منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مبادرة “تيسير القروض البنكية بفائدة يسيرة”؛ دراسة تحليلية، واقتراح بدائل شرعية.

اشترك في النشرة البريدية

تعدُّ الفوائد التي يتقاضاها البنك على القروض من أهمّ مصادر أرباح البنوك في كافّةِ أنحاء العالم، حيثُ يُشكلُ الرّبح الماليّ من قيمة القروض نوعاً من أنواع الإيرادات الماليّة التي يستفيدُ منها البنك في تسيير عمليّاته التجاريّة والمصرفيّة. 

      وإذا كان هدف البنوك الربوية ربحيا، فإنه لا يمكن لأي بنك أن يدخل في أية معاملة، إلا إذا كان الربح فيها مضمونا.

      وتختلفُ أنواع الفوائد البنكيّة والطُرق المُخصّصة لحسابها بناءً على نوعها، وطبيعة السّياسة المصرفيّة المُتّبعة في البنك.

أولا: أنواع الفائدة؛

المزيد من المشاركات
1 من 25

       اعتمادا على السّياسة الماليّة الخاصّة بالنظام البنكي، والطّريقة التي يتّبعها البنك للتّعاملِ مع القروض، والفترة الزمنّية المُخصّصة لسداد الديون، فإن الفائدة تنقسم أساسا إلى نوعين؛ وهما:

1- الفائدة البسيطة: هي عبارةٌ عن قيمةٍ ماليّة تُضافُ على القيمة الأصليّة للمبلغ الماليّ في نهاية الفترة الماليّة، وتُستَخدمُ في العمليّات الماليّة التي تحتاجُ إلى فترةٍ زمنيّة قصيرة، والتي تُقدّرُ بحواليّ سنة واحدة، وتتميّزُ الفائدةُ البسيطة بأنّها ثابتةٌ؛ أيّ لا تتغيّرُ نسبة الفائدة خلال السّنة الماليّة، بل تظلُّ مُرتبطةً بالقيمةِ الأساسيّة للقرض، أو المبلغ الذي تمَّ الحصول عليه.

2- الفائدة المُركّبة: هي الفائدةُ التي يتمُّ تركيبها بشكل تراكمي؛ أيّ يتمُّ حسابها بعد إضافةِ قيمة الفائدة السّابقة إلى المبلغ الماليّ أو القرض بعد نهاية الفترة الماليّة المُحدّدة، فتُضافُ فائدةٌ جديدةٌ مع الفترة الماليّة الجديدة، وهكذا كلّما طالتْ الفترة الماليّة المُخصّصة للقرض، كلّما زادتْ قيمة الفائدة المطلوبة بزيادةٍ نسبيّة، وتكونُ القيمة الماليّةُ الجديدةُ هي القيمة القديمة للقرض مُضافٌ له القيمة السّابقة للفائدة، والتي تفرضُ عليها الفائدة المُركّبة.

ثانيا: طريقة حساب فائدة البنك؛

       لكلّ نوعٍ من أنواع الفائدة طريقةٌ خاصّةٌ لحسابها من خلال الاعتمادِ على مُعادلاتٍ رياضيّة مُعيّنة، وطُرق حساب فائدة البنك حسب كل نوع من النوعين الذين رأينا:

1- حساب الفائدة البسيطة: لحساب قيمة الفائدة البسيطة على المبلغ الماليّ، أو قيمة القرض البنكيّ، نعتمد ثلاثة عناصر، وهي:

– المبلغ الماليّ: هو المبلغُ الذي تمّ الحصول عليه من البنك، ويخضعُ لقيمة الفائدة البسيطة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

– مُعدّل الفائدة: هو النّسبةُ المئويّة التي تُشكّلها الفائدةُ على المبلغ الماليّ، ويُعتبرُ العائد الخاصّ بالوحدة الماليّة لكل فترةٍ زمنيّة.

– المُدّة الزمنيّة: هي الفترة من الوقت التي يجبُ سداد قيمة المبلغ الماليّ الخاضع للفائدة فيها.

2- حساب الفائدة المركبة: لحساب الفائدة المُركّبة على المبلغ الماليّ، أو قيمة القرض البنكيّ يجبُ توفير العناصر الآتية؛ وهي:

– المبلغ الماليّ: هو المبلغُ الذي تمّ الحصول عليه من البنك. 

– مُعدّل الفائدة: هو النّسبةُ المئويّة التي تُشكّلها الفائدةُ على المبلغ الماليّ.

– المدّة الزمنيّة: هي الوقت الذي يجبُ سداد قيمة المبلغ الماليّ فيه. 

– عدد تكرار تركيب الفائدة: هي المرّات التي تُضافُ فيها فائدةٌ مركبةٌ كل فترةٍ زمنيّة مُحدّدة مُسبقاً، وتختلفُ عن المدّة الزمنيّة الأصليّة؛ إذ إنّ المدّة الزمنيّة الأصليّة تحملُ التّكرارات الآتية: شهريّة: 30 يوم، أو سنويّة أي 360 يوم (عدد أيام السنة الماليّة)، أو رُبع سنويّة: 3 شهور أو نصف سنويّة: 6 شهور.

