منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التعرف على المسار التكويني للنص القرآني باعتماد مطابقته مع مسار الدعوة المحمدية -الرد على الجابري-

0

سبق لنا القول – في نهاية المبحث السابق – بأن الجابري قد وضع لإعادة ترتيب القرآن الكريم حسب أسباب النزول مقصدين اثنين، وطرحنا – في نهاية كلامنا – سؤالا حول ماذا تحقق من هذه المقاصد الجابرية، نجيب عن الشطر الأول منه في هذا المبحث، وعن الشطر الثاني في المبحث الذي يليه بإذن الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق .

أما على مستوى المقصد الأول فقد بذل الجابري جهدا مضنيا وحرص على الإتيان بالجديد،[1] ولكن في غالب الأحيان يكون هذا الجديد نتيجة إسقاطات لا دليل عليها، سوى التعسف في التأويل والتخمين والافتراض.

لقد حرص الجابري على وضع كل سورة من سور القرآن الكريم في إطار زمني معين، ومن ثم أسقط كل المعاني الواردة في السورة على تلك الظروف والأحوال – التي زعم أن تلك السورة نزلت فيها –، إسقاطا فجا وبدون ضوابط علمية أو قواعد شرعية، وسوف نذكر نماذج من هذه الإسقاطات التي ليس له عليها  دليل سوى العشوائية والتخمين والافتراض.

قسم الجابري مسار الدعوة المحمدية ومن ثم المسار التكويني للنص القرآني إلى ستة  مراحل مكية ومرحلة واحدة مدنية، معنونة بعناوين اختارها من وحي خياله، وسأذكر هذه المراحل – كما أوردها الجابري – مع ذكر سور كل مرحلة و نماذج من الإسقاطات التي وقع فيها الجابري في كل مرحلة من المراحل :

– المرحلة الأولى معنونة : بالنبوة والربوبية والألوهية، وقد زعم الجابري أن هذه المرحلة نزلت فيها السور التالية :

المزيد من المشاركات
1 من 99

العلق، المدثر، المسد، التكوير، الأعلى، الليل، الفجر، الضحى، الشرح، العصر، العاديات، الكوثر، التكاثر، الماعون، الكافرون، الفيل، الفلق، الناس، الإخلاص، الفاتحة، الرحمن، النجم، عبس، الشمس، البروج، التين، قريش .

وقد ذكر الجابري على رأس لائحة ترتيبه حسب سبب النزول في هذه المرحلة  خمس آيات من سورة العلق، ثم عشر آيات من سورة المدثر، وأرجأ الحديث عن الآيات المتبقية من السورتين إلى المرحلة الثانية بحجة أن مضمونها لا يتناسب مع أهداف المرحلة الأولى. وهو الذي لا يمل من رفض هذا المبدأ في جميع سور القرآن عندما تدعوا إلى ذلك أسباب النزول المنقولة، زاعما أن » الحفاظ على وحدة السورة أولى من الأخذ بروايات لا شيء يسندها سوى أنها لا تتعارض مع آياتها «[2] .

إن ربط الجابري لمعاني القرآن بالبيئة والظروف التي كانت تحيط بالبعثة النبوية فيه قدر كبير من القصور والتقصير في الفهم السليم لمقاصد القرآن الكريم والبعثة المحمدية والبيئة والأحوال  التي نزل فيها الكتاب المبين، يقول الجابري في معنى قوله تعالى : » وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [3] «   )مما  قد يكون لصق بها من تراب أو غبار عندما كان يتنقل بين الجبال([4]. !!! هذا هو الجديد الذي جاء به الجابري، فمتى كان التراب نجاسة يطلب من المؤمن إزالتها خصوصا  في زمن بسيط لا يوجد فيه كثير من مظاهر الترف الموجودة في عالم اليوم، بل إن مسجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يكن مفروشا بشيء ما، وكان الناس يصلون على التراب مباشرة، فقد ظن أعرابي أن المسجد كغيره من الأماكن»  فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم دعوه و هريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين « [5]. كما أن الجابري بهذا التفسير يصور رسول الله صلى الله عليه كرجل لا عقل له ولا شغل له إلا التجوال بين الجبال كالمجنون !!.

