منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

غزوة بدر الكبرى..من دروس الخنوع والاستسلام إلى دروس العمل والبناء

0
اشترك في النشرة البريدية

المقدمة:

في كل شهر رمضان من كل سنة تحل علينا ذكرى غزوة بدر الكبرى والتي توافق السابع عشر من شهر رمضان الأبرك، ومعها في كل مرة تتحرك الأقلام والأفواه لتعود بنا إلى ذلك الزمان والمكان وتلك المشاهد والوقائع، وما شهدته تلك الغزوة المباركة من نصر ظاهر للمسلمين بتأييد رب العالمين، ووقوفا في الأخير على الدروس والعبر المستفادة من هذه الغزوة المباركة، وهكذا في كل مرة حتى أصبحت وكأنها طقسا من الطقوس وعادة كسائر العادات لا تحرك ساكنا ولا تنهض قاعدا، بل مجرد تنويم وبكاء على الأطلال وأماني معسولة مقعدة عن الجهاد والعمل، فما العمل إذن وأين الخلل؟ هل غزوة بدر هي ذكرى جهاد أم ذكرى رقاد؟ وهل الدروس المستفادة من هذه الغزوة المباركة هي غاية في حد ذاتها أم مجرد وسيلة لتجديد العزم للعمل كما عمل أهل بدر و نصبر كما صبروا ونثبت كما تبثوا فننتصر كما انتصروا إن شاء الله؟.

 

أولا: غزوة بدر الكبرى.. ذكرى جهاد لا ذكرى رقاد:

لقد خص الله عز وجل هذه الغزوة المباركة بمجموعة من الآيات التي تتحدث عن وقائعها وبعض مشاهدها، وذلك ليس عبثا كما تعلمون، بل فيه مقاصد وحكم جليلة وعظيمة إن نحن حاولنا الوقوف معها والتمعن فيها،  كقوله سبحانه ” وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين “(الأنفال، 7)، وقوله أيضا ” وإذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين”(الأنفال، 9)، وقوله كذلك ” وإذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان”(الأنفال، 12)، وغير هذا كثير من الآيات التي كانت تبشر المومنين وتثبتهم وتريهم طريق النصر، في ذلك دلالة واضحة على تأييد الله تعالى لعباده المومنين، كما أن أهل بدر قد خصوا بمنزلة رفيعة كما جاء في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك إلا لشرف ومكانة الحدث، فهو أول صدامات الحق مع الباطل، مع ما كان مع الباطل من عدة وعتاد وحشود وأعداد، مما قد يدخل الريبة والخوف في القلوب، لكن الله أيد ونصر ومكن من بعد ضعف وذلة، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث النبوية، ولنعد ونقول ما الحكمة والغاية من كل هذا الاهتمام بهذه الغزوة بالذات؟ هل هي نشوة وفرح الانتصار؟ أم تتبيث ودعم للقوم في ذلك الزمان والمكان؟ أم بيان لأسباب النصر لعباد الرحمن في سائر الأزمان والأوطان؟.

لقد تناول هذه الغزوة بالدرس والبيان الكثير ، فكما تحدث ويتحدث عنها من يريد لهذا الدين و هذه الأمة الرجوع إلى موقعها في قيادة العالم كما كانت، فقد تحدث عنها كذلك غيرهم ممن يريدون لهذه الأمة البقاء في ذيل الأمم تابعة خانعة لا قرار لها، لذلك نجدهم يستغلون هذا الحدث العظيم في تاريخ ووجدان هذه الأمة ليلقنونا دروسا وعبر هي باعثة على الخنوع والخضوع للأمر الواقع، والاستسلام والتيئيس أكثر من بعثها لنا على العمل من أجل السير على منوال القوم واتباع نهجهم لننال ما نالوا، ولعل تلك الآيات البينات والأحاديث الشريفة التي كانت تصف أحداث هذه الغزوة ووقائعها ما هي إلى بيان لشروط النصر وأسبابه لهذه الأمة المباركة في مختلف الأزمان والأوطان، وهي سنة الله في الكون التي لا تحابي أحدا، فالله ناصر جنده وعباده المومنين في الأرض لكن إذا أقاموا وحققوا الشروط والأسباب.

المزيد من المشاركات
1 من 21

وكما أن هناك من يريد أن يجعل من هذا الحدث العظيم في تاريخنا ذكرى لتجديد اليأس والخنوع والتبعية والانقياد فينا، ينبغي أن نجعل منه ذكرى جهاد وهبة للعمل وتجديد للنية والعزم لتحقيق وعد ربنا ورسوله بالتمكين في الأرض.

ثانيا: دروس وعبر غزوة بدر.. غاية أم وسيلة؟:

أقصد بالغاية والوسيلة على مستوى التفكير والعمل، لا على مستوى التفكير فقط، وإن كان هذا الأخير مغيب عند الكثيرين، بحيث أن تناولهم لهذه الغزوة ووقوفهم مع دروسها وعبرها هي غاية في نفسها، بمعنى أنها حدث كباقي الأحداث انتصر فيه المسلمون في ذلك الزمان لأنهم كانوا مؤمنين صالحين وكان معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد والمنصور من عند الله وكفى، ولا حديث عن حال الأمة وضعفها وانتكاستها وأسباب هذا الضعف وشروط النصر والتمكين قياسا على نصر المسلمين في هذه الغزوة، وتحسر أنت يا من يحمل هم الأمة ويرجوا رجوع هيبتها، وغالبا ما يكون هؤلاء من أولئك المثبطين الميئسين الذين تحدثنا عنهم سلفا، وذلك مقصود منهم لكي يمنعوا المسلمين حتى من التفكير في إمكانية العودة والنصر فما بالك في العمل لتحقيق هذا النصر  على أرض الميدان.