– تفسير القاعدة: للحصول على قيمة الفائدة المُركّبة يجبُ ضرب قيمة المبلغ الماليّ بمُعدّل الفائدة المُركّبة تقسيم المُدّة الزمنيّة مُضافاً لها الثّابت، ومن ثم تُرفَعُ كل المُعادلة للأساس الذي يشكلُ قيمة المدّة الزمنيّة مضروبة بعدد التّكرارات.

ثالثا: كيف يمنح البنك القروض الميسرة؟

    يقوم البنك بدراسة للمشروع وبعد الموافقة يمنح القرض بشروط منها:

– أن يوقع على اعتراف بالدين زائد الفوائد.

– أن يفتتح حسابا جاريا في البنك، إذا لم لديه حساب.

– أن يؤدي فوائد التأخير في حالة التأخر عن السداد علما أن هذه الفوائد مركبة، أي إنها تزداد على الفوائد الأصلية كلما زادت مدة التأخير.

– الاكتتاب في التأمين التجاري للأقساط في حالة العجز أو الوفاة.

– يتم رهن المشروع؛ (NANTISSEMENT DE FONDS DE COMMERCE).  

       وفي حالة الإفلاس لن يتم تفعيل ضمان الدولة عن طريق صندوق الضمان المركزي إلا بعد بيع المشروع (وقد عمل المقترض صاحب المشروع على تنميته طوال هذه المدة) في المزاد العلني واستخلاص أصل القرض والفوائد المترتبة عليه، وإذا بقي هناك نقص في ربح البنك سواء من أصل القرض الفوائد أو من فوائد التأخير، هناك يتم اللجوء لصندوق الضمان المركزي. والضمان الحكومي يغطي فقط 80 في المائة أي إن 20 في المائة تبقى على عاتق صاحب المشروع.

مثال توضيحي:  نفترض أن مبلغ القرض هو 100.000 مائة ألف درهم، (عشرة ملايين سنتيم)، فإن استرداد الأقساط على مدة عشر سنين، مثلا، ففي حال حساب الفائدة المركبة لتأخر السداد؛ سيكون مجموعها: 111.326، بمعنى أن البنك سيزيد 11 في المائة على المبلغ الأصلي، وليس 2 في المائة كما يتصوره عامة الناس.

مثال آخر: إذا كانت قيمةُ المبلغ الماليّ هو 50.000 درهما، والمدّة الزمنيّة للسّداد تصلُ إلى 5 سنوات، وقيمةُ مُعدّل الفائدة البسيطة المُحدّدة من قِبَل البنك في نهايةِ المدّة الزمنيّة كاملةً هي 7% من إجماليّ قيمة المبلغ الماليّ، يتمُّ تركيبُ الفائدة على المبلغ في مُنتصف كل سنة ماليّة، وبناءً على المُعطيات السّابقة يتمُّ تطبيق قانون حساب الفائدة المُركّبة، فتصبح قيمة المبلغ الماليّ بعد تكرار تركيب الفائدة الماليّة عليه نصف سنويّاً خلال مدّة خمس سنوات، هي: 75.870 درهما. أي أن الفائدة أصبحت: 11,74 في المائة.

     تستنتج إذن ما يلي: رغم أن البنك يصرح أن الفائدة هي 2 في المائة، إلا أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التوضيح للمواطنين.

      إن هدف هذه البنوك هو ربحي سواء كان 2 أو 1 في المائة أو أقل، لأنه من الناحية الاقتصادية لا يمكن لأي بنك أن يدخل في معاملة إذا كان الربح مضمونا، لأن الخسارة تخالف أهداف المساهمين في البنوك الخاصة.

     وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الفائدة في أوربا بالنسبة للقروض السكنية هي 1 في المائة أو أقل أحياناً، ومع ذلك فهذه البنوك تربح لا محالة.      

رابعـا: تحليل ومناقشة الحجج التي علل بها بعض العلماء جواز القروض الميسرة بنسبة %2

1- نسبة الفائدة يسيرة: اليسر لا يعتبر في الربا، خلافا للغرر الذي يباح فيه اليسر تبعا، وبذلك لا يمكن قياس الربا اليسير على الغرر، فقد أجمع العلماء على أن الغرر اليسير يُغتفر، وأن الربا حرام كثيره وقليله. فنسبة %2 لا تعتبر يسيرة، فهي نسبة جد عادية بل ومربحة، كما رأينا في المثالين السابقين. 

2- أما الطوارئ المتمثلة في خطر عدم السداد فهي منعدمة هنا حيث تضمن الدولة حالات الإفلاس. وهي أصلا ليست بحجة تبيح الربا لأن الحقوق متعلقة بذمم مستقلة. 

3- أما تكاليف دراسة الملف فمن المؤكد أنها لا تتجاوز 200 درهم كمعدل. فالتكاليف الحقيقية هي الوحيدة التي ليس فيها ربح للبنك. 