ثم نرى أن الجابري يجعل في المرحلة الأولى عشر آيات من سورة المدثر، رغم أن الآيات الثامنة والتاسعة والعاشرة تتحدث عن القيامة التي خصص لها الجابري المرحلة الثانية، بينما يضع سورة التكاثر في هذه المرحلة رغم أنها تنتمي » إلى محور المعاد[6]« . ومثل هذا عنده كثير،  ولا أدري ما هو سبب هذا الخلط، والعجز عن الالتزام بمنهج وضعه لنفسه بنفسه.

وقد بدأ الجابري الحديث عن  هذه المرحلة باستهلال بيّن فيه أسلوب وخصائص السور التي نزلت فيها، والتي تتميز – كما قال –  » بقصرها وقصر آياتها  وأسلوبها الخاص، كما يتوجه  الخطاب فيها أساسا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، …ومن أبرز ما تتميز به هذه السور، بالنسبة لموضوعنا هنا ، استعمال اسم الرب… «[7]  .

وقد ختم الجابري حديثه عن المرحلة الأولى باستطراد واستشراف خصصه للحديث عن ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى الحسنى، فبدأ بالحديث عن اسم الرب، حيث عرفه لغة وذكر الصيغ التي ورد بها في القرآن وهي : » ربك ، ربي ، ربكم ، ربه ، ربهم ، رب العالمين… «[8] .

ثم تحدث عن اسم الجلالة الله، حيث عرفه وذكر ما ورد عنه في اليهودية والمسيحية !!!.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 25

وختم بالحديث عن اسم الرحمن، والفرق بينه وبين اسم الرحيم، وكيف يردان في القرآن الكريم وتعريف الرحمة.

– المرحلة الثانية وقد عنونها الجابري : بالبعث والجزاء ومشاهد القيامة، وذكر فيها السور التالية : 

القارعة، الزلزلة، القيامة، الهمزة، المرسلات، ق، البلد، العلق مكرر، المدثر مكرر، القلم،    الطارق، القمر .

وقد أورد الجابري هنا مجموعة من الإسقاطات منها : زعم الجابري أن قوله تعالى:»فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا [9]« ، يعني ) تفرق بين الناس قاصدة الرسول (. ولم يبين الجابري ماذا يقصد بتفريقها بين الناس، هل لأنها تسير وسط زحام الناس فلا تستطيع الوصول للرسول صلى الله عليه وسلم إلا بالتفريق بينهم ؟  أم أنها تفرق بين الناس المتخاصمين ؟ أم ماذا ؟ وهل هذا المعنى يليق بكلام الله أو يكون مقصودا لله تعالى ؟ أم هو قول على الله بغير علم.

والصحيح أنها[10] تفرق بين الحق والباطل، والسياق الذي يحتج به الجابري دائما لا يقبل غير هذا، ولذلك قال ابن كثير رحمه الله تعالى :» لا خلاف ههنا فإنها تنزل بأمر الله على الرسل تفرق بين الحق والباطل « [11] .

ومن بين الإسقاطات أيضا ما ذكره الجابري في سورة القيامة عند قوله تعالى :  » بَلِ الاِنسَانُ عَلَىا نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوَ اَلْقَىا مَعَاذِيرَهُ  ) حتى ولو التمس لنفسه أعذارا . يقال له وهو يعتذر باستعجال وتلعثم حين ينبأ بما قدم وأخر ( : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ) وقراءته عليك ( . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ : )يقال له في هذا البيان[12] ( كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الاَخِرَةَ [13] «  . وهذا التأويل يريد الجابري من ورائه نفي وجود أي دليل من القرآن يدل على حفظه من قبل الله تعالى وينفي تعرضه للتحريف .

وقد بدأ الجابري هذه المرحلة أيضا باستهلال يوضح فيه سمات هذه المرحلة الثانية – حسب تصوره  لها – حيث زعم أن الخطاب القرآني في هذه المرحلة ينتقل »  من التركيز على محور التوحيد…إلى التركيز على محور البعث والجزاء [14]«  .