ومن ناحية أخرى قد يحضر عند الكثيرين هذا الوعي، أي النظر إلى الحدث بكونه يتجاوز الزمان والمكان، ويستفاد منه بل ويعتبر أصلا ومقياسا لشروط النصر والتمكين لهذه الأمة ووسيلة موقدة لا غاية مرقدة، بمعنى أنه حدث يعتمد عليه باعتباره وسيلة لبلوغ الهدف المنشود، لكن ومع وجود هذا الاعتقاد والتفكير الصائب إن لم يصاحبه عمل على أرض الواقع يأسس ويرسي الأسباب ويهيأ لشروط النصر يبقى فكرا حالما بعيد عن بلوغ الوعد.

إذن فما العمل؟.

ثالثا: غزوة بدر الكبرى..ذكرى نصر للأمة بشرط العمل

مما ينبغي التنبيه إليه أن هذا الحدث العظيم في تاريخ أمة الإسلام لم يكن حدثا معزولا عن باقي الأحداث التي سبقته والتي تلته، فهذا النصر التي حققه المسلمون لم يأت من فراغ بل سبقه إعداد واستعداد لسنين وأعوام، ذاق فيها المسلمون صنوف الظلم والقهر والطغيان، لكن وكما يقال ” من عرف ما قصد هان عليه ما وجد “، فقد كانت الغاية لذلك الرعيل الأول واضحة منذ البداية، وهذا ما أغفله الكثيرين عند دراسة هذه الواقعة المباركة، أي ما كان من عمل وجهاد وكفاح وصبر على حمل المشروع تبليغه للناس قبل الغزوة ، فما غزوة بدر إلا تحصيل حاصل لسنين من العمل الإعداد والتهييء لهذا النصر العظيم، حيث أن شروطه كانت متوفرة، ولو لم يأت في بدر كان سيأتي في غيرها، وما الانتصارات والفتوحات بعد بدر إلا دليل على هذا النصر الذي كان قادما لامحالة، فما الغاية إذن من الحديث عن غزوة بدر إذا لم نكن سنتحدث عن المطلوب منا اليوم كأمة مستضعفة مقهورة قد نخرها الظلم والاستبداد وتربص بها الأعداء، وبعده العمل لتنزيل هذا المطلوب على أرض التنفيذ؟، ومن تم لا بأس ما دمنا نتحدث عن تناول الدروس والعبر بقصد العمل والتنفيذ أن نشير إلى بعض ما هو مطلوب منا الانخراط فيه والعمل له كما انحرط وشارك الصحابة رضي الله عنهم، وهي أعمال  كانت من شروط وأسباب النصر لتلك العصبة المومنة في ذلك الزمان  ونذكر منها:

  • وجود عصبة مومنة بمشروع مستعدة للبذل والتضحية في سبيل الله وبقيادة ربانية هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ” ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون “.(آل عمران،104).
  • تربية رجال المشروع وتنظيمهم والتأليف بينهم من أجل حمل الرسالة ونشرها للعالمين وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس ” (آل عمران، 110).
  • امتحان هذه العصبة المومنة واختبار رجالها بيان صدقهم وقدرتهم على حمل الدعوة وتبليغها والاستمرار على ذلك، ولنا فيما عاناه الصحابة رضي الله عنهم في مكة حوالي ثلاثة عشرة سنة عبرة.
  • إقامة وتأسيس الدولة الإسلامية المستقلة والقادرة على الدفاع عن الدين وتبليغه للناس، وهو أول ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة للمدينة.

هذه كانت بعض أوجه العمل التي كانت ولا شك من أهم شروط والأسباب التي مهدت لذلك النصر والفتح الذي ناله المسلمون في غزوة بدر وبعدها من انتصارات وفتوحات بتأييد رب العالمين، وهي لنا بإذن الله منارات وصوى هادية وموجهة للسير على المنوال.

الخاتمة:

ونافع القول وخلاصته الذي يمكن أن نختم به هذه المقالة هو أن الأحداث العظمى في تاريخ الأمة الإسلامية كغزوة بدر ستبقى لها مكانتها في ذاكرة ووجدان هذه الأمة و ستبقى لها دروسها الكبرى المتمثلة في انتصار أهل الحق على أهل الباطل في سائر العصور والأزمان إن هم أعدو العدة و أعطوا الأسباب حقها مهما حاول دعاة التضليل طمس الحقائق، وتحريف المعاني والدروس من أجل تيئيس الأمة في النصر الموعود حتى تبقى تابعة طائعة مأمورة لا أمر لها ولا قرار.

ونسأل الله الإخلاص في القول والعمل والحمد لله رب العالمين.

اشترك في النشرة البريدية
سجل هنا للحصول على آخر الأخبار والتحديثات التي ستصل مباشرة إلى صندوق الوارد الخاص بك.
يمكنك إلغاء الإشتراك في أي وقت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.