا أبو لهب لم يلبث أن أصيب بعلّة ومات قهرا، وهذا أبو سفيان فقد ابنا له وأسر له ابن آخر، وما من بيت من بيوت مكّة المكرّمة إلاّ وفيه مناحة على قتل عزيز أو قريب أو أسر أسير، فلا عجب أن كانوا صمّموا في أنفسهم على الأخذ بالثأر حتّى إنّ بعضهم حرّم على نفسه الاغتسال حتّى يأخذ بالثأر ممّن أذلّوهم، وقتلوا أشرافهم وصناديدهم، وانتظروا يترقّبون الفرصة للقاء المسلمين والانتصاف منهم، فكان ذلك في أحد. – لقد تجلّت في هذه الغزوة مناظر رائعة تبرز فيها قوّة العقيدة، وثبات المبدأ للمسلمين، رسمت لأجيال الأمّة صورا مشرقة في الولاء والبراء، وجعلت خطّا فاصلا بين الحقّ والباطل، فكانت الفرقان النفسيّ والماديّ، والفيصل التامّ بين الإسلام والكفر، وفيها تجسّدت هذه المعاني، فعاشها الصحابة رضي الله عنهم واقعا ماديّا، وحقيقة نفسيّة، وفيها تهاوت القيم الجاهليّة، حيث التقى فيها الأباء الأبناء، والأخوة الأخوة، والمستضعفين أسيادهم. فهذا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة في صفّ المسلمين، وكان أبوه عتبة وأخوه الوليد وعمّه شيبة في صفّ المشركين، وقد قتلوا جميعا في المبارزة الأولى. وكان أبو بكر رضي الله عنه في صفّ المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن في صفّ المشركين. وكان مصعب بن عمير رضي الله عنه حامل لواء المسلمين، وكان أخوه أبو عزيز بن عمير في صفّ المشركين، ثمّ وقع أسيرا في يد أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاريّ:شدّ يدك به، فإنّ أمّه ذات متاع، فقال أبو عزيز:هذه وصيّتك يا أخي ؟، فقال مصعب:إنّه أخي دونك. تلك كانت حقائق وليست مجرّد كلمات، فخالفت بينهم المبادىء، ففصلت بينهم السيوف، إنّها القيم المطروحة لتقوم الإنسانيّة على أساسها، فإذا العقيدة هي أصرة النسب والقرابة، وهي الرباط الاجتماعيّ، وهذا فيه قمّة إيثار رضا الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وسلّم على حبّ الوالد والولد، والأهل والعشيرة، ولقد أثنى الله تعالى على هذه المواقف الصادقة، يقول الله تعالى:” لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر22)

 

من موسوعة مواقف، وعبر من السيرة النبويّة الشريفة، تأليف الشيخ الدكتور أحمد حسن شحاده الردايده 

 

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.