ثم ختمها باستطراد واستهلال للحديث عن المعاد، خلص فيه إلى أن »   الوحي جاء من الله لينذر الأغنياء الذين يستأثرون بالمال ويهضمون حقوق اليتامى ولا يحسنون إلى الفقراء بأن لهم جهنم ، وليبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات – من الصدقات وغيرها – بأن لهم الجنة«[15]  . كما أورد فيه آراء ثلاثة فلاسفة هم : الفارابي وابن سينا وابن رشد حول موضوع  المعاد، كما عرج فيه على ذكر صراع الغزالي مع الفلاسفة والمسائل التي كفرهم  بها .

– المرحلة الثالثة عنونها الجابري : بإبطال الشرك وتسفيه عبادة الأصنام، وأورد فيها السور التالية :

ص، الأعراف، الجن، يس، الفرقان، فاطر، مريم، طه، الواقعة، الشعراء، النمل، القصص، يونس، هود، يوسف .

ومن إسقاطات الجابري في هذا المقام ما أورده عند قوله تعالى :  »  جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الاَحْزَابِ[16]«  قال : ) لقد هزم هناك جند من أحزاب إبليس لما أرادوا استراق السمع [17]( . فالجابري هنا يزعم أن هذه الآية تتحدث عن الجن الذين كانوا يسترقون السمع، وأنهم بعد البعثة النبوية هزموا ولم تعد لهم قدرة على استراق السمع، وهذا الفهم يطرح مجموعة من الأسئلة منها:

أ – هل جند إبليس من الجن أحزاب أم حزب واحد ؟ .

ب – هل هذا الفهم يتفق مع السياق بأي وجه من الوجوه ؟ .

ج –  ما هي الضوابط العلمية التي اعتمدها الجابري وأوصلته إلى هذا الفهم ؟ .                             أم أن الأمر لا يعدو أن يكون  ضربا من التخمين والخيال !!!  .

وقد بدأ الجابري هذه المرحلة باستهلال خصصه للحديث عن التطورات الجديدة في الدعوة المحمدية، حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبطال الشرك وتسفيه الأصنام مما أدى به إلى أن يخوض» خلالها مع الملأ من قريش معركة قوية وعنيفة ضد الشرك وعبادة الأصنام ، فتعرض هو وأصحابه لشتى أنواع الإذايات و العسف كان من نتائجها اضطرار معظم الذي لبوا دعوته إلى الهجرة إلى الحبشة بأمر منه وكان ذلك بين السنتين الخامسة والسادسة للنبوة… «[18]. وهل جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لإبطال الشرك وتسفيه الأصنام، فكيف يتأخر هذا ست سنوات حسب زعم الجابري !!! .

ثم ختم الجابري الحديث عن هذه المرحلة بكلام عن التوحيد والأصنام والتصوير.

في مسألة التوحيد نبه الجابري على الفرق بين التوحيد في الإسلام – كما حددته سورة الإخلاص التي جاءت جوابا على سؤال المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينسب لهم ربه – وبين التوحيد عند اليهود والنصارى   »فإله اليهودية خاص بهم وحدهم وهم يعتبرونه أبا لهم…مما جعل علاقتهم به تتطور إلى علاقة قبيلة برئيسها ومدبر شأنها…أما المسيحية فقد تصورت الألوهية ‘أقانيم’ ، أو قل ‘عناصر’  أو’ مكونات’ ثلاثة : الأب والإبن وروح القدس [19]« . ولا أدري كيف ساغ للجابري أن يعتبر هذا الذي تقوله اليهود والنصارى توحيدا، فإذا كان الأمر كذلك فما هو الشرك ؟.

ثم عرف الجابري بعد ذلك الأصنام، وتحدث عن قدم عبادة الناس لها وعن صور إبراهيم ومريم داخل الكعبة، وختم بالحديث عن الصور وذكر بعض الأحاديث الواردة في التصوير وعلق عليها .