4- التضخم ليس بتعليل للرد بالزيادة كما قرره العلماء. فالتضخم عام والاحتياجات متفاوتة، وهناك مدن فيها تضخم ومدن تتراجع فيها الأسعار. لذلك جاء في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي: “العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل، وليس بالقيمة؛ لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة، أيّاً كان مصدرها بمستوى الأسعار”.(عدد 5 ، ج:3/ص:1609). 

5- التعليل بأن هذه القروض كأنها حسنة:

     المؤسسات إما خيرية أو ربحية، وبما أن البنوك مؤسسات ربحية، فإنه من المؤكد أن هذه القروض ربحية، إذا فهي ربوية. وإلا كان من الواجب على البنوك أن تعلن أنه عمل خيري غير ربحي، وتكتفي بتكلفته الحقيقية وتخضعه لمراقبة المجلس العلمي الأعلى ليجيزه. وهذا ما لا وجود له في الواقع.

6- تنزيل الحاجة منزلة الضرورة:

        لقد قيد المولى عز وجل الضرورة فقال عز من قائل: “فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ”. (البقرة:173). البغيُ: أن يأخذَ الإنسانُ بحكمِ الضَّرورةِ، وهو غيرُ مضطرٍّ. والعدوانُ: هو تجاوُزُ مقدارِ الضَّرورةِ. قال الزركشي: (الضرورة : بلوغه حدا إن لم يتناول الممنوع هلك، أو قارب؛ كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعا أو عريانا لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم. والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرم).

     والقول بالحاجة ليس على إطلاقه، وإلا صار كل من عطش واحتاج الماء، دون تعرض محتمل للهلاك، رخص له في شرب الخمر، ولصار كل من جاع واحتاج الطعام دون تعرض للهلاك، جاز له أكل الميتة. لذلك نجد من شروط الحاجة العموم وعموم البلوى عند الكثير، و”ألا يكون الأخذ بمقتضى الحاجة مخالفا لقصد الشارع”، قال الإمام الشاطبي، في “الموافقات”: (ما أصله الإباحة للحاجة أو الضرورة إلا أنه يتجاذبه العوارض المضادة لأصل الإباحة وقوعا أو توقعا هل يكره على أصل الإباحة بالنقض أو لا، هذا محل نظر وإشكال). وقال الإمام الجويني في “غياث الأمم”: (بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر فإنه لو صابر ضرورته ولم يتعاط الميتة لهلك ولو صابر الناس حاجاتهم وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبة ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك ما في تعدى الضرورة في حق الآحاد فافهموا ترشدوا). 

       والأمر ليس كذلك في موضوعنا هذا، لأن المجموع العام للقروض الممنوحة محدد ب”8 مليار درهم”، فليس هناك تهلكة عامة في تركها. 

خامسا: اقتراح البدائل الشرعية التي لا لبس فيها؛

       إن هذه التعليلات السابقة ستزيد من قوة النظام الربوي المتسلط، الذي يُحكم القبضة على الفقراء والطبقة المتوسطة في هذا البلد، وفي العالم قاطبة، ويمتص دماء الشعوب وميزانيات الحكومات، والذي أغرق العالم في الديون والأزمات المالية والبنكية.

       لذلك نؤكد على ضرورة تصور المسألة من جميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، قبل الحكم عليها؛ “فالحكم على الشيء فرع عن تصوره”. ومن الأولى أن نقترح ونشجع البدائل من المالية الإسلامية والمعاملات الشرعية مثل؛ المضاربة والمشاركة لتقاسم الربح والخسارة، والقرض الحسن الحقيقي المجاني.  

      وبعد هذا التحليل والمناقشة أقترح تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة والمقاولات الصغيرة جدا، عن طريق “المضاربة” و”المشاركة” التي تتلائم مع احتياجات المقاولين الشباب وحاملي المشاريع، مع تسهيل التمويل ومواكبة هذه المشاريع والمقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة، وذلك على مستوى تحديد حاجيات المقاولات من حيث المنتجات والخدمات، وعلى مستويات التكوين والتوجيه والاستشارة.

خــــاتـمة:

      قد يلتبس على الناس مفهوم الضرورة وحدودها، وكذلك طريقة احتساب الفوائد الربوية، لكن هذا ليس مبررا، بل يجب على المسلم أن يسأل ذوي الاختصاص عن المسألة من الناحية الشرعية، ومن الناحية المالية والاقتصادية.

       ويجب عليه أيضا أن يتحرى الحلال، والله تعالى سيفتح له أبواب الخير، كما قال عز وجل: ‏”‏‏وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا‏”.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت
2 تعليقات
  1. اسماعيل يقول

    شكرا لك أستاذي على المعلومات القيمة

  2. مصلح يقول

    عرض رائع تحليل ممتاز تميز بعرض البدائل الشرعية شكرا لمساهمتكم في التوعية الشرعية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.