– المرحلة الرابعة عنونها الجابري : بالصدع بالأمر والاتصال بالقبائل، وأورد فيها السور التالية : 

الحجر، الأنعام، الصافات، لقمان، سبأ .

ولم تخل كسابقاتها من إسقاطات الجابري، كيف لا ؟ والقرآن أصبح عند الجابري كتاب للتأريخ لأحداث السيرة النبوية.

ففي تقديمه لسورة الأنعام يقول الجابري : ) فاستعراض ما جرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة مع قريش إنما هو نوع من ‘  التذكير ‘ ، المخاطب به هذه المرة ليس الملأ من قريش ، بل أهل المواسم والأسواق([20]. وبما أن الجابري قد عنون هذه المرحلة بالصدع بالأمر والاتصال بالقبائل فإن كل المعاني الواردة –  في كتاب الله تعالى-  في هذه السور الخمس التي حكم بنزولها في هذه الفترة سوف تصبح موجهة لأهل المواسم والأسواق، وإذا ورد فيها أمر يتعلق بالملأ من قريش فإنه مجرد تذكير للمخاطب الجديد !!!.

إلا أن هناك أمورا تشوش على الجابري وتفسد عليه تصنيفه للمراحل، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما  نزول قوله تعالى : » ولاَ تَاكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ[21] «  أرسلت[22] فارس إلى قريش ، أن خاصموا محمدا وقولوا له : فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال ، وما ذبح الله عز وجل بشمشير من ذهب ، يعني الميتة ، فهو حرام ؟ فنزلت هذه الآية  » وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىآ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنَ اَطَعْتُمُوهُمُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ «[23]  فسبب النزول هذا واضح في أن المخاطب هم قريش مما شوش على تصنيف الجابري واضطراره لاعتبار هذا النوع من الخطاب مجرد تذكير لأهل المواسم والأسواق بما سبق وجرى من نقاش بين رسول الله وبين كفار قريش، أما كفار قريش – حسب زعم الجابري- فهم غائبون تماما في هذه المرحلة، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعد يراهم أو يكلمهم أو يلتقي بهم، ربما لأنهم انتقلوا إلى كوكب آخر !!! .

فهل لهذه الافتراضات الجابرية من حجج أو أدلة –  مهما كان ضعفها – تسندها ؟ وهو الذي يرد الروايات الصحيحة الواردة في صحيح البخاري وغيره بدون مسوغ علمي أو عقلي مقنع !!! .

بدأ الجابري الحديث عن هذه المرحلة باستهلال وصف فيه المرحلة التي هو بصدد الحديث عنها معتمدا في ذلك على رسالة من عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان كما رواها الطبري في تاريخه وعلى بعض ما رواه ابن إسحاق حول الهجرة إلى الحبشة، ثم العودة من الهجرة وما أعقب ذلك من معانات وصد قريش للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج .

ثم ختم الجابري الكلام في هذه المرحلة باستطراد قصير خصصه للحديث عن غزو الدعوة المحمدية للعرب في المواسم والأسواق وما ظهر هناك من  » بوادر إيجابية وردت عنها تلميحات في سور هذه المرحلة وقد توقفنا عندها في حينها «[24]  .

– أما المرحلة الخامسة فقد عنونها الجابري : بحصار النبي – عليه السلام – وأهله في شعب أبي طالب وهجرة المسلمين إلى الحبشة، وزعم نزول السور التالية فيها :

الزمر، غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف .

وهكذا يصبح كل الخطاب القرآني الوارد في هذه السور يدور حول الحصار والهجرة إلى الحبشة.

فيفهم الجابري قوله تعالى : » مَا يُجَادِلُ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الذِينَ كَفَرُوا فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلاَدِ[25]«  أي )هيمنتهم على مكة و أسفارهم للتجارة وأنت في الحصار . ذلك هو  الشأن مع الأقوام الذين كذبوا رسلهم فأمهلناهم إلى حين[26] ( .

وعلى أمر الهجرة يحمل الجابري قوله تعالى : » الذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبـِّهِمْ وَيُومِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنَ ـ ابَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيـَّاتِهِمُ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  «[27] . فيعلق قائلا : ) يحتمل أن يكون المقصود بهؤلاء المؤمنين الذين تدعوا الملائكة لهم…بالجنة وأن يقيهم الله السيئات ، هم المهاجرون إلى الحبشة ، فقد هاجر جلهم ومعهم زوجاتهم وأبناؤهم، وهم معرضون في بلاد الهجرة إلى كل احتمال ، ولذلك كان الطلب لهم بأن يقيهم السيئات . والجدير بالإشارة أن هذه المرة الأولى والوحيدة التي يذكر فيه القرآن هذا الدعاء ‘ وقهم السيئات ‘ [28]( .

وقد نسي الجابري أن ” الذين آمنوا ” لفظ عام يشمل كل المؤمنين فلماذا هذا الإسقاط على من هاجر إلى الحبشة دون غيرهم، وهو تخصيص بدون مخصص وقول على الله بغير علم، وإذا كان لا بد من الإسقاط فلماذا لا يدخل في هذا الدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين تعرضوا معه لمعانات الحصار وآلام الجوع والحرمان ؟!!!  .

وقد بدأ الجابري الحديث عن المرحلة الخامسة بالقول  » إن الاستجابة كانت قليلة ، بل تكاد تكون منعدمة كما رأينا في الاستطراد أعلاه «[29]  . وقد تحدث في الاستطراد أعلاه عن نتائج إيجابية، قبل أن ينقض غزله هنا ليبحث للحصار في شعب أبي طالب عن سبب، وهذا السبب – عند الجابري – هو اتصال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبائل. وهكذا يبحث الجابري عن منطق يربط به بين معاني القرآن والسيرة النبوية فيقع من حيث لا يدري في اللامنطق .

ثم ختم الجابري الحديث عن هذه المرحلة باستطراد تحدث فيه عن الهداية والضلال، حيث تعرض للتطور التاريخي الذي مرة به هذه المسألة عند الفرق الكلامية  كالجبرية والقدرية والمعتزلة و الأشاعرة  والحنابلة .

– المرحلة  السادسة وبها تنتهي المراحل المكية وقد عنونها الجابري : بما بعد الحصار مواصلة الاتصال بالقبائل…والاستعداد للهجرة إلى المدينة، وأورد فيها السور التالية :

نوح، الذاريات، الغاشية، الإنسان، الكهف، النحل، إبراهيم، الأنبياء، المؤمنون، السجدة، الطور، الملك، الحاقة، المعارج، النبأ، النازعات، الانفطار، الانشقاق، المزمل، الرعد، الإسراء، الروم، العنكبوت، المطففين، الحج .

وواضح من أسماء بعض السور أن وضعها في هذه المرحلة سوف يتعب الجابري، فهذه المرحلة هي مرحلة ) مواصلة الاتصال بالقبائل والاستعداد للهجرة إلى المدينة( بينما الحوار مازال ساخنا مع كفار قريش خصوصا في سورة الإسراء و سورة الكهف .

ومع ذلك فإن للجابري قدرة لا تقاوم على الإسقاط في الزمان والمكان المتخيل عنده، وهذا واضح في تعليقه على قوله تعالى : » وَلَئِن سَأَلْتَهُم ) مشركي قريش الذين كانوا يخيفون المسلمين العازمين على الهجرة إلى المدينة من عاقبة الذهاب إلى بلد لا أهل لهم فيها [30]( مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىا يُوفَكُون « [31].

وفي أواخر سورة الروم نجد الجابري يفترض قرب الهجرة، وبالتالي يصبح معنى قوله تعالى:» فَاصْبِرِ اِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنـَّكَ الذِينَ لاَ يُوقِنُونَ «[32]، أي ) عدم التأثر بضغوط المشركين ، وأن لا يستعجل في الهجرة إلى المدينة قبل الوقت المناسب ([33] . بينما المعنى الأقرب إلى روح القرآن هو :  » اثبت على ما بعثك الله به ، فإنه الحق الذي لا مرية فيه ، و لا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى يتبع ، بل الحق كله منحصر فيه « [34]. أما إسقاط المعنى على مسألة الهجرة فبعيد جدا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ليهاجر إلا بعد إذن الله تعالى له بالهجرة.

وقد بدأ الجابري الحديث عن هذه المرحلة باستهلال تعرض فيه لفك الحصار وموت أبي طالب وخديجة زوج النبي عليه السلام، كما تحدث فيه عن رحلة النبي عليه السلام إلى الطائف وغيرها من الأحداث التي حصلت في هذه الفترة .

ثم ختم الجابري الحديث عن هذه المرحلة باستطراد حول ما ورد في السيرة عن الهجرة إلى المدينة .

ثم ختم الحديث عن المراحل المكية الستة باستخلاص مجموعة من الخلاصات التي توصل إليها على مستوى المنهج والنتائج .

أما على مستوى المنهج فقد زعم الجابري أنه  »لأول مرة أصبح ممكنا عرض القرآن ومحاولة فهمه بكلام متصل مسترسل يشد بعضه بعضا ، كلام يلخص مسار التنزيل ومسيرة الدعوة في تسلسل يرضي النزوع المنطقي في العقل البشري «[35]  . ثم ذكر أنه لكي يصل إلى ما وصل إليه اعتمد ثلاث خطوات منهجية يمكن إجمالها في اعتبار التساوق بين مسار التنزيل ومسيرة الدعوة ، اعتبار وحدة السورة ، واعتبار القرآن المكي قسمين.

أما على مستوى المضمون ف » يتمثل..في الانتباه إلى وجود نوع من علامة الفصل والوصل بين المراحل الثلاث الأولى والمراحل الثلاث التالية لها ، وبالتالي التمييز في القرآن المكي ككل بين قسمين متصلين ، ولكن متمايزين « . وهكذا صار القرآن الكريم على يد الجابري كتاب تاريخ لمرحلة زمنية انتهت.

– المرحلة المدنية والتي عنونها الجابري : بالرسول في المدينة، وقد أورد الجابري – حسب- ترتيبه في هذه المرحلة السور التالية :

البقرة، القدر، الأنفال، آل عمران، الأحزاب، الممتحنة، النساء، الحديد، محمد، الطلاق، البينة، الحشر، النور، المنافقون، المجادلة، الحجرات، التحريم، التغابن، الصف، الجمعة، الفتح، المائدة، التوبة، النصر.

وسوف يفترض الجابري لكل سورة من هذه السور زمنا معينا يفترض أنها نزلت فيه، ثم يسقط معانيها على الأحداث التي وقعت في ذلك الزمن، وإليكم نموذج من هذا الذي نقول:

ففي سورة النساء عند قوله تعالى : » وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ) الزانيات من نساء المدينة اللائي اشتهر ذلك عنهن ، وليس بالضرورة زوجات المؤمنين فقد يكن غير محصنات أو أرامل ( فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ) اسجنوهن ( حَتَّىا يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ) مخرجا وطريقا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة[36]( وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا )أي الفاحشة ( مِنكُمْ ) أي الرجل والمرأة من المسلمين ( فَئَاذُوهُمَا )لم يتحدد بعد نوع الأذى  ، مع استبعاد الرجم ، لأنه فوق الأذى ( فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا « [37] . هكذا يفترض الجابري وجود زانيات محترفات في المدينة ثم يسقط عليهن معنى الآية، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يحتاج مثل هؤلاء إلى بينة تثبت زناهن وقد صرن مشتهرات به ؟. ثم ماذا يقصد الجابري بقوله مخرجا وطريقا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة ؟ لعله بذلك يريد الهروب من القول بالنسخ، ويؤكد هذا قوله إن نوع الأذى لم يتحدد بعد، وهكذا يبقى الحكم هنا معلقا إلى أن يأتي البيان في سورة النور، وهذا فهم كليل وسير بليل وقول بلا دليل، والصواب أن الآية الأولى نزلت في النساء عامة وقد » كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا كان زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت…كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم «[38]  .

أما الآية الثانية فتتعلق بالرجال فقط، والأذى المذكور هنا يقصد به » الشتم والتعيير والضرب بالنعال ، وكان الحكم كذلك ، حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم « [39] .

أما القول بأن نوع الأذى لم يتحدد بعد فإنه هروب من القول بالنسخ وسقوط في القول   بتأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز عند علماء الأصول. واستبعاد الرجم فيه أيضا هروب من النسخ  مع  الإنكار لما ورد عنه في السنة النبوية.

بدأ الجابري الحديث عن هذه المرحلة بموجز حول السيرة النبوية منذ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة إلى غزوة تبوك، ثم عقب باستهلال تعرض فيه لمسألة القرآن المدني .

كما خص الجابري عددا من المواضيع بتعاليق واستطرادات بلغت 24 تعليقا واستطرادا  كالسحر والنسخ والمحكم والمتشابه…الخ .

هكذا حول الجابري القرآن الكريم إلى كتاب من كتب السيرة النبوية، يسقط معانيه العامة على أحداث ووقائع معينة، وهو بذلك يخالف مقصد القرآن الذي يتحدث دائما بصيغ العموم لأنه كتاب هداية لكل زمان ومكان، يستطيع كل مؤمن أن يأخذ منه ما يعالج به كل أحواله الخاصة، كما تستطيع كل جماعة – بغض النظر عن الزمان والمكان – أن تأخذ منه ما تعالج به أحوالها العامة وعلى كل المستويات الإقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية…الخ، مصداقا لقوله تعالى : » مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ « [40]

 

 

 

[1] هذا لا يتعارض مع قولنا إن الجابري لم يأت بجديد، فالأمر هنا يتعلق بإسقاطات لم يسبق لها وليس لها قيمة علمية .

[2] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 206 .

[3] سورة المدثر ، الآية 4 .

[4] فهم القرآن القسم الأول ، ص 32 .

[5] رواه البخاري ، كتاب الوضوء ، باب صب الماء على البول في المسجد ، حديث : 216 .

[6] فهم القرآن القسم الأول ، ص 68 .

[7] نفس المرجع ، ص 23 .

[8] نفس المرجع ، ص 125 .

[9] سورة المرسلات ، الآية 4 .

[10] الضمير هنا يعود على المرسلات ، وقد اختلف في معناها فقيل هي : الرسل ، وقيل الملائكة ، وقي الرياح ، وقد رجح ابن كثير هذا الأخير ، إلا أن الظاهر من كلامه التالي أنها الملائكة .

[11] تفسير ابن كثير .

[12] فهم القرآن القسم الأول ، ص 148 .

[13] سورة القيامة ، الآية 14 – 20 .

[14] فهم القرآن القسم الأول ، ص 141 .

[15] نفس المرجع ، ص 194 .

[16] نفس السورة ، الآية 11 .

[17] فهم القرآن القسم الأول ، ص 214 .

[18] فهم القرآن القسم الأول ، ص 209 .

[19] نفس المرجع ، ص 376 .

[20] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 43 .

[21] سورة الأنعام ، الآية 121 .

[22] تفسير ابن كثير .

[23] سورة الأنعام ، الآية 121 .

[24] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 85 .

[25] سورة غافر ، الآية 4 .

[26] فهم القرآن  القسم الثاني ، ص 102 .

[27] سورة غافر ، الآية 7 – 9 .

[28] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 102 .

[29] نفس المرجع ، ص 89 .

[30] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 364 .

[31] سورة العنكبوت ، الآية 61 .

[32] سورة الروم ، الآية 60 .

[33] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 354 .

[34] تفسير ابن كثير .

[35] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 391 .

[36] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 215 – 216 .

[37] سورة النساء ، الآية 15 – 16 .

[38] تفسير ابن كثير .

[39] نفس المرجع .

[40] سورة الأنعام ، الآية 38 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.